استعاد الذهب العالمي توازنه في تعاملات مساء الثلاثاء، بعد يوم بدأ ضاغطًا وانتهى لصالح المعدن الأصفر؛ فقد هبطت الأونصة الفورية في التعاملات المبكرة إلى نحو 4122 دولارًا تحت وطأة دولار قوي وعوائد سندات أمريكية قياسية، قبل أن يعكس مساره صعودًا مع تراجع الدولار عن أعلى مستوياته في 18 شهرًا وتهدئة رهانات المستثمرين على رفع الفيدرالي أسعار الفائدة في أكتوبر.
وبحلول التعاملات المسائية استقرت الأونصة فوق 4160 دولارًا، بينما صعدت العقود الآجلة للذهب تسليم ديسمبر في نيويورك 0.8% إلى 4190.30 دولار، وفق صحيفة وول ستريت جورنال.
الذهب العالمي يقلب المعادلة في جلسة متقلبة
افتتح المعدن الأصفر تعاملات الثلاثاء على تراجع، إذ انزلقت الأونصة الفورية 0.3% إلى 4128.69 دولار بحلول 0155 بتوقيت جرينتش، وفق رويترز، مع تماسك الدولار الذي جعل السلع المقومة بالعملة الخضراء أغلى ثمنًا لحاملي العملات الأخرى، ومع استمرار ضعف سوق السندات الذي دفع عوائد السندات لأجل 10 و30 عامًا إلى أعلى مستوياتها في 24 عامًا يوم الاثنين.
لكن الصورة انقلبت مع تقدم الجلسة؛ فقد تراجع مؤشر الدولار عن ذروته، وتلقى الذهب دعمًا إضافيًا من تراجع أسعار النفط، إذ قالت المحللة كاينات تشينوالا من «كوتاك نيو» لصحيفة وول ستريت جورنال إن انخفاض أسعار الخام وفر رياحًا مواتية للمعدن النفيس.
ويرى كايل رودا، كبير محللي الأسواق المالية في «كابيتال دوت كوم»، أن الأساسيات لا تزال داعمة للذهب على المدى الطويل، وأن المحفز الكبير المقبل قد يأتي من المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط، أو من أي تغير جوهري في توقعات أسعار الفائدة الأمريكية، مشيرًا إلى أن كل قطعة بيانات أسعار ستكون مهمة في الفترة المقبلة، بحسب ما نقلته رويترز.
الدولار يتراجع عن ذروته.. ورهانات أكتوبر تنهار
كان تراجع الدولار هو كلمة السر في تعافي الذهب العالمي؛ فقد انزلق مؤشر العملة الأمريكية 0.08% إلى 102.015، معكوسًا بذلك جزءًا من الضغوط التي أثقلت كاهل المعدن في وقت مبكر، عندما كانت العملة تتداول قرب أقوى مستوياتها خلال العام.
وجاء هذا التحول بعد بيانات الوظائف الأمريكية المخيبة لشهر سبتمبر، التي أظهرت إضافة 29 ألف وظيفة فقط — أي أقل من ثلث توقعات السوق التي كانت تدور حول 90 ألفًا — مع ارتفاع معدل البطالة إلى 4.2%، ومراجعة أرقام الشهرين السابقين بالخفض، وفق رويترز.
وانهارت على إثر ذلك رهانات رفع الفائدة في أكتوبر؛ إذ تُسعّر الأسواق الآن احتمالًا لا يتجاوز 20-24% لزيادة جديدة هذا الشهر، مقابل نحو 70% قبل أسبوع واحد، بحسب أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة CME، بينما يبقى احتمال رفع ديسمبر مرتفعًا عند نحو 87%.
ووصف الاقتصادي جيريمي سيجل، أستاذ المالية في وارتون، تقرير الوظائف بأنه «تقرير مثالي» يمنح رئيس الفيدرالي كيفن وارش غطاءً لتثبيت الفائدة في أكتوبر، متوقعًا أن تبقى عوائد السندات فوق 5% لبقية العام، لأن النمو — وليس التضخم وحده — هو ما يقودها، في مقابلة مع شبكة CNBC.
وزاد من تعقيد الصورة أن نشاط قطاع الخدمات الأمريكي فقد زخمه في سبتمبر، بينما دفعت الطلبات المحلية القوية مقياس أسعار المدخلات التي تدفعها الشركات إلى أعلى مستوى له في أكثر من أربع سنوات، ما يشير إلى أن التضخم قد يبقى مرتفعًا حتى 2027، وفق رويترز. وتتجه الأنظار غدًا الأربعاء إلى محضر اجتماع الفيدرالي لشهر سبتمبر، بحثًا عن أي إشارات حول الخطوة المقبلة قبل اجتماع 27-28 أكتوبر.
عوائد السندات والنفط يرسمان خلفية الجلسة
ظلت عوائد السندات الأمريكية العائق الأكبر أمام الذهب العالمي؛ فقد تراجع عائد السندات لأجل 10 سنوات إلى نحو 5.26% خلال الجلسة، من إغلاق الاثنين عند 5.31%، بعد أن لامس 5.35% يوم الاثنين — وهو أعلى مستوى منذ عام 2002. وارتفاع العوائد يرفع تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب الذي لا يدر عائدًا، لكن حسن فواز من «جيف تريد» قال لصحيفة وول ستريت جورنال إن المعادلة قد تنقلب عندما تتجاوز المخاطر الكامنة وراء تلك العوائد أهمية الدخل الذي تقدمه: «نقطة التحول تأتي عندما يتوقف المستثمرون عن السؤال عن مقدار ما تدفعه السندات، ويبدأون في السؤال عن سبب اضطرارها لدفع كل هذا».
وفي سوق الطاقة، هبط خام غرب تكساس الوسيط 2.3% إلى 87.40 دولار في التعاملات الصباحية، قبل أن يقلص خسائره لاحقًا، بينما نزل خام برنت دون حاجز 100 دولار متراجعًا إلى نطاق 98.6-99.6 دولار، مع تعافي صادرات الخليج وتعهد مجموعة السبع بتعزيز الإمدادات من المخزونات الاستراتيجية، وفق رويترز — وهو تطور يخفف مخاوف التضخم التي كانت تضغط على الأسواق. (اقرأ أيضًا: النفط يكسر حاجز 100 دولار).
الذهب العالمي والأسهم الأمريكية.. صعود متزامن
تزامن تعافي الذهب مع يوم قوي في وول ستريت؛ فقد أغلق مؤشر ناسداك تعاملات الاثنين عند مستوى قياسي — وهو الرقم القياسي الثالث والعشرون له هذا العام — بينما سجل مؤشر S&P 500 مستوى قياسيًا جديدًا خلال جلسة الثلاثاء عند 7830 نقطة، وهو رقمه القياسي الثامن والعشرون في 2026، مدفوعًا بأسهم التكنولوجيا الكبرى ورهانات الذكاء الاصطناعي، وفق إنفستوبيديا.
واقتربت شركة إنفيديا من أن تصبح أول شركة في التاريخ تبلغ قيمتها السوقية 6 تريليونات دولار، بعد أن لامست 5.8 تريليون دولار، بينما عاد إيلون ماسك إلى نادي التريليونيرات مجددًا بفضل مكاسب تسلا وسبيس إكس. (اقرأ أيضًا: فقاعة الذكاء الاصطناعي وإنفيديا).
وفي المعادن الأخرى، تراجعت الفضة الفورية 0.6% إلى 60.67 دولار للأونصة، بينما استقرت العقود الآجلة لها قرب 61.63 دولار بارتفاع 0.5%، وانخفض البلاتين 0.7% إلى 1710.08 دولار، وفق رويترز.
ماذا يعني تعافي الذهب العالمي للمشتري المصري؟
انعكس التعافي العالمي سريعًا على السوق المحلية في تعاملات المساء؛ فقد سجل جرام الذهب عيار 21 — الأكثر تداولًا في مصر — نحو 6150 جنيهًا للبيع و6110 جنيهات للشراء، مرتفعًا بنحو 10-15 جنيهًا عن مستويات الصباح، بينما بلغ عيار 24 نحو 7030 جنيهًا للبيع و6985 جنيهًا للشراء، وسجل الجنيه الذهب نحو 50,440 جنيهًا، وفق تحديثات مسائية لمواقع «بانكر» و«الجمهور». (تابع: أسعار الذهب في مصر اليوم الثلاثاء).
ويبقى العامل الثاني المؤثر في السعر المحلي هو الدولار؛ فقد استقرت العملة الخضراء في البنوك المصرية قرب 52.50 جنيه، وهو ما يوفر دعمًا إضافيًا للأسعار المحلية ويحد من تأثير أي تراجعات عالمية، بحسب «بانكر». (تابع: سعر الدولار اليوم).
ويتزامن ذلك مع ترقب اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري يوم 29 أكتوبر الجاري — وهو الاجتماع السابع خلال 2026 — بعد أن ثبتت اللجنة أسعار الفائدة في اجتماعها الأخير في سبتمبر، وفق موقع «إيجي إن».
تحليل الفلوس
الرسالة الأهم من جلسة الثلاثاء أن الذهب لم يعد يتحرك وحده؛ فهو الآن رهينة معادلة ثلاثية: الدولار، وعوائد السندات، وتوقعات الفيدرالي. تراجع الدولار عن ذروة 18 شهرًا هو ما فتح الباب أمام التعافي، لكن العوائد التي لا تزال فوق 5.2% تضع سقفًا واضحًا لأي صعود — فكلما اقتربت الأونصة من منطقة 4180-4194 دولارًا، ستجد بائعين يستغلون العوائد المرتفعة كبديل. أما الدعم الأول فيقع عند 4100-4125 دولارًا، وكسره سيعيد الحديث عن 4050 دولارًا، بحسب التحليلات الفنية المتداولة.
بالنسبة للمدخر المصري، المعادلة المحلية مختلفة قليلًا: حتى لو تراجع الذهب عالميًا، فإن الدولار المستقر قرب 52.50 جنيه في البنوك يحمي الأسعار المحلية من الهبوط الحاد، وهذا ما يفسر تماسك عيار 21 فوق 6100 جنيه رغم تذبذب الأونصة. من يفكر في الشراء للادخار طويل الأجل، فالمستويات الحالية — بعد تصحيح تجاوز 25% من ذروة يناير — أقل خطورة من الشراء عند القمم، لكن الشراء المتدرج على دفعات يبقى أكثر حكمة من رهان واحد كبير، خاصة مع محضر الفيدرالي غدًا الأربعاء الذي قد يقلب التوقعات في أي اتجاه.
المحفزان المقبلان واضحان: محضر اجتماع الفيدرالي غدًا، ثم اجتماع البنك المركزي المصري يوم 29 أكتوبر. إذا جاء المحضر بنبرة حذرة تجاه مزيد من التشديد، فقد يختبر الذهب المقاومة عند 4190 دولارًا سريعًا؛ أما إذا تمسك صناع السياسة بلغة متشددة بسبب ضغوط أسعار المدخلات، فالدولار سيعود للصعود والذهب للتراجع. العين إذن على العوائد أولًا، وعلى الدولار ثانيًا — فهما من يقرر وجهة الذهب في الأسابيع المقبلة، لا الذهب نفسه.







