خطة التنمية الاقتصادية 2026/2027: مصر تستهدف نموًا 5.4% واستثمارات 3.7 تريليون جنيه.. والقطاع الخاص يقود بـ59%

Published:

أعلنت وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية عن ملامح خطة التنمية الاقتصادية 2026/2027، التي تستهدف تحقيق معدل نمو حقيقي يبلغ 5.4%، إلى جانب تنفيذ استثمارات كلية تقدر بنحو 3.7 تريليون جنيه، في أول إعلان رسمي للمستهدفات الكلية للعام المالي الجديد، وذلك خلال كلمة مسجلة للدكتور أحمد رستم وزير التخطيط في افتتاح المؤتمر السنوي للمنتدى الأورومتوسطي لمعاهد العلوم الاقتصادية “FEMISE” المنعقد بمدينة تاراغونا الإسبانية خلال الفترة من 7 إلى 9 أكتوبر الجاري.

ويأتي إعلان المستهدفات الجديدة بعد أيام من إعلان وزارة المالية الحصاد النهائي للعام المالي 2025/2026، والذي سجل نموًا فعليًا بلغ 5.1% وفائضًا أوليًا عند 4.9% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يعني أن خطة العام الجديد تستهدف رفع وتيرة النمو بنحو ثلاث نقاط عشرية فوق المستوى المحقق فعليًا، رغم الضغوط الإقليمية المتصاعدة على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد.

أبرز مستهدفات خطة التنمية الاقتصادية 2026/2027

أوضح وزير التخطيط أن خطة التنمية الاقتصادية 2026/2027 تستهدف تحقيق معدل نمو اقتصادي حقيقي يبلغ 5.4%، مقابل 5.1% هي النمو المحقق في العام المالي المنتهي في يونيو الماضي، وفق ما أعلنته وزارة المالية مساء الخميس بحسب الحصاد النهائي للموازنة العامة.

كما تستهدف الخطة تنفيذ استثمارات كلية بقيمة 3.7 تريليون جنيه، وهو رقم يعكس رهان الحكومة على تسريع وتيرة ضخ الاستثمارات العامة والخاصة معًا في قطاعات الإنتاج والبنية التحتية والطاقة، في وقت تتسابق فيه دول المنطقة على جذب رؤوس الأموال الباحثة عن ملاذات آمنة وسط الاضطرابات الجيوسياسية.

وأكد رستم، في كلمته التي نقلتها جريدة “بانكير” مساء اليوم، أن مصر تعمل على بناء اقتصاد أكثر قدرة على مواجهة الأزمات والتحديات الإقليمية والدولية، من خلال الجمع بين التعافي الاقتصادي والتحول الهيكلي طويل الأجل، وتعزيز التعاون مع دول منطقة البحر المتوسط.

القطاع الخاص في المقدمة: 59% من الاستثمارات المستهدفة

من أبرز ما جاء في إعلان الوزير أن القطاع الخاص سيستحوذ على نحو 59% من إجمالي الاستثمارات المستهدفة في خطة التنمية الاقتصادية 2026/2027، بما يعكس – بحسب الوزير – توجه الدولة نحو زيادة مساهمة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، ورفع القدرات الإنتاجية، ودعم الصناعة التحويلية.

ويعد هذا الرقم امتدادًا للمسار الذي بدأته الحكومة في العام المالي المنصرم، والذي شهد استحواذ القطاع الخاص على نحو 65% من الاستثمارات المنفذة فعليًا، وفق بيانات وزارة المالية النهائية للعام المالي 2025/2026، ما يشير إلى أن سياسة “الدولة الممكنة” للقطاع الخاص لم تعد شعارًا بقدر ما أصبحت أرقامًا تُقاس في الموازنات الفعلية.

ويرى متابعون أن تثبيت حصة القطاع الخاص عند مستويات مرتفعة في الخطة الجديدة يمثل رسالة طمأنة مزدوجة: للمستثمرين المحليين بأن الدولة لن تعود لمنافستهم في الأنشطة الإنتاجية، وللمؤسسات الدولية – وعلى رأسها صندوق النقد الدولي – بأن برنامج الإصلاح الاقتصادي يسير في اتجاه تعزيز دور السوق، وهو ما عززه تثبيت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني لمصر عند “B” بنظرة مستقبلية مستقرة مطلع هذا الأسبوع كما رصدنا في حينه.

التصنيع والطاقة الخضراء والتحول الرقمي في قلب الخطة

حدد وزير التخطيط ثلاث ركائز أساسية تستند إليها خطة التنمية الاقتصادية 2026/2027، أولها تعميق التصنيع المحلي، وثانيها زيادة الاستثمارات في الطاقة المتجددة والبنية التحتية الخضراء، وثالثها التحول الرقمي في منظومة التخطيط ومتابعة الاستثمارات الحكومية.

وأشار رستم إلى أن التحديات الجيوسياسية واضطرابات التجارة وسلاسل الإمداد، إلى جانب تداعيات تغير المناخ وأزمات الطاقة والغذاء، تتطلب عدم الاكتفاء بإجراءات مؤقتة للتعامل مع الأزمات، بل ربط مراحل التعافي الاقتصادي بمسار طويل الأجل للتحول الهيكلي، بما يعزز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات وتحقيق نمو أكثر استدامة وشمولًا.

وفي ملف الطاقة، أكد الوزير أن تعميق الاستثمارات في الطاقة المتجددة والبنية التحتية الخضراء يعد من الركائز الأساسية لتعزيز ارتباط الاقتصاد المصري بسلاسل القيمة الإقليمية بين دول البحر المتوسط، مشيرًا إلى “المبادرة الوطنية للمشروعات الخضراء الذكية” باعتبارها نموذجًا يجمع بين الاستدامة البيئية واستخدام التكنولوجيا، مع تنفيذ مشروعات على مستوى مختلف المحافظات.

أما التحول الرقمي، فوصفه الوزير بأنه يمثل محورًا رئيسيًا في تطوير منظومة التخطيط ومتابعة الاستثمارات الحكومية، بما يرفع كفاءة الإنفاق العام ويحد من الهدر في المشروعات القومية – وهو ملف طالما اشتكى منه المراقبون في السنوات الماضية.

كيف تقرأ السوق مستهدفات الخطة الجديدة؟

يأتي إعلان مستهدفات خطة التنمية الاقتصادية 2026/2027 في توقيت حساس: أسعار النفط العالمية تتداول فوق 104 دولارات للبرميل وسط التصعيد في مضيق هرمز، والتضخم العالمي يعيد الظهور في بيانات الاقتصادات الكبرى، والمنطقة تشهد أعلى مستويات التوتر منذ سنوات. وفي هذا السياق، يقرأ المراقبون رقم النمو المستهدف (5.4%) باعتباره طموحًا محسوبًا وليس مبالغة – فهو يزيد ثلاثة أعشار فقط عن النمو المحقق فعليًا (5.1%)، ما يجعله قابلًا للتحقيق إذا استقرت أسعار الطاقة العالمية عند مستوياتها الحالية أو تراجعت.

أما رقم الاستثمارات (3.7 تريليون جنيه)، فهو الأكبر في تاريخ الخطط التنموية المصرية بالقيمة الاسمية، لكن قيمته الحقيقية ستتحدد بقدرة الحكومة على تحويله إلى مشروعات منتجة تخلق وظائف حقيقية، وليس مجرد إنفاق رأسمالي يرفع عجز الموازنة. وهنا تبرز أهمية حصة القطاع الخاص (59%) كمؤشر على أن الجزء الأكبر من هذا الرقم سيتحمله المستثمرون وليس الخزانة العامة.

وتجدر الإشارة إلى أن المؤتمر الذي أُعلنت فيه المستهدفات – منتدى FEMISE السنوي بتاراغونا – يجمع نخبة من الباحثين وصناع السياسات وشركاء التنمية الدوليين في منطقة المتوسط، ما يعني أن الإعلان موجه جزئيًا لجمهور دولي يراقب جدية مصر في تنفيذ برنامجها الاقتصادي، خاصة بعد تثبيت التصنيف الائتماني واستمرار مراجعات صندوق النقد الدولي.

تحليل الفلوس

الأرقام التي أعلنها وزير التخطيط الليلة ليست مجرد “مستهدفات على الورق” – فهي أول خريطة رسمية لطموحات الحكومة في العام المالي الجديد، وتُقرأ بثلاثة مفاتيح. المفتاح الأول: أن الزيادة في مستهدف النمو (من 5.1% محقق فعليًا إلى 5.4% مستهدف) متواضعة ومدروسة، ما يعكس واقعية نادرة في الخطابات الرسمية – الحكومة لا تعد بمعجزات، بل بتحسين تدريجي مشروط باستقرار الأوضاع الإقليمية. وهذا في حد ذاته إشارة إيجابية للأسواق: التوقعات الواقعية تُبنى عليها قرارات استثمارية حقيقية.

المفتاح الثاني: حصة القطاع الخاص البالغة 59% هي الاختبار الحقيقي. فإذا تحققت فعليًا، فهذا يعني أن الدولة جادة في الانسحاب التدريجي من الأنشطة الإنتاجية لصالح المستثمرين – وهو ما طالب به صندوق النقد والقطاع الخاص لسنوات. لكن التاريخ يعلمنا الحذر: الفجوة بين “المستهدف” و”المنفذ” في حصة القطاع الخاص كانت تقليديًا واسعة، والعام المالي الماضي (65% منفذ فعليًا بحسب المالية) هو أول إشارة على تضييق هذه الفجوة. العبرة ستكون في بيانات التنفيذ الفعلية بعد عام، لا في إعلان الليلة.

المفتاح الثالث – وهو الأهم للمواطن العادي: هذه المستهدفات لن تترجم إلى تحسن ملموس في مستوى المعيشة إلا إذا انعكست على سوق العمل والأسعار. النمو الاقتصادي الذي لا يخلق وظائف ولا يخفض التضخم يظل رقمًا في تقارير. لذا ما يجب متابعته في الشهور المقبلة ليس تصريحات المسؤولين، بل ثلاثة مؤشرات عملية: معدل البطالة الفعلي، وتيرة خلق الوظائف في القطاع الخاص، ومسار التضخم الشهري. إذا تحسنت هذه المؤشرات الثلاثة، فستكون خطة 2026/2027 قد نجحت حيث يهم الأمر فعلًا – في جيب المواطن.

المصدر: جريدة بانكير – تصريحات الدكتور أحمد رستم وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية في افتتاح مؤتمر FEMISE السنوي 2026 بتاراغونا، إسبانيا (8 أكتوبر 2026). رابط الخبر الأصلي

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img