لم يصمد اختراق أسعار النفط لحاجز المئة دولار طويلًا. في جلسة متقلبة عاشتها أسواق الطاقة يوم الثلاثاء 6 أكتوبر 2026، هبط خام برنت إلى 97.06 دولارًا للبرميل خلال التداولات قبل أن يمحو خسائره ويغلق مرتفعًا 0.3% عند 100.58 دولارًا، فيما أغلق خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي عند 89.44 دولارًا عمليًا دون تغير، بعد أن لامس 86.86 دولارًا في أدنى مستويات الجلسة، وفق ما أوردته وكالة رويترز وصحيفة وول ستريت جورنال.
بهذا الإغلاق، يكون برنت قد سجل أدنى مستوياته منذ 22 سبتمبر الماضي، في أول تراجع حقيقي بعد موجة الصعود التي دفعته فوق المئة دولار في الأيام الماضية — وهي الموجة التي تناولها موقع “الفلوس” أمس في تقريره عن كسر النفط لحاجز الـ100 دولار وماذا يعني ذلك لمصر.
جلسة الثلاثاء: ارتداد من القيعان
بدأت التداولات ضعيفة منذ الصباح، إذ تراجعت العقود الآجلة لبرنت وخام غرب تكساس مع استيعاب السوق لسيول من الأخبار المهدئة: صادرات خليجية قوية، وخفض سعودي مفاجئ لأسعار البيع الرسمية، وإفراج مقرر من الاحتياطيات الاستراتيجية. ثم استردت العقود خسائرها في النصف الثاني من الجلسة مدعومة بتجدد التوترات في البحر الأحمر ومضيق هرمز.
محللون يرون أن السوق يعيش حالة شد وجذب غير مسبوقة بين إشارتين متعاكستين: تدفقات مادية تتحسن فعليًا على الأرض، ومخاطر أمنية تمنع الأسعار من الهبوط الحر. جون إيفانز، المحلل لدى “بي في إم” لوساطة النفط، قال إن برنت “يكدح مجددًا حول مستوى 100 دولار، لأن الأسباب التي دفعته فوق هذا الحاجز النفسي تتآكل.. على الأقل في الوقت الراهن”.
أرامكو تخفض أسعارها لآسيا لأدنى مستوى في 6 سنوات
الخبر الأثقل في جلسة الثلاثاء جاء من الرياض: خفضت شركة أرامكو السعودية يوم الأحد 5 أكتوبر سعر البيع الرسمي لشحنات نوفمبر من خامها الرئيسي “العربي الخفيف” الموجهة إلى آسيا — أكبر أسواق النفط الخليجي — بمقدار 3 دولارات للبرميل، ليستقر عند خصم 5 دولارات عن متوسط مؤشر عمان/دبي، وهو أدنى مستوى منذ يونيو 2020، بحسب وول ستريت جورنال.
الخفض لم يقتصر على الخام الخفيف؛ فقد خفضت أرامكو أسعار درجاتها الأثقل الموجهة لآسيا بمقدار 5 دولارات للبرميل دفعة واحدة. في المقابل، رفعت الشركة أسعارها لمشتري شمال غرب أوروبا والبحر المتوسط بمقدار 3 دولارات، وأبقت أسعار عملائها الأمريكيين دون تغيير.
الرسالة التي قرأها المتعاملون واضحة: المعروض الفعلي يتحسن، والمنافسة بين المنتجين على حصص السوق الآسيوية تشتد. وجاء القرار السعودي بعد يوم واحد من اتفاق أوبك+ وحلفائها يوم الأحد على إبقاء مستويات الإنتاج دون تغيير خلال نوفمبر، في ظل استمرار المخاطر الأمنية في المنطقة.
التدفقات تتحسن.. وهرمز يعود تدريجيًا
على صعيد التدفقات، قال وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان يوم الثلاثاء إن الضخ عبر خط أنابيب الشرق-الغرب — الذي ينقل النفط إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر — بلغ 5.8 مليون برميل يوميًا حتى صباح الثلاثاء، بعد استئناف تشغيله خلال 5 إلى 6 أيام فقط من هجمات الطائرات المسيرة التي أوقفته منتصف سبتمبر الماضي. تبلغ الطاقة الاستيعابية للخط نحو 7 ملايين برميل يوميًا على امتداد 750 ميلًا، وفق تصريحات الوزير في منتدى “صنع في الخليج 2026” بالبحرين.
وتشير بيانات شركة “كبلر” لتحليلات الشحن إلى أن عبور الخام السعودي عبر مضيق هرمز قفز من نحو 1.4 مليون برميل يوميًا في أواخر أغسطس إلى نحو 4.1 مليون برميل الأسبوع الماضي. كما كشف الرئيس التنفيذي لشركة “فيتول” العملاقة لتجارة السلع أن نحو 12 مليون برميل يوميًا من الخام ومليوني برميل من المنتجات المكررة غادرت الشرق الأوسط على متن ناقلات خلال آخر 7 إلى 10 أيام — وهي الكميات التي يرى أنها كافية لكبح ضغوط الأسعار. الكويت من جانبها أعلنت أن إنتاجها يعمل حاليًا عند نحو 75% من مستويات ما قبل الحرب، بينما يسعى العراق لاستئجار ناقلات إضافية لتمرير شحناته عبر هرمز.
الديزل هو المعركة الحقيقية
رغم تحسن تدفقات الخام، تبقى سوق المنتجات المكررة — وتحديدًا الديزل — هي نقطة الاختناق الأخطر. وكالة الطاقة الدولية قالت إن نحو 325 مليون برميل أُفرج عنها حتى الآن من أصل 400 مليون برميل تعهدت بها الدول الأعضاء في مارس الماضي، وإن تدفقات المنتجات المكررة ما زالت مقيدة بشدة.
لذلك جاء إعلان مجموعة السبع يوم الجمعة الماضي (2 أكتوبر) ليشكل دعمًا مباشرًا: إفراج منسق عن 100 مليون برميل من الخام والوقود عبر وكالة الطاقة الدولية على مدى 4 أشهر، مع تخصيص حصة كبيرة من الديزل خلال أول 20 يومًا، وتعهد الدول الأعضاء بعدم فرض قيود على صادرات الطاقة فيما بينها.
المخاطر لم تختفِ.. والحرب في اليمن تتصاعد
كل هذه العوامل المهدئة تقابلها مخاطر أمنية حقيقية تمنع السوق من الاطمئنان الكامل. مساء الاثنين، استُهدف مطارا جازان ونجران السعوديان في هجومين أصابا 3 أشخاص وألحقا أضرارًا محدودة، وفق هيئة الطيران السعودية، في تصعيد بين المملكة والحوثيين المدعومين من إيران.
وفي تطور ميداني لافت، انتزعت قوات يمنية مدعومة من السعودية مدينة المخا المطلة على البحر الأحمر من قبضة الحوثيين، وتتقدم نحو مضيق باب المندب — الشريان البحري الحيوي لصادرات الطاقة عبر البحر الأحمر.
الرئيس التنفيذي لأرامكو أمين الناصر حذر يوم الاثنين في لندن من أن المخزونات العالمية استُنزفت بشدة بسبب الصراع، وأن إعادة بنائها قد تستغرق عامين كاملين، مشيرًا إلى أن العالم دخل الأزمة بمخزونات تقارب 10 مليارات برميل وفقد نحو 3 مليارات منها.
ورغم التراجع الحالي، يبقى برنت أعلى بنحو 65% منذ بداية العام، بعد الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران في فبراير الماضي التي أشعلت شرارة الأزمة.
ماذا يعني ذلك لمصر؟
بالنسبة لمصر، أي تراجع في أسعار النفط العالمية يمثل متنفسًا مباشرًا لفاتورة استيراد الوقود، التي تعد من أكبر بنود الإنفاق بالعملة الصعبة. فمصر مستورد صافٍ للمنتجات البترولية، وكل دولار ينخفضه سعر البرميل يترجم إلى وفورات حقيقية في الموازنة العامة — خاصة أن لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية تراجع الأسعار محليًا كل 3 أشهر آخذة في الاعتبار الأسعار العالمية وسعر الصرف.
لكن الصورة ليست وردية بالكامل: الأزمة الحالية في سوق الديزل العالمي تمس مصر مباشرة، فالسولار هو وقود النقل والزراعة والمصانع، وأي شح عالمي في المعروض المكرر ينعكس على تكلفة استيراده حتى لو تراجعت أسعار الخام. هنا يكتسب إعلان مجموعة السبع أهمية خاصة للقاهرة، لأن الإفراج عن مخزونات الديزل خلال أول 20 يومًا يستهدف بالضبط نقطة الاختناق التي تدفع فاتورة الاستيراد المصرية للصعود.
أما قناة السويس، فاستقرار التدفقات عبر هرمز لا يعيد حركة الملاحة في القناة تلقائيًا، لكنه يخفف من أزمة التأمين البحري التي رفعت تكلفة العبور في المنطقة ككل. عودة خط الأنابيب السعودي للعمل بطاقة 5.8 مليون برميل يوميًا تعني أيضًا بديلًا بريًا يقلل الضغط على الممرات البحرية، وهو ما يصب في مصلحة استقرار إيرادات القناة على المدى المتوسط.
تحليل الفلوس
ما حدث يوم الثلاثاء ليس نهاية أزمة النفط، بل بداية مرحلة جديدة منها: مرحلة “الانكفاء المؤقت”. السوق لم يعد يتسعّر على سيناريو انقطاع الإمدادات الكارثي الذي دفع برنت فوق المئة دولار، بل بدأ يتسعّر على سيناريو مختلف — إمدادات تتحسن تدريجيًا لكنها تبقى هشة، ومخاطر أمنية تضع أرضية صلبة تحت الأسعار تمنعها من الانهيار. هذا هو التوازن الجديد: برنت يدور حول المئة دولار، لا فوقها بكثير ولا تحتها بكثير، طالما بقيت الحرب في اليمن والتوتر حول هرمز قائمين.
بالنسبة للمواطن المصري، الرسالة العملية واضحة: لا تبنِ توقعاتك على أن انخفاض اليوم سيترجم فورًا إلى بنزين أرخص. لجنة التسعير التلقائي تنظر إلى متوسطات 3 أشهر كاملة وسعر صرف الجنيه معًا، والأسعار ما زالت أعلى بنحو 65% عن بداية العام. لكن في المقابل، هذا التراجع يمنح الحكومة مساحة تنفس في ملف الدعم والموازنة، ويقلل احتمالات أي زيادات حادة مفاجئة في أسعار الوقود خلال المراجعة المقبلة — بشرط ألا تعود الأسعار للاشتعال.
ما يجب مراقبته في الأيام المقبلة ثلاثة مؤشرات: أولًا، هل تنجح مجموعة السبع في ضخ الديزل فعليًا خلال الـ20 يومًا المقبلة أم تتعثر الخطة لوجستيًا؟ ثانيًا، هل تصمد هدنة التدفقات عبر هرمز أم تشهد هجمات جديدة على الناقلات؟ وثالثًا، ماذا سيقول تقرير التوقعات قصيرة الأجل لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية المرتقب صدوره — فهو سيحدد اتجاه الطلب العالمي في الشتاء، وهو الفصل الذي تُحسم فيه عادة معارك أسعار الطاقة.







