في تصريح لافت يرسم صورة قاتمة لمشهد الطاقة في مصر، كشف المهندس أسامة كمال، رئيس لجنة الطاقة والبيئة بمجلس الشيوخ ووزير البترول الأسبق، أن الفجوة بين إنتاج مصر من الغاز الطبيعي واستهلاكها المحلي بلغت 100% خلال أشهر الصيف الماضي، وذلك خلال حوار مع الإعلامي ياسين الجوهري في برنامج “حوار الأسبوع” على قناة CNBC عربية، الذي بث اليوم الاثنين 5 أكتوبر 2026.
وأضاف كمال أن إجراءات البحث والاستكشاف عن الغاز قد تمتد من 5 إلى 7 أعوام، مشيرًا إلى أن تمويلها لا يعتمد على الموازنة العامة للدولة، بينما تعمل الدولة على بدائل لتخفيف الضغط على الغاز، في مقدمتها محطة الضبعة النووية.
ماذا تعني “فجوة 100%”؟
ببساطة، تعني أن مصر كانت تستهلك من الغاز الطبيعي في ذروة الصيف ضعف ما تنتجه تقريبًا. فبحسب بيانات حكومية نقلتها «الشرق بلومبرج» في سبتمبر 2026، تراجع الإنتاج المحلي إلى نحو 3.8 مليار قدم مكعبة يوميًا، بينما قفز الطلب المحلي في ذروة أشهر الصيف إلى نحو 7.5 مليار قدم مكعبة يوميًا، مدفوعًا بشكل رئيسي بارتفاع استهلاك محطات توليد الكهرباء لتغطية أحمال التكييف.
والحساب هنا واضح: الفارق بين 7.5 مليار و3.8 مليار قدم مكعبة يبلغ نحو 3.7 مليار قدم مكعبة يوميًا، أي ما يعادل عمليًا 100% من حجم الإنتاج المحلي نفسه. وحتى في الظروف العادية خارج ذروة الصيف، يبلغ الاستهلاك نحو 6.2 مليار قدم مكعبة يوميًا، أي أن الفجوة الهيكلية قائمة طوال العام وتتفاقم صيفًا.
وهذا يفسر لماذا اضطرت الحكومة إلى استيراد نحو 18.7 مليون طن من الغاز الطبيعي خلال العام المالي الحالي 2026-2027، وفق خطة العام المالي الجاري.
فاتورة الاستيراد تقفز إلى 11.5 مليار دولار
الأرقام الأحدث تكشف حجم الضغط على الموازنة. فقد تعاقدت مصر مع شركات عالمية على استيراد نحو 230 شحنة من الغاز الطبيعي المسال خلال العام المالي الحالي 2026-2027، مقارنة بنحو 186 شحنة خلال العام المالي السابق، بزيادة تقارب 24%، بحسب مسؤول حكومي تحدث لـ«الشرق بلومبرج» في سبتمبر 2026.
والفاتورة المتوقعة لاستيراد الغاز المسال خلال العام المالي الجاري تصل إلى نحو 11.5 مليار دولار، مقابل حوالي 6.8 مليار دولار خلال العام المالي 2025-2026، مع ارتفاع متوسط تكلفة الشحنة الواحدة إلى نحو 50 مليون دولار مقارنة بنحو 40 مليون دولار سابقًا، بفعل صعود الأسعار العالمية والتوترات الجيوسياسية في المنطقة.
وعلى مستوى الشهر الواحد، تتراوح فاتورة واردات مصر من الغاز الطبيعي المسال حاليًا بين 1.1 و1.2 مليار دولار شهريًا، نتيجة ارتفاع الأسعار العالمية إلى جانب تكاليف الشحن والتأمين وإعادة التغويز، ما يفرض ضغوطًا مباشرة على ميزان المدفوعات البترولي، وفق مصدر مسؤول تحدث إلى «العربية Business» في سبتمبر 2026.
سفن التغييز.. شريان الحياة
تعتمد مصر حاليًا على سفن التغييز العائمة لاستقبال الشحنات وإعادتها إلى حالتها الغازية، وتبلغ طاقة إعادة التغويز المتاحة نحو 3 مليارات قدم مكعبة يوميًا عبر ثلاث سفن في ميناء العين السخنة وسفينة في الأردن، وفق البيانات الحكومية لسبتمبر 2026.
وفي سبتمبر الماضي وحده، استقبلت مصر 18 شحنة غاز مسال يعاد تغويزها محليًا، توزعت بواقع 6 شحنات لكل من سفينتي «هوج جاليون» و«إنرجوس إسكيمو» العاملتين في ميناء سوميد بالعين السخنة، إضافة إلى سفينة «إنرجوس باور» في ميناء سونكر، وخلال أول أسبوعين من سبتمبر وفرت هذه الشحنات إمدادات للسوق المحلية تقترب من 2.4 مليار قدم مكعبة يوميًا، وجه الجزء الأكبر منها إلى محطات الكهرباء والقطاعات الصناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة.
وتتجه القاهرة لاستئجار 5 سفن تغييز جديدة في العين السخنة ودمياط والعقبة، بالتزامن مع توقع استمرار احتياجاتها الاستيرادية حتى عامي 2029 و2030.
البحث والاستكشاف: سباق ضد الزمن وتمويل خارج الموازنة
تصريح كمال بأن إجراءات البحث والاستكشاف قد تمتد من 5 إلى 7 أعوام، وأن تمويلها لا يعتمد على الموازنة، يعني عمليًا أن الدولة تراهن على الشركاء الأجانب والاستثمارات الخاصة في أعمال الحفر والتنمية، لا على الإنفاق الحكومي المباشر.
وتستهدف الحكومة رفع الإنتاج المحلي إلى نحو 6.6 مليار قدم مكعبة يوميًا بحلول عام 2030، لكنها في الوقت نفسه تتوقع استمرار الحاجة إلى استيراد الغاز الطبيعي المسال خلال السنوات المقبلة لسد الفجوة، مع استمرار الاحتياجات الاستيرادية حتى عامي 2029 و2030 وفق الخطط الحكومية. وهو ما يعني أن فاتورة الاستيراد المليارية ستظل بندًا ثابتًا في الموازنة لسنوات.
الضبعة النووية.. الرهان البديل
من بين البدائل التي أشار إليها كمال تأتي محطة الضبعة النووية في المقدمة. فالمحطة، التي ستوفر عند اكتمال وحداتها قدرة توليد مستقرة لا تعتمد على الغاز، تمثل ورقة الدولة الأهم لتخفيف الضغط عن محطات الكهرباء العاملة بالغاز في فترات الذروة الصيفية، وتقليل الإنفاق على شحنات الغاز المسال باهظة الثمن.
المنطق هنا واضح: كل ميجاواط تولده الضبعة من الطاقة النووية هو ميجاواط لا يحتاج إلى غاز مستورد بسعر 50 مليون دولار للشحنة.
تحليل الفلوس
تصريح أسامة كمال اليوم ليس مجرد رقم صادم، بل هو اعتراف رسمي من داخل المؤسسة التشريعية بأن أزمة الغاز في مصر انتقلت من مرحلة “الضغط المؤقت” إلى مرحلة “الوضع الهيكلي”. فعندما تبلغ الفجوة 100% في الصيف، فهذا يعني أن الدولة تدير منظومتها الكهربائية بالكامل تقريبًا على الغاز المستورد في أشهر الذروة، وهو وضع يضع الموازنة العامة رهينة لأسعار الغاز المسال العالمية والتوترات الجيوسياسية.
الخطر الحقيقي على المواطن المصري ليس في تصريح اليوم، بل في ترجمته إلى أرقام محسوسة: فاتورة استيراد تقفز من 6.8 إلى 11.5 مليار دولار في عام واحد تعني ضغطًا إضافيًا على احتياطي النقد الأجنبي وعلى سعر صرف الجنيه، وقد تعني — إذا استمرت أسعار الغاز العالمية في الارتفاع — ضغوطًا على أسعار الكهرباء مستقبلًا، خاصة مع اتجاه الدولة لربط أسعار الطاقة بتكلفتها الفعلية. كما أن الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة (الأسمدة، الحديد، الأسمنت) ستدفع ثمن هذا الوضع عبر أسعار غاز أعلى، وهو ما سينعكس على أسعار السلع في السوق المحلية.
ما الذي يجب مراقبته في الفترة المقبلة؟ أولًا: نتائج أعمال الحفر والاستكشاف الجديدة في البحر المتوسط، وهل ستترجم إلى إنتاج فعلي قبل 2030. ثانيًا: الجدول الزمني لتشغيل أولى وحدات محطة الضبعة النووية، فهي البديل الوحيد القادر على خفض الفجوة بشكل هيكلي لا موسمي. ثالثًا: أسعار الغاز المسال العالمية مع دخول فصل الشتاء في أوروبا، فأي موجة صقيع هناك سترفع أسعار الشحنات التي تشتريها مصر. ورابعًا: قرارات لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية، التي ستكشف ما إذا كانت الدولة ستُمرر جزءًا من هذه التكلفة المتزايدة إلى المستهلك أم ستواصل تحملها في الموازنة.
المصدر: تصريحات المهندس أسامة كمال، رئيس لجنة الطاقة والبيئة بمجلس الشيوخ، في برنامج “حوار الأسبوع” على قناة CNBC عربية — مشاهدة الحلقة. الأرقام الحكومية عن الإنتاج والاستهلاك والشحنات نقلًا عن «الشرق بلومبرج» و«العربية Business» (سبتمبر 2026).







