قفزت أسعار النفط اليوم عالميًا بشكل حاد، ليتجاوز خام برنت مستوى 102 دولار للبرميل، وسط تصاعد التوترات في الشرق الأوسط ومخاوف من تفاقم نقص الوقود العالمي، في تحرك يعيد إلى الأذهان موجات الصعود الحادة التي يشهدها سوق الطاقة كلما احتدمت الأزمات الجيوسياسية.
وبحلول التعاملات المبكرة اليوم الجمعة، صعد سعر خام برنت بنحو 29 سنتًا أو 0.28% إلى 102.60 دولار للبرميل، كما زاد سعر خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بنحو 27 سنتًا أو 0.29% إلى 93.14 دولار للبرميل.
قفزة 4 دولارات في جلسة واحدة.. ماذا حدث أمس؟
جاء صعود اليوم استكمالًا لموجة قوية بدأت أمس الخميس، عندما ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 4 دولارات للبرميل عند التسوية. وسجل عقد خام برنت تسليم ديسمبر المقبل 102.31 دولار للبرميل، بارتفاع 4.28 دولارات وبنسبة 4.37%، فيما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط 2.45 دولار، ما يعادل 2.71%، ليصل إلى 92.87 دولارًا للبرميل.
هذه القفزة اليومية الحادة تعكس حجم القلق الذي يسود السوق، إذ عادة ما تتحرك أسعار النفط في نطاقات أضيق بكثير في الظروف الطبيعية.
الصين تعلق صادرات الوقود.. والشح يلوح في الأفق
من أبرز العوامل التي أشعلت موجة الصعود إعلان الصين تعليق صادرات الوقود المكرر، ما أثار مخاوف السوق من تفاقم نقص الوقود العالمي. وكانت بكين قد فرضت قيودًا على صادرات الوقود في مارس الماضي بعد اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ثم خففتها في يوليو، لتنظم حاليًا شحنات الديزل والبنزين ووقود الطائرات على أساس شهري.
وبدأت الصين أمس عطلة رسمية تستمر أسبوعًا دون منح شركات التكرير الكبرى الضوء الأخضر لشحن صادراتها إلى مناطق أخرى غير هونج كونج وماكاو خلال أكتوبر، ولم يتضح بعد ما إذا كانت بكين ستستأنف السماح بالتصدير عقب انتهاء العطلة.
وقال تيم واترر، كبير المحللين لدى “كيه.سي.إم تريد”، إن السوق تقيّم “مجموعة من الإشارات المتباينة”، مشيرًا إلى أن المتداولين “يأخذون استراحة قصيرة” بعد تقلبات الخميس العنيفة.
حاملة طائرات أمريكية ثالثة تتجه للشرق الأوسط
على الجبهة الجيوسياسية، أفادت صحيفة وول ستريت جورنال بأن الولايات المتحدة ترسل حاملة طائرات ثالثة وما يصل إلى 10 آلاف جندي إضافي إلى الشرق الأوسط، بينما يدرس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إمكانية استئناف الضربات على إيران بعد انتخابات التجديد النصفي.
وقال ترامب للصحفيين في البيت الأبيض: “الآن علي أن أتخذ قرارًا. إما أن يوقعوا اتفاقًا عادلًا للغاية، أو لن يكون لهم وجود بعد الآن”، في تصعيد لفظي زاد من قلق الأسواق.
وأضاف واترر أن “الصورة الإيجابية نسبيًا لصادرات السعودية تبددها تقارير عن توجه حاملة طائرات أمريكية أخرى نحو الخليج”، في إشارة إلى أن أي اضطراب في الممرات النفطية الحيوية قد يدفع الأسعار لمستويات أعلى بكثير.
ماذا يعني ارتفاع النفط للاقتصاد المصري؟
بالنسبة لمصر، يحمل ارتفاع أسعار النفط عالميًا وجهين. فمن ناحية، يزيد من فاتورة استيراد الطاقة، التي قال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في وقت سابق إنها “زادت أكثر من الضعف” منذ اندلاع الحرب. وهذا يضغط على الموازنة العامة ويرفع تكلفة دعم المواد البترولية.
ومن ناحية أخرى، تستفيد مصر جزئيًا من ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي الذي تصدره، كما أن ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا يعزز عادة أسعار الذهب ــ الذي تستفيد منه الصادرات المصرية ــ باعتباره ملاذًا آمنًا في أوقات التوتر.
لكن المحصلة الصافية تميل إلى السلبية بالنسبة للمواطن العادي، لأن ارتفاع النفط ينعكس على أسعار النقل والسلع، ويغذي التضخم الذي يحاربه البنك المركزي بسياسات نقدية متشددة.
هل يستمر الصعود؟ سيناريوهات السوق
يتجه خام برنت لتكبد خسارة أسبوعية نسبتها 1.93% رغم قفزة الأيام الأخيرة، بعد مكاسب إجمالية بلغت 14% في سبتمبر. هذا التذبذب يعكس حيرة السوق بين عاملين: شح المعروض والمخاطر الجيوسياسية من جهة، ومخاوف تباطؤ الطلب العالمي من جهة أخرى.
ويراقب المتعاملون الآن ثلاثة ملفات حاسمة: قرار الصين بشأن استئناف صادرات الوقود بعد عطلتها، وأي تحرك عسكري فعلي في المنطقة، وبيانات المخزونات الأمريكية الأسبوعية التي تكشف عن حقيقة الطلب.
أوبك+ تراقب.. هل تتدخل لضبط السوق؟
في خضم هذه التطورات، تتجه الأنظار إلى تحالف أوبك+ الذي يراقب السوق عن كثب. وكان التحالف قد أبقى في اجتماعاته الأخيرة على مستويات الإنتاج دون تغيير، في نهج متوازن يهدف للحفاظ على استقرار السوق وسط توقعات متباينة حول المعروض والطلب.
ويرى مراقبون أن التحالف قد يجد نفسه أمام معادلة صعبة: فرفع الإنتاج قد يهدئ الأسعار لكنه يقلل الإيرادات، بينما الإبقاء على التخفيضات يدعم الأسعار لكنه يغري المنتجين من خارج التحالف ــ خاصة النفط الصخري الأمريكي ــ على زيادة إنتاجهم واقتناص حصة سوقية.
وكانت السعودية، قائدة التحالف الفعلية، قد حافظت على صادرات مستقرة نسبيًا، وهو ما ساهم ــ بحسب المحللين ــ في تخفيف حدة الصعود، لولا أن التوترات الجيوسياسية طغت على عوامل السوق الأساسية.
أسعار البنزين في مصر.. هل تتأثر؟
السؤال الذي يشغل الشارع المصري: هل ينعكس ارتفاع أسعار النفط عالميًا على أسعار البنزين والسولار محليًا؟ الإجابة تكمن في آلية التسعير التلقائي التي تطبقها لجنة التسعير، والتي تراجع الأسعار دوريًا بناءً على متوسطات الأسعار العالمية وسعر الصرف.
ومع تجاوز برنت مستوى 100 دولار، تزداد الضغوط على اللجنة في مراجعتها المقبلة، خاصة أن فاتورة دعم المواد البترولية تتصاعد مع كل دولار زيادة في سعر البرميل. وكان رئيس الوزراء قد أشار سابقًا إلى أن فاتورة استيراد الطاقة “زادت أكثر من الضعف” منذ اندلاع الحرب، وهو ما يجعل أي قفزة جديدة في الأسعار العالمية عبئًا إضافيًا على الموازنة.
الخلاصة أن أسعار النفط اليوم تعيش على وقع السياسة أكثر من الاقتصاد، وكلما ارتفع منسوب التوتر في الشرق الأوسط، ارتفع معه سعر البرميل ــ ويدفع الفاتورة في النهاية المستهلكون حول العالم، ومنهم المواطن المصري.







