يوم اقتصادي حافل لرئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، الاثنين 5 أكتوبر 2026، بين اجتماعين في العاصمة الإدارية الجديدة ومقابلة تلفزيونية، رسم خلاله ملامح المرحلة الجديدة للاقتصاد المصري: نمو يقوده الإنتاج والتصدير، استراتيجية استثمار أجنبي مباشر حتى 2030، هدف صادرات يتجاوز 100 مليار دولار، وملف مياه يتحول إلى خطة صناعية متكاملة.
استراتيجية الاستثمار الأجنبي المباشر 2027-2030: أولوية حكومية
عقد مدبولي اجتماعًا مع الدكتور محمد فريد، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، والدكتور محمد عوض، الرئيس التنفيذي للهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة، لاستعراض ملامح استراتيجية الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر للفترة من 2027 إلى 2030، بحضور عدد من مسؤولي الوزارة.
وأكد رئيس الوزراء أن جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة أولوية رئيسية ضمن برنامج عمل الحكومة ومحور أساسي لدعم مسار الإصلاح الاقتصادي، مشددًا على استمرار الدولة في بناء بيئة استثمارية تنافسية ترتكز على تطوير البنية الأساسية وتقديم الحوافز والتيسيرات، وتعزيز دور القطاع الخاص باعتباره المحرك الرئيسي للنمو.
وأوضح وزير الاستثمار أن إعداد الاستراتيجية جاء تنفيذًا لتكليفات المجلس الأعلى للاستثمار لدعم زيادة مساهمة القطاع الخاص، وأن الإعداد اعتمد منهجًا تشاركيًا شمل مشاورات مع أجهزة الدولة وحوارًا مباشرًا مع ممثلي القطاع الخاص عبر ورش عمل قطاعية، بالاستعانة بخبراء البنك الدولي ومؤسسة التمويل الدولية في مصر.
وتتضمن الاستراتيجية، وفق ما عرضه فريد، تشخيصًا لبيئة الاستثمار في مصر وتحليلًا لاتجاهات الاستثمار العالمية والقطاعات الواعدة، وتحديد القطاعات الأولى بالترويج لجذب رؤوس الأموال إليها، فضلًا عن مستهدفات واضحة لزيادة استثمارات القطاع الخاص وتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر حتى 2030، بالتوازي مع الميكنة الشاملة للخدمات المقدمة للمستثمرين تيسيرًا للإجراءات واختصارًا للوقت والجهد.
منتدى مصر 2026: جلسة “استثمار منتج وصناعة تنافسية وفرص عمل مستدامة”
وفي الاجتماع الثاني، تابع مدبولي التحضيرات الجارية لـ”منتدى مصر 2026″، المقرر عقده خلال الفترة من 19 إلى 24 أكتوبر الجاري بالعاصمة الجديدة، واستعرض محاور جلسة “استثمار منتج وصناعة تنافسية وفرص عمل مستدامة”، بحضور وزراء الاستثمار والتجارة الخارجية والعمل والصناعة، ورئيس الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ورئيس الهيئة العربية للتصنيع، والرئيس التنفيذي لجهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر.
وقال مدبولي إن الحكومة تمضي في التحضير لمنتدى يستهدف إتاحة مساحة للتحاور حول التطورات التي شهدتها الدولة خلال الأعوام الماضية وشرح الأسس التي استندت إليها القرارات والسياسات الحكومية، خاصة في القطاعات المرتبطة باحتياجات المواطنين. وأضاف أن جلسة الاستثمار ستسلط الضوء على الوضع الراهن لبيئة الاستثمار وحزمة الإجراءات التي نفذتها الدولة لتشجيع المستثمرين، إلى جانب مستهدفات المرحلة المقبلة بما يحقق تعميق المنتج المحلي وصناعات أكثر تنافسية وتعزيز الصادرات المصرية.
من التجميع إلى الصناعات ذات القيمة المضافة والمكون المحلي الأكبر
وضع مدبولي الصناعة في صدارة القطاعات التي تراهن عليها الحكومة، وقال خلال مقابلة خاصة مع CNN الاقتصادية إن الاقتصاد سجل نموًا بلغ 5.1% خلال العام المالي 2025/2026 مقابل 4.4% في العام السابق، وأن أكثر من ربع هذا النمو جاء من نمو القطاع الصناعي وحده.
وكشف أن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس شهدت إنشاء أكثر من 160 مصنعًا خلال السنوات الثلاث أو الأربع الماضية، متوقعًا 200 مصنع إضافي خلال العامين المقبلين، مؤكدًا الانتقال تدريجيًا من نموذج التجميع إلى صناعات ذات قيمة مضافة أعلى ومكون محلي أكبر.
وربط مدبولي هذا التوجه بملف التشغيل، إذ يدخل ما بين مليون ومليون ونصف المليون شاب إلى سوق العمل سنويًا، لافتًا إلى تراجع معدل البطالة إلى 5.8% في أغسطس مقارنة بنحو 13% عام 2013، رغم زيادة عدد السكان بنحو 22 مليون نسمة خلال الفترة نفسها.
الصادرات والسياحة وقناة السويس: مصادر النقد في المرحلة الجديدة للاقتصاد المصري
تضع الحكومة الصادرات غير البترولية في قلب خطتها لزيادة موارد النقد الأجنبي، بعدما ارتفعت قيمتها من نحو 40 مليار دولار قبل عامين إلى 48 مليار دولار في العام التالي، بحسب مدبولي، وبلغت نحو 25.5 مليار دولار خلال النصف الأول من العام الحالي، بينما تستهدف الحكومة الوصول بها إلى 100 مليار دولار بحلول 2030. ويرى رئيس الوزراء أن زيادة الصادرات تقليل لحساسية الاقتصاد تجاه الصدمات الخارجية عبر توسيع قاعدة الإنتاج وزيادة القيمة المضافة المحلية.
وعلى صعيد مصادر النقد الأجنبي الأخرى، قال مدبولي إن تحويلات المصريين العاملين بالخارج تجاوزت 47 مليار دولار خلال العام المالي الماضي، بينما بلغت نحو 35 مليار دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الحالي، لتظل أحد المصادر الرئيسية للعملة الأجنبية.
وفي قطاع السياحة، تجاوزت أعداد السائحين الوافدين إلى مصر 19 مليون سائح، بينما تخطت الإيرادات السياحية 18 مليار دولار بزيادة تقارب 20% مقارنة بالعام السابق. وتستهدف الحكومة رفع عدد السائحين إلى 30 مليون سائح سنويًا بحلول 2030 مع زيادة الإيرادات إلى أكثر من 28 مليار دولار، وهو ما يرتبط بزيادة الطاقة الفندقية، التي تبلغ حاليًا نحو 238 ألف غرفة، مع خطة لمضاعفتها خلال السنوات الخمس المقبلة.
أما قناة السويس، فلا تزال أحد أهم مصادر النقد الأجنبي رغم خسائر اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر. وقال مدبولي إن إيرادات القناة كانت تبلغ قبل الأزمة نحو 10 مليارات دولار سنويًا، قبل أن تهبط إلى 3.3 مليار دولار، ثم ترتفع مجددًا إلى نحو 4.4 مليار دولار، مع استمرار تطوير المجرى الملاحي وربط القناة بشبكات النقل والخدمات اللوجستية والصناعة.
وكان مدبولي قد قال في المقابلة نفسها إن الاقتصاد المصري أصبح أكثر قدرة على الانطلاق دون مرحلة جديدة من التعاون مع صندوق النقد الدولي — التفاصيل الكاملة في تغطية الفلوس لموقف مدبولي من صندوق النقد.
تحلية مياه البحر: هدف 10 ملايين متر مكعب يوميًا
وفي ملف المياه، عقد مدبولي اجتماعًا مع مسؤولي شركة “أكوا” لمتابعة التعاون في مشروعات تحلية مياه البحر، مؤكدًا أن الملف يحظى باهتمام كبير من الرئيس عبد الفتاح السيسي، وأن الدولة تتوسع حاليًا في هذه المشروعات بالتوازي مع توطين الصناعات والمكونات المرتبطة بها.
وقال رئيس الوزراء إن الحكومة تستهدف إنتاج نحو 10 ملايين متر مكعب يوميًا من المياه المحلاة عبر محطات حديثة بأحدث التقنيات العالمية بالتعاون مع كبرى الشركات المتخصصة، وأنها تعمل على الوصول إلى أفضل العروض من الشركات الراغبة في المشاركة.
وكان مدبولي قد شدد في المقابلة على أن نهر النيل مسألة أمن قومي ووجود للدولة المصرية، مع استمرار القاهرة في دعمها لتنمية دول القارة الأفريقية، شريطة ألا تأتي التنمية في دولة على حساب مصالح دول أخرى — وهي الرسالة ذاتها التي تجعل ملف التحلية خيارًا استراتيجيًا موازيًا.
تحليل الفلوس
الرسالة الأهم في يوم مدبولي الاقتصادي ليست رقمًا بعينه، بل التحول في منطق الخطاب الرسمي: الحكومة لم تعد تتحدث عن “استقرار سعر الصرف” أو “سد الفجوة التمويلية” باعتبارهما غاية، بل عن بناء قاعدة إنتاجية تصدر وتوظف وتجذب استثمارًا. استراتيجية الاستثمار الأجنبي المباشر حتى 2030، التي أُعدت بمنهج تشاركي مع القطاع الخاص والبنك الدولي ومؤسسة التمويل الدولية، تضع مستهدفات كمية للتدفقات الأجنبية والاستثمار الخاص — وهذا تحول إيجابي، لأن المشكلة التاريخية لم تكن غياب الرؤية بل غياب الأرقام الملزمة والمتابعة.
لكن الأرقام الكبيرة تحمل أسئلة مشروعة يجب أن يراقبها المواطن والمستثمر معًا. هدف 100 مليار دولار صادرات غير بترولية بحلول 2030 يعني مضاعفة الحصيلة الحالية (48 مليارًا) في أقل من خمس سنوات — وهو طموح يتطلب حل معضلة المكون المحلي وتكلفة الطاقة واللوجستيات، الملفات ذاتها التي يفترض أن تعالجها استراتيجية الاستثمار الجديدة. وبالمثل، فإن تعافي إيرادات قناة السويس إلى 4.4 مليار دولار يبقى أقل من نصف مستويات ما قبل الأزمة، وعودتها الكاملة مرهونة بعوامل جيوسياسية خارج سيطرة القاهرة. أما تحويلات المصريين بالخارج فوق 47 مليار دولار، فهي نعمة مشروطة باستقرار أوضاع الجاليات وأسعار الصرف — أي أن أكبر مصادر النقد الأجنبي اليوم لا تزال خارجة عن قدرة الحكومة على التحكم المباشر.
ما يستحق المتابعة خلال الأسابيع المقبلة ثلاثة أمور: أولًا، التفاصيل الكمية لاستراتيجية الاستثمار الأجنبي المباشر عند إعلانها رسميًا — ستكشف جدية الخطة من عدمها. ثانيًا، جلسة “استثمار منتج وصناعة تنافسية” في منتدى مصر 2026 (19-24 أكتوبر) — هل تخرج بقرارات تنفيذية أم تبقى عرضًا للوضع الراهن؟ ثالثًا، العروض الفعلية لمشروعات التحلية وجدولها الزمني، لأن هدف 10 ملايين متر مكعب يوميًا مشروع طويل الأجل وتكلفته التشغيلية هي الاختبار الحقيقي.







