واردات مصر من القمح تهبط 65% في الربع الثالث.. والأسعار تقفز 34% والحكومة توقف الشراء منذ مايو

Published:

في بلد يُعتبر أكبر مستورد للقمح في العالم، أرقام الربع الثالث من 2026 جاءت لتُعيد رسم خريطة سوق الخبز المصرية. واردات مصر من القمح هوت بنسبة 65% خلال الربع الثالث من العام الجاري لتسجل نحو 1.3 مليون طن فقط، بحسب ما كشفته بيانات حديثة تناولتها وسائل إعلام اقتصادية، في وقت قفزت فيه الأسعار العالمية بنحو 34% لتصل إلى 315 دولارًا للطن. القصة ليست مجرد أرقام استيراد، بل تحولًا كاملًا في طريقة تعامل الدولة والقطاع الخاص مع سلعة لا بديل عنها على موائد المصريين.

الربع الثالث.. هبوط حاد بعد ذروة النصف الأول

الأرقام تروي قصة من شقين. في النصف الأول من 2026، كانت مصر في وضع الشراء الدفاعي: واردات القمح ارتفعت بنسبة 48% لتصل إلى نحو 7.7 مليون طن، في تحرك وُصف بأنه تحوط مبكر ضد أي اضطرابات محتملة في سلاسل الإمداد العالمية، خصوصًا مع تصاعد الحرب الروسية الأوكرانية وتوترات الشرق الأوسط التي بدأت ترفع تكلفة الشحن والتأمين على الحبوب.

ثم جاء التحول. منذ شهر مايو الماضي، توقفت الحكومة المصرية — ممثلة في هيئة السلع التموينية وجهاز مستقبل مصر — عن استيراد القمح تمامًا، ومن المتوقع أن يستمر هذا التوقف حتى نوفمبر المقبل. النتيجة: الربع الثالث سجل واردات بلغت 1.3 مليون طن فقط، بانخفاض 65% عن الفترة نفسها من العام الماضي، وأصبحت الواردات خلال هذه الفترة معتمدة كليًا على القطاع الخاص.

توقف الحكومة عن الشراء.. لماذا توقفت هيئة السلع التموينية؟

توقف الدولة عن الشراء منذ مايو ليس قرارًا عابرًا، بل يعكس حسابات مزدوجة: من جهة، الدولة بنت مخزونًا استراتيجيًا مريحًا خلال النصف الأول عندما كانت الأسعار أقل نسبيًا، ومن جهة أخرى، فإن الشراء بالأسعار الحالية — المرتفعة بنحو ثلث مستويات العام الماضي — يعني دفع فاتورة أكبر بكثير لتمويل نفس الكميات.

جهاز مستقبل مصر، الذي دخل بقوة على ملف استيراد القمح خلال العامين الماضيين، يتحرك الآن بحذر واضح. المستوردون الحكوميون والخاصون على حد سواء يتجنبون تكوين مخزونات كبيرة بالأسعار الراهنة، والسبب معلن: احتمال هبوط الأسعار سريعًا لو حدث أي انفراجة في الحرب الروسية الأوكرانية، ما سيعرض من اشترى كميات ضخمة بالأسعار المرتفعة لخسائر فادحة.

هشام سليمان، مدير شركة «ميدترنين ستار» لتجارة واستيراد الحبوب، قدّر في تصريحات نقلتها «الشرق بلومبرغ» أن التوصل إلى تسوية بين روسيا وأوكرانيا قد يخفض أسعار القمح العالمية بنحو 50 دولارًا للطن دفعة واحدة — وهو رقم كافٍ لجعل أي مستورد كبير يفضل الانتظار.

أسعار القمح تقفز 34%.. والبحر الأسود يدفع الفاتورة

في قلب الأزمة يقف البحر الأسود. مصر تعتمد على 22 منشأً مختلفًا للحصول على احتياجاتها من القمح، لكن روسيا وأوكرانيا تستحوذان معًا على نحو 80% من إجمالي الواردات — روسيا وحدها بنحو 60% وأوكرانيا بنحو 20% — وهو ما يجعل السوق المصرية رهينة لأي اضطراب في المنطقة.

وما حدث في منتصف أغسطس الماضي يعكس حجم المخاطر: محطتان من أكبر محطات تصدير الحبوب في ميناء نوفوروسيسك الروسي على البحر الأسود أوقفتا عملياتهما مؤقتًا بعد أضرار جراء هجمات بطائرات مسيّرة أوكرانية. روسيا هي أكبر مصدّر للقمح عالميًا، وغالبية صادراتها تمر عبر موانئ البحر الأسود، فأي توقف هناك يترجم فورًا إلى أسعار أعلى وتأمين أغلى على السفن.

بحسب البيانات المنشورة في وسائل الإعلام الاقتصادية المصرية، ومنها موقع «بنكر»، ارتفعت أسعار القمح العالمية بنحو 34% لتصل إلى 315 دولارًا للطن، مقابل نحو 235 دولارًا للطن في الفترة نفسها من العام الماضي. الزيادة لا تأتي من سعر الحبة وحده، بل من تراكم تكاليف النولون والشحن والتأمين، وهي تكاليف ترتفع بدورها مع أسعار الطاقة العالمية التي تتداول فوق 100 دولار للبرميل — وهو ما رصدناه في تغطيتنا الأخيرة لأسعار النفط.

الإنتاج المحلي.. شبكة الأمان التي لا تكفي وحدها

في المقابل، هناك جانب مضيء في الصورة. الحكومة تسلمت نحو 5 ملايين طن من القمح المحلي خلال موسم العام الجاري، بدعم من زيادة المساحات المزروعة إلى نحو 3.7 مليون فدان — وهو ما يساعد على تعويض جزء من تراجع الواردات الخارجية، ويمنح الدولة هامش مناورة في تأجيل الشراء الخارجي حتى تحسن الأسعار.

التوقعات تشير إلى أن إجمالي واردات مصر من القمح سيصل إلى نحو 12 مليون طن بنهاية 2026، بانخفاض يقارب 9% عن العام الماضي. وللمقارنة، كانت واردات 2025 قد سجلت 13.2 مليون طن، متراجعة بنحو 8% عن 2024، متأثرة بارتفاع الأسعار العالمية وتراجع الطلب المحلي.

لكن يبقى القمح المحلي وحده غير كافٍ لسد الفجوة. مصر تستهلك سنويًا ما يصل إلى 20 مليون طن من القمح، والإنتاج المحلي يغطي نحو نصف هذا الحجم، ما يعني أن الاستيراد سيظل ضرورة استراتيجية مهما تحسنت الزراعة المحلية.

ماذا يعني هذا لرغيف العيش في جيبك؟

السؤال الذي يشغل كل بيت مصري: هل ترتفع أسعار الخبز والمنتجات القائمة على الدقيق؟ الإجابة المباشرة: الخبز المدعوم محمي بالكامل بقرار الدولة، ومخزون القمح الاستراتيجي المُجمَّع خلال النصف الأول يمنح الحكومة مساحة تنفس تمتد لأشهر. لا أزمة خبز في الأفق القريب.

الضغط الحقيقي يقع على السوق الحر: المكرونة والمعجنات والحلويات ومنتجات المخابز السياحية، التي تعتمد على القمح المستورد بأسعار السوق، ستشهد ضغوطًا تصاعدية على أسعارها مع استمرار الأسعار العالمية عند هذه المستويات. كل زيادة 10% في سعر الطن العالمي تترجم في النهاية إلى قروش إضافية على أسعار المنتجات في الأسواق.

كما أن تراجع الجنيه أمام الدولار يضاعف الفاتورة: المستورد يدفع بالدولار، وكلما انخفض الجنيه ارتفعت التكلفة بالعملة المحلية، وهو ما يجعل المستوردين أكثر حذرًا في تكوين المخزونات بالأسعار الحالية.

تحليل الفلوس

القصة الحقيقية هنا ليست في نسبة الـ65% بقدر ما هي في التحول الاستراتيجي الذي تعكسه. مصر، أكبر مستورد للقمح في العالم، تقول عمليًا إنها لن تشتري بالأسعار المرتفعة الحالية — لا لأنها لا تحتاج القمح، بل لأنها اشترت بذكاء في النصف الأول، ولأن الإنتاج المحلي يمنحها وسادة، ولأن أي تسوية في الحرب الروسية الأوكرانية قد تهبط بالأسعار 50 دولارًا للطن في أي لحظة. هذه ليست أزمة، بل لعبة صبر وتوقيت.

لكن هناك وجهًا آخر للعملة يستحق الانتباه: الاعتماد بنسبة 80% على روسيا وأوكرانيا في سلعة وجودية مثل القمح هو رهان جيوسياسي محفوف بالمخاطر مهما كانت حسابات التوقيت صحيحة. كل تصعيد في البحر الأسود — سواء كان هجومًا بمسيرات على نوفوروسيسك أو توترًا جديدًا في الشرق الأوسط — يترجم مباشرة إلى فاتورة أكبر على الموازنة المصرية وعلى جيب المواطن. تنويع مناشئ الاستيراد الـ22 يحتاج أن يتحول من رقم في التقارير إلى سياسة فعلية تُقلل الحصة الروسية-الأوكرانية.

الخلاصة للمستثمر والمواطن معًا: تابع ثلاثة مؤشرات في الشهور المقبلة. أولها سعر الطن العالمي — أي كسر دون 280 دولارًا سيعيد الدولة للشراء بقوة. وثانيها مسار الحرب الروسية الأوكرانية، فهي المتغير الأكبر في المعادلة. وثالثها موسم زراعة القمح الجديد الذي يبدأ منتصف نوفمبر: زيادة المساحات المزروعة عن 3.7 مليون فدان ستكون أصدق إشارة على أن الدولة جادة في تقليل الفاتورة الاستيرادية على المدى الطويل.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img