أغلق الذهب تداولات يوم الجمعة 2 أكتوبر 2026 على خسارة قاسية، متخليًا عن مكاسبه المبكرة مع صعود الدولار وعوائد سندات الخزانة الأمريكية، ليُنهي الأسبوع فاقدًا نحو 3.7% من قيمته، بحسب ما نقلته وكالة «رويترز» عن تعاملات السوق. فهل يصل التراجع العالمي إلى أسعار الذهب في مصر؟
تراجع الذهب الفوري 0.8% يوم الجمعة ليستقر عند 4145.68 دولار للأوقية، كما هبطت العقود الآجلة الأمريكية عند التسوية بنسبة 0.9% إلى 4162.3 دولارًا للأوقية، وفق بيانات «رويترز». وبذلك يسجل المعدن النفيس خسائر أسبوعية بلغت 3.67%، في واحد من أسوأ أسابيعه هذا العام.
أسبوع سيئ للذهب: الأرقام بالتفصيل
الخسائر لم تقتصر على الذهب وحده؛ فقد انخفضت الفضة الفورية 1.1% إلى 60.17 دولار للأوقية، وتراجع البلاتين 1.9% إلى 1692 دولارًا، بينما انخفض البلاديوم 0.4% إلى 1166.25 دولارًا. وجاءت هذه التراجعات رغم بداية قوية للجلسة ارتفع فيها الذهب أكثر من 1%، عقب صدور بيانات أظهرت تباطؤ نمو الوظائف الأمريكية بوتيرة أكبر من المتوقع خلال سبتمبر.
تقرير الوظائف الصادر عن وزارة العمل الأمريكية يوم الجمعة أظهر ارتفاع الوظائف غير الزراعية بمقدار 29 ألف وظيفة فقط الشهر الماضي، بعد زيادة معدلة بالخفض بلغت 133 ألف وظيفة في أغسطس. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاع الوظائف بمقدار 90 ألفًا، مقارنة بالزيادة المعلنة سابقًا والبالغة 162 ألف وظيفة في أغسطس. كما ارتفع معدل البطالة إلى 4.2%.
هذه البيانات الضعيفة عادةً ما تكون خبرًا سارًا للذهب — لأنها تدفع الفيدرالي نحو التيسير النقدي — لكن السوق كان مشغولًا بما هو أكبر: عوائد السندات الأمريكية التي سجلت يوم الخميس أعلى مستوياتها منذ عام 2002.
لماذا خسر الذهب؟ الدولار والعوائد يخنقان المعدن الأصفر
القاعدة الذهبية في الأسواق تقول: كلما ارتفعت عوائد السندات، زادت تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب الذي لا يدر عائدًا. وسجلت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 و30 عامًا يوم الخميس أعلى مستوياتها منذ عام 2002، في أعقاب بيانات أظهرت متانة الاقتصاد الأمريكي رغم تباطؤ الوظائف.
واستفاد الدولار الأمريكي بدوره من هذه البيئة، مسجلًا مكسبًا أسبوعيًا رغم تراجع طفيف يوم الجمعة، ليظل محتفظًا بجاذبيته كملاذ للسيولة. وقوة الدولار تضغط على الذهب من زاويتين: فهي تجعل المعدن الأصفر أغلى لحائزي العملات الأخرى، كما تعكس توقعات ببقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.
وتشير حسابات السوق إلى أن الذهب تراجع بأكثر من 20% منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران في أواخر فبراير الماضي، متأثرًا بتوقعات بأن التضخم الناجم عن الصراع قد يبقي أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول. هذه خلفية هيكلية لم تتغير بعد: ما دامت الحرب مستمرة ومضيق هرمز متوترًا، تظل الضغوط التضخمية قائمة، ويظل الفيدرالي حذرًا.
الفيدرالي: رهانات رفع الفائدة تتهاوى إلى 22%
في المقابل، حملت بيانات الأسبوع ما يخفف الضغط عن الذهب مستقبلًا. فقد عززت أحدث بيانات التضخم — التي جاءت أضعف من المتوقع — إلى جانب معارضة اثنين على الأقل من كبار صانعي السياسة في الاحتياطي الفيدرالي لرفع أسعار الفائدة مجددًا في أكتوبر، رهانات المستثمرين على أن يبقي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه المقرر نهاية هذا الشهر.
ويرى المتداولون حاليًا احتمالًا يبلغ نحو 22% فقط لرفع أسعار الفائدة الأمريكية هذا الشهر، مقارنة بنحو 70% في وقت سابق من الأسبوع، وفقًا لأداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي». هذا التراجع الحاد في توقعات التشديد هو بحد ذاته عامل دعم للذهب، لأنه يعني أن بيئة الفائدة المرتفعة قد لا تطول كما كان يُخشى.
المعادلة إذن متأرجحة: عوائد قياسية تضغط على الذهب اليوم، مقابل تراجع توقعات الرفع المستقبلي الذي قد يمنحه متنفسًا غدًا. والنتيجة أن المعدن الأصفر يتحرك حاليًا في نطاق ضيق قرب 4150 دولارًا للأوقية، مع مراقبة مستوى 4200 دولار كمقاومة أولى.
لماذا تماسكت أسعار الذهب في مصر رغم الخسارة العالمية؟
المفارقة اللافتة: بينما خسرت الأوقية العالمية 3.7% خلال الأسبوع، حافظ جرام الذهب عيار 21 في مصر على تماسكه قرب 6150 جنيهًا صباح السبت 3 أكتوبر 2026، مسجلًا ارتفاعًا طفيفًا في بعض التعاملات، فيما بلغ سعر الجنيه الذهب 50325 جنيهًا.
السبب الرئيسي هو سعر صرف الدولار؛ فقد ارتفع الدولار نحو 50 قرشًا منذ بداية الأسبوع ليستقر أعلى مستوى 52 جنيهًا في البنوك (52.25 للشراء و52.39 للبيع في البنك المركزي)، وهو ما منح الأسعار المحلية دعمًا عوّض التراجع العالمي. فالذهب في مصر يُسعَّر بالجنيه وفق معادلة تجمع بين سعر الأوقية العالمي وسعر الصرف، وأي صعود للدولار يرفع تكلفة المعدن الأصفر محليًا حتى لو تراجعت الأوقية.
وتظل السوق المحلية في نطاق عرضي لليوم الثالث تقريبًا، مع استمرار تداول عيار 21 أعلى مستوى 6100 جنيه. وهذا التماسك ليس بالضرورة علامة قوة: فالمحللون يشيرون إلى أن جزءًا من الاستقرار يعود لضعف الطلب المحلي وزيادة المعروض من إعادة البيع، وهي عوامل قد تتغير سريعًا مع أي تحرك جديد في سعر الصرف.
ماذا يعني ذلك للمصريين؟ شراء أم انتظار؟
للمشتري العادي في مصر، الرسالة مختلطة. من ناحية، التراجع العالمي لم ينتقل كاملًا إلى السوق المحلية بفعل الدولار، ما يعني أن من اشترى هذا الأسبوع لم يستفد من الخصم العالمي. ومن ناحية أخرى، فإن أي تراجع مستقبلي في الدولار أمام الجنيه — أو تصحيح أعمق للأوقية العالمية — قد يفتح نافذة شراء أفضل.
القاعدة العملية التي يكررها تجار الصاغة: الذهب استثمار طويل الأجل، وليس مضاربة أسبوعية. من يشتري بغرض الادخار لسنوات، فإن تقلبات 3-4% في أسبوع واحد لا تغير كثيرًا في المعادلة، خصوصًا أن المصنعية والدمغة تضيف تكلفة ثابتة عند الشراء يجب حسابها قبل أي قرار.
أما من يفكر في البيع، فعليه الانتباه إلى أن الأسعار الحالية ما زالت مرتفعة تاريخيًا — عيار 21 قرب 6150 جنيهًا — وأن التراجع العالمي الأخير قد يكون بداية موجة تصحيح أوسع إذا استمرت العوائد في الصعود. متابعة اجتماع الفيدرالي نهاية أكتوبر ستكون الفيصل في تحديد الاتجاه.
ماذا نراقب في الأسبوع المقبل؟
أولًا: اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي نهاية أكتوبر، وما إذا كان سيبقي الفائدة دون تغيير كما ترجح الأسواق حاليًا بنسبة 78%. ثانيًا: بيانات التضخم الأمريكية الجديدة، فأي مفاجأة صعودية قد تعيد إشعال رهانات الرفع. ثالثًا: حركة الدولار أمام الجنيه في البنوك المصرية مع عودة التداولات بعد العطلة الأسبوعية. ورابعًا: أي تطور في التوترات الأمريكية الإيرانية حول مضيق هرمز، وهو المتغير الذي قد يقلب كل الحسابات في يوم واحد.
الخلاصة: أسبوع قاسٍ للذهب عالميًا بخسارة 3.7% وعوائد سندات عند أعلى مستوى منذ 2002، لكن أسعار الذهب في مصر تماسكت فوق 6150 جنيهًا لعيار 21 بفضل قوة الدولار. والفترة المقبلة مرهونة بقرار الفيدرالي في أكتوبر وحركة سعر الصرف — وهما العاملان اللذان سيحددان ما إذا كان التراجع فرصة شراء أم بداية موجة أعمق.
المصادر: وكالة «رويترز» (تقرير أسواق الذهب، الجمعة 2 أكتوبر 2026)، أداة «فيد ووتش» لمجموعة «سي إم إي»، أسعار الصاغة المصرية صباح السبت 3 أكتوبر 2026.





