«فجوة الغاز» تصل إلى 100% في الصيف.. رئيس لجنة الطاقة بالشيوخ يكشف خريطة أزمة الغاز في مصر وحلولها

Published:

في اعتراف رسمي نادر بحجم أزمة الغاز الطبيعي في مصر، كشف المهندس أسامة كمال، وزير البترول الأسبق ورئيس لجنة الطاقة والبيئة والقوى العاملة بمجلس الشيوخ، أن الفجوة بين إنتاج مصر من الغاز الطبيعي واستهلاكها بلغت 100% خلال أشهر الصيف، في تصريحات أدلى بها لقناة «سي إن بي سي عربية» اليوم الاثنين 5 أكتوبر 2026.

وأوضح كمال، في لقاء ببرنامج «حوار الأسبوع» مع الإعلامي ياسين الجوهري، أن إجراءات البحث والاستكشاف عن الغاز تمتد من 5 إلى 7 سنوات كاملة، مشيرًا إلى أن تمويلها لا يعتمد على الموازنة العامة للدولة، وأن العمل جارٍ على بدائل من بينها محطة الضبعة النووية لتقليل الاعتماد على الغاز في توليد الكهرباء.

ماذا قال أسامة كمال بالضبط؟

تصريحات رئيس لجنة الطاقة بمجلس الشيوخ حملت ثلاث رسائل واضحة. الأولى: أن أزمة الغاز ليست عابرة ولا موسمية، بل هي فجوة هيكلية وصلت في ذروة الصيف إلى 100% بين ما تنتجه الحقول المصرية وما تستهلكه محطات الكهرباء والمصانع والمنازل. والثانية: أن الحل عبر الاستكشاف الجديد يحتاج صبرًا طويلًا، من 5 إلى 7 سنوات من بدء أعمال البحث حتى دخول الغاز الجديد إلى الشبكة، وهو ما يعني أن أي اكتشاف يُعلن عنه اليوم لن يغيّر المعادلة قبل نهاية العقد. والثالثة: أن تمويل هذه الأعمال الاستكشافية لا يأتي من الموازنة العامة، أي أنه مرهون بقدرة الدولة على جذب شركات البترول العالمية وضخها استثمارات جديدة.

ولم يترك كمال الحديث عند حدود التشخيص، بل أشار إلى أن الدولة تعمل على بدائل، في مقدمتها محطة الضبعة النووية التي ستضيف قدرات توليد كهرباء لا تعتمد على الغاز، بما يخفف الضغط عن شبكة الوقود في السنوات المقبلة.

ماذا تعني فجوة 100%؟

بلغة الأرقام البسيطة، يعني كلام رئيس لجنة الطاقة أن الاستهلاك المحلي من الغاز تجاوز الإنتاج بفارق ضخم خلال أشهر الصيف، وأن الفارق جرى تغطيته عبر الاستيراد. فالصيف هو موسم الذروة في مصر: مكيفات الهواء تعمل بكامل طاقتها، ومحطات الكهرباء التي تعمل بالغاز تستهلك كميات قياسية، بينما الإنتاج المحلي من الحقول يشهد تراجعًا تدريجيًا منذ سنوات.

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: مصر التي كانت قبل سنوات قليلة مُصدِّرًا صافيًا للغاز الطبيعي المسال، عادت لتستورد كميات كبيرة عبر وحدات التغييز العائمة في العين السخنة، لتغطية احتياجات الصيف. والفجوة التي تحدث عنها كمال هي بالضبط ثمن هذا التحول: كل قدم مكعب لا تنتجه الحقول المصرية يُشترى من السوق العالمية بالدولار.

الفاتورة تتحدث: واردات الوقود تقفز 36%

أرقام الفجوة التي كشفها كمال تجد صداها في بيانات الموازنة. فقد نشرت «الفلوس» اليوم أن واردات مصر من الوقود قفزت 36% إلى 21.8 مليار دولار خلال 9 أشهر، وهو رقم يترجم مباشرة ضغط فاتورة الطاقة على احتياطي النقد الأجنبي وعلى عجز الميزان التجاري.

ومع ارتفاع أسعار الغاز المسال عالميًا في أوقات الذروة، تصبح كل شحنة مستوردة أغلى من سابقتها، بينما تُباع الكهرباء المنتجة منها للمستهلك بأسعار مدعومة جزئيًا. الفارق بين سعر الشراء العالمي وسعر البيع المحلي تتحمله الموازنة العامة، وهو ما يفسر حساسية ملف الطاقة في أي حديث عن الدعم والأسعار.

لماذا لا تُحل الأزمة بين ليلة وضحاها؟

إجابة كمال كانت صريحة: دورة الاستكشاف من 5 إلى 7 سنوات. فبين توقيع اتفاقية البحث مع شركة عالمية، وأعمال المسح السيزمي، وحفر الآبار الاستكشافية، ثم آبار التنمية وربطها بالشبكة القومية، تمر سنوات لا يمكن اختصارها. وهذا يعني أن الاكتشافات التي أُعلن عن ربطها بالشبكة مؤخرًا هي ثمرة اتفاقيات وُقعت قبل سنوات، وأن أي مزايدة جديدة تُطرح اليوم لن تؤتي ثمارها قبل 2031 أو 2032.

أما البديل النووي، فمحطة الضبعة التي تنفذها شركة «روساتوم» الروسية يُتوقع تشغيل أول مفاعلاتها في 2028، لتضيف 4800 ميجاوات عند اكتمال وحداتها الأربع. وحتى ذلك الحين، يبقى الجسر الوحيد هو الاستيراد: شحنات الغاز المسال التي تصل إلى وحدات التغييز العائمة، وهي حل مكلف لكنه ضروري لتفادي العودة إلى تخفيف الأحمال.

النقطة الثالثة في كلام كمال لا تقل أهمية: تمويل الاستكشاف لا يعتمد على الموازنة. بمعنى أن الدولة لا تدفع من جيبها للبحث عن الغاز، بل تعتمد على شركات البترول العالمية التي تتحمل كلفة الحفر مقابل حصة من الإنتاج. وهذا يضع ملف سداد مستحقات هذه الشركات في قلب المعادلة: كلما انتظمت المدفوعات، زاد إقبال الشركات على ضخ استثمارات جديدة، وكلما تأخرت، تباطأت أعمال الحفر والتنقيب.

وأسعار الوقود.. ماذا ينتظر المواطن؟

السؤال الذي يهم كل بيت مصري: هل تنعكس فجوة الغاز على أسعار البنزين والسولار وأسطوانات البوتاجاز؟ حتى الآن، الإجابة الرسمية بالنفي. فقد جددت وزارة البترول نفيها لأي تغيير في أسعار الوقود، مؤكدة أن لجنة التسعير التلقائي لم تجتمع بعد ولم تصدر أي قرار.

لكن آلية التسعير التلقائي المعمول بها منذ 2019 تربط أسعار البنزين بثلاثة متغيرات: السعر العالمي للبترول، وسعر صرف الدولار، وتكلفة النقل والتكرير. ومع ارتفاع فاتورة الاستيراد التي كشفها كمال ضمنيًا، تظل اجتماعات اللجنة المقبلة تحت مجهر المستهلكين، خاصة أن أي تحريك للأسعار يعني مباشرة ارتفاع تكلفة النقل والسلع.

تحليل الفلوس

تصريحات أسامة كمال مهمة ليس لأنها كشفت معلومة جديدة كليًا — فالمتابعون لملف الطاقة يعرفون أن مصر تستورد الغاز منذ أكثر من عام — بل لأنها أول اعتراف رسمي بهذا الوضوح وبهذا الرقم: فجوة 100% في الصيف. وهذا الرقم يضع النقاش في حجمه الحقيقي: نحن لا نتحدث عن عجز مؤقت يمكن سده بشحنة أو اثنتين، بل عن تحول هيكلي في ميزان الطاقة المصري يحتاج سنوات لعكسه.

الرسالة الثانية التي يجب أن يلتقطها المستثمر والمواطن معًا هي رسالة التوقيت. حين يقول وزير بترول أسبق ورئيس لجنة الطاقة إن الاستكشاف يحتاج 5 إلى 7 سنوات، فهو يقول ضمنيًا إن فاتورة الاستيراد المرتفعة باقية معنا لسنوات، وإن أي رهان على «اكتشاف ينقذ الموقف» قريبًا هو رهان خاسر. البدائل الحقيقية على المدى المتوسط هي: انتظام سداد مستحقات شركات البترول لتتسارع أعمال الحفر، وتشغيل الضبعة في موعدها، وترشيد الاستهلاك في ذروة الصيف.

ما الذي نراقبه في الشهور المقبلة؟ أولًا: نتائج جولات الاستكشاف الجديدة ومدى إقبال الشركات العالمية عليها، فهي المؤشر المبكر على اتجاه الإنتاج بعد 2030. ثانيًا: التزام الجدول الزمني لمحطة الضبعة، فأي تأخير يعني سنوات إضافية من الاعتماد على الغاز المستورد. ثالثًا: اجتماعات لجنة التسعير التلقائي للوقود، فهي الترجمة العملية للفجوة إلى جيب المواطن. ورابعًا: أسعار الغاز المسال العالمية شتاءً، فالشتاء الأوروبي هو من يحدد سعر الشحنة التي ستشتريها مصر صيفًا.

المصدر: لقاء المهندس أسامة كمال، رئيس لجنة الطاقة والبيئة بمجلس الشيوخ، مع قناة «سي إن بي سي عربية» في برنامج «حوار الأسبوع»: https://www.youtube.com/watch?v=_6GU5n3NUao

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img