اشتداد المعارك حول باب المندب.. وتجدد التوتر قرب الشريان البحري المؤدي لقناة السويس

Published:

عاد مضيق باب المندب إلى واجهة الأحداث صباح اليوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، مع تقارير عن اشتداد المعارك بين قوات العمالقة الجنوبية والحوثيين في المنطقة المحيطة بالمضيق، في تطور جديد يهدد استقرار أهم ممر ملاحي في البحر الأحمر، ويضع حركة السفن المتجهة إلى قناة السويس وأسعار النفط تحت ضغط متجدد.

وذكرت تغطية عاجلة لقناة سكاي نيوز عربية صباح اليوم أن المعارك اشتدت بين قوات العمالقة الجنوبية والحوثيين في منطقة باب المندب، فيما تحدثت الصحافة اليمنية الموالية للحكومة عن هجوم فجر اليوم شنّته قوات درع الوطن وألوية العمالقة استعادت خلاله معسكر باب المندب وجزيرة ميون من قبضة الحوثيين، مع تقدم نحو منطقة ذوباب. وهذه التفاصيل الميدانية تبقى، حتى الآن، مزاعم من طرف واحد لم تُؤكدها مصادر مستقلة، لكن حدة التطورات المتتالية نفسها أصبحت حقيقة ميدانية لا يمكن تجاهلها.

باب المندب: لماذا يعود المضيق إلى الصدارة؟

باب المندب ليس مجرد شريط مائي بين اليمن وجيبوتي، بل هو البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، ومنها تعبر السفن نحو قناة السويس. أي اضطراب في هذا المضيق يعني عملياً أن البديل الوحيد أمام ناقلات النفط وسفن الحاويات هو الالتفاف حول أفريقيا عبر رأس الرجاء الصالح، وهي رحلة أطول بنحو أسبوعين وتكلفة أعلى بكثير على كل رحلة.

المعارك الحالية تأتي بعد أيام من تطورات متسارعة في المنطقة نفسها: ففي الخامس من أكتوبر الحالي أعلنت القوات الحكومية اليمنية استعادة مناطق كانت قد وقعت تحت سيطرة الحوثيين في الساحل الغربي، وسبق ذلك في سبتمبر استيلاء الحوثيين على جزيرة ميون الاستراتيجية داخل المضيق. بمعنى آخر، نحن أمام صراع متكرر على السيطرة على مدخل البحر الأحمر، وكل جولة جديدة تعيد رسم خريطة المخاطر أمام شركات الشحن.

ماذا يعني ذلك لأسعار النفط؟

تداول خام برنت صباح اليوم الجمعة قرب 103.2 دولار للبرميل، متراجعاً نحو 1% عن إغلاق أمس، بعدما قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن الولايات المتحدة لن تهاجم إيران قبل انتخابات الكونجرس في الثالث من نوفمبر، مشيراً إلى “مباحثات مثمرة” مع طهران. لكن هذا التراجع يأتي بعد قفزة حادة أمس الخميس بلغت نحو 4%، مدفوعة بتصاعد الهجمات على السفن التي تنقل النفط الخام خارج الشرق الأوسط.

والصورة الأوسع مقلقة: فقد انخفضت حركة العبور عبر مضيق هرمز إلى أدنى مستوى لها في أكثر من شهرين، مع عبور سبع سفن فقط مؤخراً، وتراجعت شحنات النفط الخام العابرة بنحو 27% عن الأسبوع السابق إلى 10.1 مليون برميل يومياً، بحسب بيانات رصد حركة الشحن. وفي المقابل، زادت صادرات النفط عبر خليج عمان والبحر الأحمر لتعويض النقص، وهو ما يجعل استقرار باب المندب أكثر أهمية من أي وقت مضى بالنسبة لتدفقات النفط العالمية.

قناة السويس.. المعادلة الدقيقة بين الفرصة والمخاطرة

بالنسبة لمصر، الوضع يحمل معادلة مزدوجة. من جهة، حققت قناة السويس انتعاشة ملموسة خلال الفترة الماضية: فقد بلغت إيراداتها في السنة المالية 2025/26 نحو 4.67 مليار دولار، بزيادة 23% عن العام السابق، بحسب تصريحات رسمية لوزير التخطيط والتنمية الاقتصادية أحمد رستم مطلع أكتوبر الحالي. وفي أغسطس الماضي وحده، عبرت القناة 1358 سفينة بإيرادات بلغت 567.1 مليون دولار، مقابل 326 مليون دولار في أغسطس 2025. وتتوقع هيئة قناة السويس إيرادات سنوية بين 5.8 و6 مليارات دولار خلال 2026.

السبب الرئيسي وراء هذا الانتعاش هو إعادة توجيه جزء من صادرات النفط، خاصة السعودية، نحو البحر الأحمر بعد الأزمة في مضيق هرمز. فالمملكة أعادت توجيه معظم صادراتها من الخام إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، ومنه عبر خطوط الأنابيب والممرات الشمالية نحو القناة وميناء سيدي كرير على المتوسط.

لكن هذه المعادلة لها وجه آخر: فكلما زاد الاعتماد على البحر الأحمر كبديل لهرمز، زادت حساسية القناة لأي اضطراب في باب المندب. تجدد القتال حول المضيق اليوم يذكّر شركات التأمين البحري وشركات الشحن بأن المخاطر لم تنتهِ، وقد ينعكس ذلك في ارتفاع أقساط التأمين على السفن العابرة للمنطقة، وهي تكاليف تنتقل في النهاية إلى أسعار السلع.

ماذا نراقب في الأيام المقبلة؟

أول ما يجب متابعته هو ما إذا كانت المعارك الحالية ستتوسع أم ستبقى محصورة في محيط ذوباب والمخا، لأن أي إغلاق فعلي للمضيق سيكون له تداعيات فورية على حركة الشحن. وثانياً، مسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية: فترامب تحدث عن إمكانية إعادة فتح هرمز خلال أيام إذا نجحت المباحثات، وهو ما قد يعيد ترتيب خريطة تدفقات النفط بالكامل.

وثالثاً، وهو الأهم للمواطن المصري، أسعار النفط نفسها. فبرنت فوق 100 دولار يعني استمرار الضغط على فاتورة استيراد المنتجات البترولية، في وقت لم تحسم فيه لجنة التسعير التلقائي أي قرار جديد بشأن أسعار الوقود. أي تصعيد جديد في البحر الأحمر قد يدفع الأسعار لمستويات أعلى، ويجعل معادلة الدعم وتسعير الوقود أكثر صعوبة.

المصدر: تغطية سكاي نيوز عربية العاجلة (فيديو): https://www.youtube.com/watch?v=IUAn5VKQ74c، وبيانات أسعار النفط عن رويترز وول ستريت جورنال صباح 9 أكتوبر 2026، وتصريحات وزارة التخطيط المصرية وهيئة قناة السويس بشأن إيرادات القناة.

تحليل الفلوس

ما يحدث في باب المندب اليوم ليس مجرد خبر عسكري بعيد عن حياتنا اليومية، بل هو جزء من معادلة اقتصادية تلمس جيب كل مصري. فقناة السويس، التي كانت قبل ثلاث سنوات تدر أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، ما زالت في رحلة التعافي بعدما خسرت مليارات الدولارات بسبب اضطرابات البحر الأحمر. والانتعاشة الحالية إلى 4.67 مليار دولار هشة بطبيعتها، لأنها مبنية جزئياً على تحويل مسارات النفط بسبب أزمة هرمز، أي أنها انتعاشة “طارئة” أكثر منها عودة طبيعية لحركة التجارة.

الدرس الأهم هنا: مصر تستفيد من أزمة هرمز عبر قناة السويس، لكنها في الوقت نفسه معرضة لأزمة باب المندب التي قد تقطع هذا البديل. بمعنى أن القناة اليوم تقف بين نارين: هرمز المغلق جزئياً يدفع السفن نحوها، وباب المندب المشتعل قد يطردها منها. وأي تصعيد في المضيقين معاً سيعيد سيناريو 2024 القاسي، حين تراجعت الإيرادات إلى نحو 4 مليارات دولار فقط.

بالنسبة للمستثمر والمواطن العادي، الرسالة واضحة: راقب سعر برنت كما تراقب سعر الدولار. فكل دولار زيادة في سعر البرميل يترجم إلى ضغط على الموازنة العامة وعلى أسعار الوقود محلياً، وكل توتر جديد في البحر الأحمر يعني تأميناً بحرياً أغلى وشحناً أبطأ وسلعاً أغلى على رفوف المحلات. والفترة المقبلة، مع انتخابات الكونجرس الأمريكي في نوفمبر والمفاوضات مع إيران، ستكون حاسمة في تحديد اتجاه هذه المعادلة.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img