تبدأ بعثة صندوق النقد الدولي اليوم الأحد 25 أكتوبر 2026 في القاهرة محادثات المراجعة الثامنة والأخيرة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر البالغ 8 مليارات دولار، في محطة تحسم مصير تمويلات منتظرة بنحو 2.3 مليار دولار، وتغلق في الوقت نفسه صفحة برنامج بدأ في ديسمبر 2022 ومر بمراجعات مؤجلة ومفاوضات شاقة وتعديلات متكررة على المستهدفات. الخبر نقلته «الشرق بلومبرج» عن ثلاثة مصادر مطلعة، ونشرته اليوم وسائل اقتصادية مصرية منها الموجز والمستثمر، بينما لم يصدر حتى كتابة هذه السطور بيان رسمي من الصندوق أو من الحكومة المصرية يعلن جدول أعمال البعثة أو موعد مغادرتها.
توقيت بدء المراجعة ليس تفصيلا إجرائيا. فالبرنامج الحالي ينتهي في 15 ديسمبر 2026، أي بعد نحو سبعة أسابيع فقط، وأي تأخير جديد في استكمال المراجعة أو في عرض نتائجها على المجلس التنفيذي سيضع القاهرة أمام فجوة زمنية حساسة، لأن الشريحة الأخيرة مرتبطة باعتماد المجلس نفسه، وليس بمجرد انتهاء المناقشات الفنية في القاهرة. ولذلك يستهدف الصندوق، وفق ما نقلته المصادر، اعتماد المراجعة النهائية بحلول ديسمبر 2026، قبل انتهاء البرنامج بأيام.
صندوق النقد الدولي والمراجعة الثامنة: ماذا يتبقى لمصر؟
التمويلات المنتظرة من هذه المراجعة تصل إلى نحو 2.3 مليار دولار، وتتوزع على شريحتين مختلفتين في الطبيعة والمسار. الأولى شريحة أخيرة بنحو 1.5 مليار دولار من برنامج التسهيل الممدد نفسه، وهي الشريحة التي تكمل صرف البرنامج الأساسي المتفق عليه بعد زيادته إلى 8 مليارات دولار في مارس 2024. والثانية نحو 800 مليون دولار من تسهيل الصلابة والاستدامة، بعد استكمال مراجعته الثالثة، وهو التسهيل المرتبط بأجندة المناخ وكفاءة الطاقة والتحول الأخضر، ويخضع بدوره لموافقة المجلس التنفيذي.
إذا اعتمد المجلس المراجعتين معا، سيرتفع إجمالي ما تكون مصر قد حصلت عليه من الصندوق في إطار هذه الترتيبات من 7.3 مليار دولار حاليا إلى 9.6 مليار دولار عند الإتمام الكامل. الرقم مهم لحسابات الاحتياطي النقدي وسداد الالتزامات الخارجية في الربع الأخير من العام، لكنه لا يصل إلى القاهرة بمجرد بدء البعثة عملها اليوم. فبين بدء المحادثات والصرف الفعلي مسار معروف: مناقشات فنية مع البنك المركزي ووزارة المالية والوزارات المعنية، ومراجعة لمدى استيفاء المتطلبات والمستهدفات الكمية والهيكلية، ثم اتفاق على مستوى الخبراء، ثم عرض الملف على المجلس التنفيذي للاعتماد والصرف.
ولأنها الأخيرة، لا محطة تالية لترحيل الخلافات، فالأسابيع المقبلة اختبار عملي لا احتفال مبكر.
ملفات بعثة صندوق النقد الدولي على الطاولة في القاهرة
على طاولة النقاش في القاهرة ملفات ثقيلة، في مقدمتها السياسات المالية والنقدية. سينظر فريق الصندوق في مسار عجز الموازنة والفائض الأولي، وفي كلفة خدمة الدين التي تلتهم جانبا كبيرا من الإيرادات العامة، وفي إدارة الدين العام المحلي والخارجي وآجاله وأسعار الفائدة عليه. كما سيراجع موقف السياسة النقدية في البنك المركزي، وتطور معدلات التضخم، ومدى التزام سعر الصرف بآلية المرونة التي كانت شرطا محوريا منذ بداية البرنامج.
الملف الثاني الذي يضعه الصندوق في الصدارة هذه المرة هو تعزيز دور القطاع الخاص وتسريع تخارج الدولة من الأصول. نائبة مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في الصندوق، تالين كورنشيليان، أكدت في تصريحات حديثة أن مصر استعادت قدرا من الاستقرار الاقتصادي، لكنها تحتاج إلى تسريع الإصلاحات الهيكلية، وعلى رأسها تقليص بصمة الدولة في النشاط الاقتصادي وفتح مساحة أوسع أمام المستثمرين. هذه الرسالة تتكرر في بيانات الصندوق منذ عامين، لكن صياغتها في توقيت المراجعة الأخيرة تعني أن وتيرة تنفيذ وثيقة سياسة ملكية الدولة وبرنامج الطروحات ستكون جزءا من تقييم الأداء، لا مجرد تعهد مستقبلي.
كذلك ستناقش البعثة ملفات الدعم والطاقة والحماية الاجتماعية، ومدى استهداف الدعم لمستحقيه، وخطة تحريك أسعار الوقود والكهرباء وفق الجدول المتفق عليه، إلى جانب إصلاحات الحوكمة والشفافية في الشركات المملوكة للدولة. كل ملف من هذه الملفات له رقم مستهدف وتاريخ تنفيذ، والبعثة جاءت لتتحقق من الأرقام على الأرض، لا لتسمع وعودا جديدة.
لا برنامج جديد بعد ديسمبر.. وخطة تحول 2027-2030
في المقابل، تؤكد الحكومة المصرية أنها لا تعتزم طلب برنامج تمويلي جديد من الصندوق بعد انتهاء الاتفاق الحالي في ديسمبر المقبل. البديل الذي تستعد القاهرة لإطلاقه هو البرنامج الوطني للتحول الاقتصادي للفترة 2027-2030، وهو إطار محلي يستهدف رفع معدل النمو إلى 6.8% بحلول العام المالي 2029/2030، مع التركيز على التصنيع والتصدير والسياحة والطاقة والاقتصاد الأخضر، وتقليل الاعتماد على التمويل الخارجي المشروط.
هذا التوجه لا يعني قطيعة مع الصندوق. فقد أكد جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في الصندوق، مطلع أكتوبر الجاري استعداد المؤسسة لمناقشة أولويات ما بعد البرنامج مع السلطات المصرية، سواء في صورة مشاورات دورية أو ترتيبات متابعة لا تتضمن تمويلا مباشرا. الفارق جوهري بالنسبة للحكومة: فالعلاقة مع الصندوق بعد ديسمبر قد تستمر كشهادة ثقة أمام المستثمرين، لكن من دون مراجعات ملزمة وشرائح مشروطة كما في السنوات الأربع الماضية.
غير أن إقناع الأسواق بهذا الانتقال يحتاج أكثر من إعلان نوايا، فالمستثمر سيسأل عن مصدر النقد الأجنبي بعد توقف شرائح الصندوق، وعن قدرة الحكومة على تمويل العجز وسداد الدين من إيرادات حقيقية لا من قروض أغلى.
المراجعة تبدأ والجنيه تحت ضغط والسوق في حالة ترقب
تبدأ المراجعة في لحظة ضغط واضحة على السوق المحلية، وثقها موقع الفلوس في تغطيته اليوم. فقد أغلق الدولار اليوم عند مستوى قياسي بلغ 55.89 جنيه في البنك المركزي المصري، في استمرار لموجة صعود العملة الأمريكية أمام الجنيه خلال أكتوبر. وفي اليوم نفسه، أنهت البورصة المصرية جلسة الأحد خاسرة نحو 171 مليار جنيه من قيمتها السوقية، بعد جلسة صعبة شهدت إيقاف التداول على عدد من الأسهم. هذا التزامن لا يعني أن المراجعة سبب في الضغط، لكنه يرفع حساسية أي تصريح يصدر عن البعثة أو عن الحكومة خلال الأيام المقبلة.
السوق ستقرأ أي إشارة من الصندوق قراءة مزدوجة: فالإشادة بالاستقرار قد تهدئ الطلب على الدولار مؤقتا، بينما أي حديث عن تأخر الإصلاحات قد يغذي المضاربة ويزيد الضغط على الجنيه وعوائد أدوات الدين.
يبقى الموعد الحاسم هو ديسمبر. فإذا سارت المناقشات بسلاسة وخرج اتفاق الخبراء خلال أسابيع قليلة، سيكون أمام المجلس التنفيذي وقت كاف للاعتماد قبل 15 ديسمبر، وستدخل الشريحتان المنتظرتان حسابات الدولة قبل نهاية العام. أما إذا طالت المفاوضات حول ملف التخارج أو الدعم أو سعر الصرف، فستجد القاهرة نفسها تتفاوض مع ساعة البرنامج التي لا تتوقف.
تحليل الفلوس
بدء المراجعة الأخيرة خبر إيجابي في الشكل، لكن قيمته الحقيقية للجنيه والدولار ستتحدد بما يخرج منها، لا بوصول البعثة إلى القاهرة. صرف 2.3 مليار دولار قبل نهاية العام سيدعم الاحتياطي النقدي ويمنح البنك المركزي مساحة أكبر لإدارة السيولة الدولارية في موسم استيراد مزدحم، وقد يخفف الضغط اللحظي الذي دفع الدولار إلى 55.89 جنيه اليوم. لكن المبلغ وحده لا يغير مسار سعر الصرف إذا استمرت فجوة التمويل الخارجي واستمر الطلب على الدولار أقوى من المعروض الحقيقي. ما سيحرك السوق فعلا هو لغة البيان الختامي: هل يقول الصندوق إن مصر أوفت بالتزاماتها، أم يربط الاعتماد بخطوات إضافية في الطروحات والدعم؟
النقطة الأهم في هذه المراجعة أنها بوابة الخروج من البرنامج، لا مجرد محطة داخله. نجاح الخروج باعتماد نظيف في ديسمبر سيمنح الحكومة شهادة تحتاجها بشدة قبل إطلاق برنامجها الوطني 2027-2030، وسيخفض كلفة الاقتراض الخارجي لأن المستثمرين يسعرون المخاطر المصرية جزئيا على ضوء علاقة القاهرة بالصندوق. أما الخروج المتعثر، بتأجيل الاعتماد إلى ما بعد انتهاء البرنامج أو بشروط معلقة، فسيرفع كلفة كل دولار تقترضه مصر من السوق، وسيجعل هدف نمو 6.8% بحلول 2029/2030 أصعب، لأنه يفترض استثمارا خاصا وأجنبيا لن يتدفق في بيئة غامضة الإشارات.
ما نتابعه من اليوم حتى ديسمبر محدد وواضح: سرعة التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء، وصياغة الصندوق بشأن تخارج الدولة من الأصول، وحركة الاحتياطي والدولار في الأسابيع التي تلي البيان الأول. إذا جاء الاتفاق سريعا ولغة الصندوق داعمة، قد نشهد تهدئة نسبية في سوق الصرف وعودة تدريجية لشهية الأجانب تجاه أدوات الدين المصرية. وإذا طال الصمت أو تسربت خلافات، فالضغط الذي رأيناه اليوم في الجنيه والبورصة سيكون مجرد عينة مما يمكن أن يحدث. المراجعة بدأت، لكن الحكم عليها يبدأ من بيانها الأول.







