قرارات ثقيلة خرج بها مجلس الوزراء من اجتماعه الأسبوعي الأربعاء 7 أكتوبر، برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، ونشرتها الصحف المصرية صباح الخميس 8 أكتوبر. الحزمة شملت 12 قرارًا، في مقدمتها مد مهلة التصالح في مخالفات البناء ستة أشهر إضافية، ومد مهلة تقنين أراضي الدولة، والموافقة على تخصيص 43 قطعة أرض لشركات بنظام البيع بالدولار من خارج البلاد، إلى جانب قرارات تمس الإسكان الاجتماعي في بورسعيد وبرنامج “سكن كل المصريين”.
التصالح في مخالفات البناء: 6 أشهر جديدة تبدأ 5 نوفمبر
أبرز القرارات على الإطلاق كان مد العمل بقانون التصالح في بعض مخالفات البناء لمدة ستة أشهر إضافية، تبدأ من 5 نوفمبر 2026، وفق ما نشرته مجلة “أصول مصر” وموقع “الجمهور”. القرار يمنح ملايين من أصحاب العقارات المخالفة فرصة أخيرة — أو شبه أخيرة — لاستكمال ملفاتهم وسداد المستحقات قبل إغلاق الباب.
ملف التصالح واحد من أكبر الملفات العقارية في مصر منذ سنوات؛ أعداد الطلبات المقدمة تجاوزت الملايين، لكن نسبة كبيرة من أصحابها تعثرت في استكمال الأوراق أو سداد الأقساط في المواعيد المحددة. كل تمديد سابق كان يصاحبه قفزة في أعداد المتقدمين خلال الأسابيع الأخيرة من المهلة، وهو ما تراهن عليه الحكومة هذه المرة أيضًا: تحصيل أكبر قدر ممكن من مستحقات الدولة قبل نهاية المهلة الجديدة.
المعادلة هنا واضحة: التصالح ليس مجرد ورقة قانونية، بل بوابة لتوصيل المرافق بشكل رسمي، ورفع القيمة السوقية للعقار، وتجنب أي إجراءات إزالة مستقبلية. من لم يتقدم حتى الآن أمامه حتى مايو 2027 تقريبًا — لكن التجربة تقول إن الانتظار لآخر لحظة هو أخطر ما في الملف.
تقنين أراضي الدولة: مهلة إضافية للملكية الخاصة
القرار الثاني في الحزمة العقارية: مد مهلة تقنين أراضي الدولة المملوكة ملكية خاصة ستة أشهر جديدة. الملف يخص واضعي اليد على أراضي الدولة الذين تقدموا بطلبات تقنين ولم يستكملوا إجراءاتهم، سواء بسداد المقدمات أو استيفاء المستندات.
تقنين الأوضاع هنا يعني تحويل وضع اليد إلى ملكية موثقة بعقود رسمية، وهو ما يفتح الباب أمام التصرف القانوني في الأرض — بيعًا أو رهنًا أو إدخال مرافق. المهلة الجديدة تستهدف إنهاء الملفات العالقة التي تراكمت في المحافظات، خاصة في ظل تباين سرعة الإنجاز بين محافظة وأخرى.
43 قطعة أرض تُباع بالدولار من خارج البلاد
من القرارات اللافتة اقتصاديًا: موافقة مجلس الوزراء على تخصيص 43 طلب أرض لعدد من الشركات، بنظام البيع بالدولار الأمريكي من خارج البلاد. الطلبات موزعة على 14 مدينة جديدة: برج العرب الجديدة، والقاهرة الجديدة، والعاشر من رمضان، و6 أكتوبر، والسادات، والشروق، والعبور، وبدر، وأكتوبر الجديدة، والمنصورة الجديدة، وبني سويف الجديدة، وأسيوط الجديدة، وحدائق أكتوبر، وأسوان الجديدة.
آلية البيع بالدولار من الخارج تعني تحويلات دولارية مباشرة تدخل شرايين الاقتصاد دون المرور بسوق الصرف المحلية — وهو ما يصب في خانة دعم احتياطي النقد الأجنبي وتخفيف الضغط على الجنيه. التوزيع الجغرافي الواسع، من الدلتا إلى الصعيد وأسوان، يشير إلى أن الطلب الاستثماري لم يعد مركزًا في القاهرة الكبرى وحدها.
الخطوة تأتي ضمن توجه أوسع لتعظيم العائد الدولاري من الأصول العقارية، بالتوازي مع مستهدفات خطة التنمية الاقتصادية 2026/2027 التي تستهدف نموًا بنسبة 5.4%.
الإسكان الاجتماعي: قواعد جديدة في بورسعيد و”سكن كل المصريين”
في ملف الإسكان الاجتماعي، أقر المجلس الضوابط الخاصة بمشروع الإسكان الاجتماعي بمحافظة بورسعيد (منطقة الرسوة) الذي يضم 111 عمارة سكنية، بحد أقصى للدخل الشهري 15 ألف جنيه للفرد و19 ألف جنيه للأسرة. السقف الجديد يحدد بدقة الشريحة المستهدفة: متوسطو الدخل الذين تجاوزوا حدود محدودي الدخل لكنهم ما زالوا خارج قدرة السوق الحر.
أما برنامج “سكن كل المصريين” بمحور الإيجار، فجاءت ضوابطه واضحة في ترتيب الأولويات: الأولوية الأولى لمستأجري الإيجار القديم، والثانية لحديثي الزواج بحد أقصى 35 عامًا، مع تخصيص 5% من الوحدات لذوي الهمم. الترتيب يحسم جدلًا طال أمده حول من يستحق أولًا في الوحدات الإيجارية المدعومة، ويضع مستأجري الإيجار القديم — الملف الأكثر حساسية اجتماعيًا — في مقدمة الصف.
رمسيس في لندن حتى يناير.. وفندق بورسعيد لـ”بيك الباتروس” 30 عامًا
ثقافيًا وسياحيًا، وافق المجلس على مد معرض “رمسيس وذهب الفراعنة” في العاصمة البريطانية لندن أربعة أشهر إضافية، ليستمر حتى 3 يناير 2027. المعرض يضم 180 قطعة أثرية، واستمراره يعني موسمًا ترويجيًا أطول لمصر في واحدة من أهم العواصم الأوروبية.
وفي بورسعيد أيضًا، وافق المجلس على منح ترخيص انتفاع لفندق بورسعيد (هلنان سابقًا) لصالح شركة بيك الباتروس للفنادق والمنتجعات السياحية لمدة 30 عامًا — خطوة تضع أحد أشهر فنادق المدينة تحت إدارة واحدة من أكبر المجموعات الفندقية العاملة في السوق المصرية، بما يعنيه ذلك من تطوير متوقع للمنشأة ورفع لمستوى الخدمة.
وضمن القرارات الإدارية، وافق المجلس على تعاقد مصلحة الضرائب المصرية مع شركة “إرنست ويونج” للاستشارات لمدة 15 شهرًا — في إشارة إلى استمرار مسار تطوير المنظومة الضريبية والاستعانة بالخبرات الدولية.
تحليل الفلوس
التمديد الجديد لمهلة التصالح — وهو ليس الأول — يكشف حقيقة رقمية لا يمكن تجاهلها: حجم المخالفات القائمة أكبر بكثير من قدرة أي مهلة رسمية على استيعابه دفعة واحدة. الدولة هنا تختار التحصيل على المواجهة؛ كل طلب تصالح مكتمل يعني سيولة تدخل الخزانة وملفًا يُغلق نهائيًا. لكن الرسالة الضمنية للمماطلين واضحة أيضًا: الباب لن يبقى مفتوحًا إلى الأبد، وكل تمديد قد يكون الأخير فعلًا. من يملك عقارًا مخالفًا ولم يبدأ الإجراءات، فالأشهر الستة الجديدة هي أرخص نافذة سيحصل عليها — التأخير بعدها سيكون بفاتورة أعلى بكثير.
أما بيع الأراضي بالدولار من الخارج، فهو في جوهره قرار نقدي بقدر ما هو عقاري. كل قطعة أرض تُباع بهذه الآلية تعني دولارات تدخل مباشرة دون ضغط على سوق الصرف، في وقت تحتاج فيه الدولة كل مصدر ممكن للعملة الصعبة. توزيع الطلبات على 14 مدينة — من برج العرب إلى أسوان الجديدة — يقول إن خريطة الاستثمار العقاري تتسع خارج القاهرة الكبرى، وهي إشارة إيجابية يتابعها المستثمر عن كثب: المدن الجديدة في الصعيد والدلتا أصبحت على رادار رؤوس الأموال الجادة.
النقطة الثالثة التي تستحق المتابعة هي قواعد الإسكان الاجتماعي الجديدة. سقف الدخل في بورسعيد (15 ألفًا للفرد و19 ألفًا للأسرة) وأولوية الإيجار القديم في “سكن كل المصريين” يعيدان رسم خريطة المستحقين بدقة أكبر — لكن الاختبار الحقيقي ليس في القرار بل في التنفيذ: آلية التقديم، وشفافية التخصيص، وأسعار الوحدات وشروط السداد. من يستهدف وحدة مدعومة عليه أن يراقب إعلانات صندوق الإسكان الاجتماعي خلال الأسابيع المقبلة، لأن التفاصيل التنفيذية هي التي تحدد من يفوز فعلًا بهذه الوحدات.







