القاهرة – سجلت استثمارات الأجانب في أذون الخزانة المصرية رقمًا قياسيًا غير مسبوق بنهاية يونيو 2026، إذ قفزت حيازات العملاء الأجانب لدى البنوك العاملة في مصر إلى 2.713 تريليون جنيه، بما يعادل نحو 55.1 مليار دولار، وفق أحدث بيانات البنك المركزي المصري التي نقلتها بلومبرج الشرق مطلع أكتوبر الجاري. هذا المستوى هو الأعلى على الإطلاق في تاريخ هذه الاستثمارات بالسوق المصرية، ويعيد ما يُعرف بالأموال الساخنة إلى واجهة المشهد الاقتصادي بعد أشهر من الغياب.
القفزة تحققت خلال الربع الثاني من العام وحده، إذ ارتفعت الحيازات الأجنبية بنسبة 52.7% مقارنة بنهاية مارس الماضي، بما يمثل إضافة تقارب 19 مليار دولار في ثلاثة أشهر فقط. وعلى أساس شهري، صعدت الحيازات من 2.29 تريليون جنيه بنهاية مايو (نحو 43.76 مليار دولار) إلى 2.713 تريليون جنيه بنهاية يونيو، أي بزيادة تتراوح بين 423 و430 مليار جنيه في شهر واحد، وبنسبة نمو شهرية بلغت 18.78%.
ما هي أذون الخزانة؟ ولماذا يقبل عليها الأجانب؟
أذون الخزانة هي أوراق دين قصيرة الأجل تصدرها وزارة المالية عبر البنك المركزي بآجال 3 أشهر و6 أشهر و9 أشهر وسنة، لتمويل العجز في الموازنة العامة وتدبير السيولة اللازمة لالتزامات الدولة. بعبارة مبسطة: الحكومة تقترض من البنوك والمستثمرين لفترة قصيرة، وترد المبلغ مضافًا إليه عائد متفق عليه سلفًا. ولأن المُصدر هو الدولة نفسها، تُعد هذه الأذون من أكثر أدوات الاستثمار أمانًا من حيث مخاطر عدم السداد، وهي سوق عميقة تتداول فيها البنوك يوميًا بمليارات الجنيهات.
يقبل المستثمرون الأجانب على هذه الأذون لسببين متكاملين: عائد مرتفع يفوق بكثير ما تقدمه الأسواق المتقدمة، واستقرار سعر صرف الجنيه الذي يحمي أرباحهم من التآكل عند تحويلها إلى الدولار. فالمستثمر الأجنبي يحسب معادلته بعملته الأصلية: العائد المعلن ناقصًا أي تراجع محتمل في سعر الصرف. وكلما استقر الجنيه، ارتفع العائد الفعلي الذي يتحقق له بالدولار أو اليورو، وهو ما يفسر الإقبال الكثيف الحالي على الطروحات المصرية.
من نزوح 15.8 مليار دولار إلى عودة قياسية: ماذا حدث في ستة أشهر؟
قبل ستة أشهر فقط كانت الصورة معكوسة تمامًا. ففي الربع الأول من 2026 خرجت من أذون الخزانة المصرية نحو 15.8 مليار دولار من استثمارات الأجانب، في موجة نزوح واسعة أشعلتها المخاوف الجيوسياسية المرتبطة بالتوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران، وما حمله من تهديد لاستقرار المنطقة وأسعار الطاقة العالمية. يومها بدا أن السوق المصرية مقبلة على اختبار صعب جديد لسوق الصرف والاحتياطي.
لكن الربع الثاني قلب المعادلة. مع انحسار حدة المخاوف وعودة شهية المخاطرة العالمية، تدفقت الأموال عائدة بقوة: من 36.04 مليار دولار (القيمة المعادلة بالدولار) بنهاية مارس إلى 55.1 مليار دولار بنهاية يونيو. أي أن السوق لم تستعد ما خرج منها في الربع الأول فحسب، بل تجاوزته بفارق كبير لتسجل أعلى مستوى تاريخي. هذه الديناميكية — الخروج السريع والعودة الأسرع — هي السمة المميزة للأموال الساخنة التي تتحرك بين الأسواق بحثًا عن العائد والأمان معًا.
يونيو وحده: 438 مليار جنيه صافي مشتريات الأجانب والعرب في أذون الخزانة
تكشف بيانات التعامل في السوق الثانوية عن حجم الزخم: بلغ صافي مشتريات الأجانب والعرب في يونيو وحده نحو 438 مليار جنيه، تعادل قرابة 8.9 مليار دولار. استحوذ المستثمرون الأجانب على الحصة الأكبر بواقع 362.2 مليار جنيه، بينما بلغت مشتريات المستثمرين العرب نحو 76 مليار جنيه، في إشارة إلى أن الثقة الإقليمية تسير جنبًا إلى جنب مع الثقة الدولية في أدوات الدين المصرية.
خريطة الحيازات: البنوك الخاصة في المقدمة
بالتوازي مع التدفقات الأجنبية، ارتفع إجمالي رصيد أذون الخزانة القائمة إلى 6.427 تريليون جنيه بنهاية يونيو، مقابل 5.752 تريليون جنيه بنهاية ديسمبر 2025، ما يعكس توسع وزارة المالية في الاعتماد على التمويل قصير الأجل. أما التوزيع المحلي للحيازات فيضع البنوك الخاصة في المقدمة بنحو 1.182 تريليون جنيه، تليها البنوك العامة بنحو 400.6 مليار جنيه، ثم البنوك المتخصصة بنحو 122 مليار جنيه، وفروع البنوك الأجنبية العاملة في مصر بنحو 76.2 مليار جنيه.
ماذا يعني الرقم القياسي للجنيه والاحتياطي وأسعار الفائدة؟
الرقم القياسي الجديد ليس مجرد إحصائية تهم المتخصصين؛ انعكاساته تصل إلى جيب المواطن عبر ثلاث قنوات رئيسية:
- سعر الصرف: التدفقات الدولارية الجديدة تخفف الضغط على الجنيه، وتمنح البنك المركزي مساحة أكبر لإدارة سوق الصرف دون اللجوء إلى أدوات استثنائية. استقرار الجنيه يعني استقرار أسعار السلع المستوردة التي تدخل في كل بيت مصري. للمزيد راجع توقعات الدولار مقابل الجنيه في 2026.
- الاحتياطي الأجنبي: هذه التدفقات تتحول إلى سيولة دولارية تدخل المنظومة المصرفية الرسمية، ما يدعم أرصدة الاحتياطي ويعزز قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الخارجية من أقساط ديون وواردات استراتيجية.
- أسعار الفائدة: الإقبال الكثيف على الطروحات يمنح وزارة المالية قدرة على الاقتراض بتكلفة أقل نسبيًا، إذ يدفع الطلب المرتفع العوائد نحو الانخفاض. وهذا قد يمنح البنك المركزي مرونة أكبر في قرارات السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.
بلغة أبسط: عندما يثق المستثمر الأجنبي في الجنيه ويضخ مليارات الدولارات في أدوات الدين المصرية، فإن ذلك يترجم إلى استقرار أكبر في سعر الصرف، وهو المتغير الذي يحدد أسعار كل شيء من القمح المستورد إلى الدواء والأجهزة الكهربائية. كما أن وفرة السيولة الدولارية تقلل احتمالات العودة إلى أزمات نقص العملة الصعبة التي عاشها المصريون في سنوات سابقة.
التحفظ الواجب: الأموال التي جاءت بسرعة قد ترحل بالسرعة نفسها
رغم كل الإيجابيات، يفرض المنطق الاقتصادي تحفظًا واضحًا: هذه هي التدفقات نفسها التي غادرت السوق في الربع الأول بسرعة قياسية عندما اشتدت المخاوف الجيوسياسية. الأموال الساخنة بطبيعتها لا تعرف الولاء للسوق؛ تتحرك بحثًا عن العائد المرتفع والمخاطر المنخفضة، وأي تصعيد إقليمي جديد أو تحول مفاجئ في سياسات الفائدة العالمية قد يعيد سيناريو الخروج من جديد، وبنفس السرعة التي جاءت بها.
الدرس الذي يقدمه النصف الأول من 2026 واضح: لا يجوز الرهان على هذه التدفقات وحدها كمصدر للاستقرار. المطلوب بناء هوامش أمان حقيقية: احتياطي نقدي قوي، وتنويع مصادر النقد الأجنبي عبر الصادرات والسياحة وتحويلات المصريين بالخارج، والأهم الاستثمار الأجنبي المباشر في المصانع والمشروعات، وهي التدفقات التي تبقى عندما تتغير الرياح لأنها مرتبطة بأصول حقيقية لا بأزرار البيع السريع. أما المدخر العادي فتبقى حماية المدخرات من تقلبات الجنيه عبر التنويع هي خط الدفاع الأول.
يبقى رقم 55.1 مليار دولار شهادة ثقة قوية من المستثمرين الأجانب في استقرار السوق المصرية وجاذبية عوائدها، ورسالة بأن مصر استعادت موقعها على خريطة تدفقات المحافظ العالمية. لكنه في الوقت نفسه تذكير دائم بأن هذه الثقة مشروطة باستمرار الاستقرار — جيوسياسيًا ونقديًا — وأن التحدي الحقيقي ليس في جذب الأموال الساخنة، بل في تحويل جزء منها إلى استثمارات طويلة الأجل تخدم الاقتصاد الحقيقي.
المصدر: بيانات البنك المركزي المصري كما نقلتها بلومبرج الشرق.







