فجّر الخبير الاقتصادي الدكتور حسن الصادي جدلًا واسعًا حول ملف بيع الأصول في مصر، حين قال بوضوح في الجزء الأول من حواره مع الإعلامية رانيا بدوي في بودكاست «فاصلة ومنقوطة»، الذي بُث في 8 أكتوبر 2026 وحصد أكثر من 360 ألف مشاهدة، إن «ما يحدث في مصر هو بيع أصول.. وليس استثمار»، مؤكدًا أن الدولة تبحث في الأساس عن سيولة لسداد الديون، أكثر مما تجذب استثمارًا حقيقيًا يبني مصانع جديدة ويخلق فرص عمل. وطرح حسن الصادي في الحلقة الأسئلة التي يرددها المصريون منذ سنوات: لماذا تبيع مصر أصولها؟ وهل بيع أصول الدولة ينقذ الاقتصاد أم يؤجل الأزمة؟
حسن الصادي وبيع الأصول: ما الفرق بين الاستثمار والبيع؟
يرى حسن الصادي أن الخلط بين «الاستثمار» و«بيع الأصول» هو أصل المشكلة في الخطاب الرسمي. فالاستثمار الحقيقي، في تقديره، يعني أموالًا جديدة تدخل البلد لتقيم مشروعات جديدة أو توسّع مشروعات قائمة، وتنقل تكنولوجيا، وتفتح أسواق تصدير، وتوفر وظائف مستدامة. أما بيع الأصول فيعني ببساطة نقل ملكية أصل قائم بالفعل — شركة أو بنك أو محطة أو أرض — من يد الدولة إلى يد مشترٍ جديد، دون أن يضيف طاقة إنتاجية جديدة للاقتصاد.
والفارق ليس لغويًا، كما يوضح الصادي، بل مالي بامتياز: حصيلة البيع مبلغ يُقبض مرة واحدة ولا يتكرر، بينما الأصل المُباع كان يدرّ على الموازنة العامة دخلًا سنويًا متكررًا في صورة أرباح وتوزيعات وضرائب. فإذا أُنفقت الحصيلة في سداد فوائد الديون أو تغطية عجز جارٍ، تكون الدولة قد خسرت دخلًا دائمًا مقابل حل مؤقت، لتجد نفسها في العام التالي أمام الفاتورة نفسها، لكن بأصول أقل.
ولم يقتصر حديث حسن الصادي في الحلقة على ملف بيع الأصول وحده؛ فقد فتح أهم الملفات التي تمس حياة المواطن المصري، وتحدث عن المشروعات القومية الأخيرة للدولة، وعرض رأيه في أسباب الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها مصر، وطريقته المقترحة للخروج منها، في حوار وصفته الإعلامية رانيا بدوي بأنه يجيب عن «الأسئلة الصعبة» التي تدور في ذهن كل مصري.
أرقام الدين والطروحات: لماذا تبحث الدولة عن السيولة؟
تكتسب تصريحات حسن الصادي عن بيع الأصول معناها الكامل عندما تُقرأ إلى جوار الأرقام الرسمية الحديثة. فقد أظهرت بيانات البنك الدولي، المنشورة في 17 أكتوبر 2026، أن الدين الخارجي لمصر ارتفع إلى 166.45 مليار دولار بنهاية يونيو 2026، بزيادة 1.68 مليار دولار خلال الربع الثاني وحده، مقابل 164.77 مليار دولار بنهاية مارس الماضي، وتبلغ حصة الحكومة وحدها من هذا الدين نحو 82.7 مليار دولار. وفي الوقت نفسه، تراجعت نسبة الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 81.9% بنهاية يونيو 2026، وتستهدف وزارة المالية خفضها إلى 78% بحلول يونيو 2027، مع تقليص الدين الخارجي بمعدل مليار إلى ملياري دولار سنويًا.
وعلى جبهة الطروحات، تستهدف الحكومة تنفيذ ما بين 3 و5 طروحات لشركات مملوكة للدولة خلال العام المالي 2026-2027، بحصيلة مستهدفة تبلغ نحو 1.5 مليار دولار، بحسب تصريحات وزير المالية أحمد كجوك، ويأتي في مقدمة الأصول المستهدفة بنك القاهرة وحصة تصل إلى 20% من شركة مصر لتأمينات الحياة. لكن اللافت أن صندوق النقد الدولي أشار في مراجعته السابعة لبرنامج مصر إلى ترحيل حصيلة تخارجات بقيمة 1.5 مليار دولار، كان مقررًا تحقيقها في 2025-2026، إلى العام المالي 2026-2027، بعد تأخر تنفيذ عدد من الصفقات؛ إذ لم تتجاوز الحصيلة المحققة فعليًا نحو 520 مليون دولار بعد صفقة مزرعة رياح جبل الزيت وبيع حصص في شركات مدرجة.
وتخطط الحكومة لتوجيه نحو 920 مليون دولار من حصيلة التخارجات خلال العام المالي الجاري إلى خفض الدين، بينما تستعد القاهرة للمراجعتين الأخيرتين في برنامج صندوق النقد منتصف ديسمبر 2026، واللتين تفتحان الباب أمام صرف نحو 2.3 مليار دولار. وهذه الأرقام مجتمعة — دين خارجي يتجاوز 166 مليار دولار، وحصيلة بيع أصول بملايين محدودة، وضغط مراجعات الصندوق — هي بالضبط المعادلة التي يتحدث عنها حسن الصادي حين يقول إن الدافع الأول وراء تسريع بيع الأصول هو توفير سيولة دولارية لسداد الالتزامات، وليس بناء قاعدة استثمارية جديدة.
ماذا يعني تحذير حسن الصادي من بيع الأصول للمواطن المصري؟
قد يبدو ملف بيع الأصول بعيدًا عن حياة الناس اليومية، لكنه يمس المواطن في ثلاث نقاط مباشرة. الأولى أن الأصول المباعة — بنوكًا وشركات ومحطات — كانت أرباحها تدخل الموازنة العامة وتساهم في تمويل الدعم والتعليم والصحة؛ فإذا بيعت، تراجع هذا المورد، وازدادت الحاجة إما إلى ضرائب أعلى أو إلى اقتراض أغلى. والثانية أن حصيلة البيع إذا ذهبت إلى سداد ديون قديمة دون أن يتغير هيكل الاقتصاد، فإن الدولة ستعود للاقتراض من جديد، وتدور الدائرة مرة أخرى بلا نهاية.
أما النقطة الثالثة فتتعلق بالمستقبل: الأصول التي تُباع اليوم بأسعار يفرضها احتياج البائع للسيولة العاجلة قد لا تُباع بقيمتها الحقيقية، خصوصًا عندما يعرف المشتري أن البائع مضغوط بمواعيد سداد ومراجعات دولية. ولذلك يطالب حسن الصادي، ومن يشاركونه الرأي، بأن يكون السؤال الأول قبل أي صفقة: كم يساوي هذا الأصل فعلًا؟ وأين ستذهب حصيلته بالضبط؟ وهل ستنخفض الديون فعلًا أم ستتجدد؟
وفي المقابل، تؤكد الحكومة أن برنامج التخارج لا يستهدف «البيع» بقدر ما يستهدف توسيع قاعدة الملكية وإفساح المجال أمام القطاع الخاص، ضمن وثيقة سياسة ملكية الدولة، وأن الحصيلة تُوجَّه لخفض الدين وتعزيز الاحتياطيات. ويبقى الحكم الفاصل، كما تثبت تجارب السنوات الأخيرة، في الأرقام لا في البيانات.
المصدر: شاهد الحوار كاملًا في بودكاست فاصلة ومنقوطة مع رانيا بدوي — الجزء الأول
شاهد الفيديو: تصريحات د. حسن الصادي — مقطع «الصادي: اللي بيحصل بيع أصول مش استثمار!» على صفحة كلام مختلف: https://www.facebook.com/reel/1374423918099535
تحليل الفلوس
القضية التي يثيرها حسن الصادي أعمق من الجدل حول كلمة «استثمار» أو «بيع»؛ فالدول تبيع حصصًا في شركاتها طوال الوقت، والسؤال الحقيقي ثلاثي: هل البيع بسعر عادل؟ وهل المشتري سيضخ استثمارات جديدة تطور الأصل أم سيجني عوائده فقط؟ وأين تذهب الحصيلة؟ حتى الآن، تبدو حصيلة التخارجات — نحو 520 مليون دولار محققة، و1.5 مليار مستهدفة — متواضعة جدًا إذا ما قورنت بخدمة دين خارجي يتجاوز 166 مليار دولار، وهو ما يعني أن بيع الأصول بصيغته الحالية يعالج عرضًا هامشيًا من أزمة الدين ولا يعالج أصلها: اقتصاد لا يصدّر ولا ينتج بما يكفي لتوليد الدولار.
المخاطرة الأكبر أن تتحول سياسة التخارج إلى «أكل رأس المال»: بيع أصول مدرّة للدخل لسداد فوائد ديون، فيتحسن رقم الدين مؤقتًا، ثم يتدهور هيكل الموازنة في السنوات التالية لأن الدخل المتكرر اختفى وبقيت الالتزامات. الاختبار الحقيقي للحكومة سيكون في مراجعتي ديسمبر مع صندوق النقد: هل تُستكمل الصفقات الكبرى مثل بنك القاهرة بشفافية وتقييم معلن؟ وهل تذهب الحصيلة فعلًا إلى خفض الدين كما تعهدت وزارة المالية، أم تتسرب إلى الإنفاق الجاري؟
ونصيحة الفلوس للقارئ: لا تنخدع بعناوين «صفقات المليارات»؛ تابع ثلاثة أرقام فقط لتعرف الحقيقة: رصيد الدين الخارجي كل ربع سنة، وحجم الاستثمار الأجنبي المباشر الجديد خارج صفقات شراء الأصول القائمة، ونسبة الدين الحكومي إلى الناتج. فإذا انخفض الأول وارتفع الثاني دون بيع المزيد من الأصول، نكون أمام استثمار حقيقي؛ أما إذا استمر بيع الأصول واستمر صعود الدين معًا، فسيكون حسن الصادي قد وصف الواقع بدقة موجعة: نحن نبيع لنقترض من جديد.
📚 ملف الخبير: تابع كل تصريحات ومقالات د. حسن الصادي وسيرته الذاتية الكاملة في قسم خبراء الاقتصاد على موقع الفلوس.







