هاني جنينة أسعار الفائدة: التثبيت هو الأقرب اليوم.. والإنتربنك يكشف أن تشدد السيولة يعضّ البنوك

Published:

قال هاني جنينة أسعار الفائدة في مصر باتت مرشحة للبقاء دون تغيير، مؤكدًا أن تثبيت البنك المركزي المصري لأسعار الفائدة في اجتماع لجنة السياسة النقدية اليوم الخميس 29 أكتوبر 2026 هو «السيناريو الأقرب»، لأن السياسة النقدية مشددة بالفعل إلى درجة تجعل أي رفع إضافي غير ضروري. وأوضح رئيس قطاع البحوث بشركة الأهلي فاروس لتداول الأوراق المالية، في تصريحات خاصة لبوابة «بنوك أونلاين»، أن الدليل الأقوى على هذا التشدد لا يأتي من سعر الفائدة الرسمي وحده، بل من حركة السيولة داخل الجهاز المصرفي نفسه، حيث ارتفعت أسعار الفائدة على تعاملات الإنتربنك بالجنيه فوق مستوياتها المعتادة منذ يونيو الماضي، في إشارة واضحة إلى أن شح السيولة بدأ يعضّ البنوك فعليًا.

وتعقد لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي اجتماعها اليوم وسط ترقب واسع من الأسواق، في وقت تبلغ فيه أسعار الفائدة الحالية 19% للإيداع و20% للإقراض و19.5% لسعر العملية الرئيسية، بعد سلسلة من التخفيضات خلال الفترة الماضية أعقبت دورة تشديد قوية هدفت إلى كبح التضخم واستعادة استقرار سوق الصرف. وبينما انقسمت توقعات بيوت الخبرة بين التثبيت ورفع محدود تحسبًا لموجة تضخمية جديدة، جاءت قراءة جنينة لتضع النقاش في زاوية مختلفة: السؤال ليس كم سيرفع المركزي، بل هل ما زالت هناك سيولة أصلًا تحتاج إلى مزيد من الخنق؟

هاني جنينة أسعار الفائدة: السيولة تقول إن التشديد يعمل بالفعل

استشهد جنينة بما وصفه بمؤشرات السيولة داخل الجهاز المصرفي، قائلًا إن أسعار الفائدة على التعاملات بين البنوك بالجنيه المصري «الإنتربنك» ارتفعت عن مستوياتها المعتادة خلال الفترة الأخيرة. وشرح أن هذه الأسعار ظلت لفترة طويلة تتحرك قرب الحد الأدنى لسعر الفائدة لدى البنك المركزي، أي قرب أرضية نطاق الفائدة، وهو الوضع الطبيعي عندما تكون السيولة وفيرة لدى البنوك فلا تحتاج إلى اقتراض مكلف من بعضها البعض. لكن الصورة تغيرت خلال أجزاء من العام الحالي، لا سيما منذ يونيو الماضي، إذ سجلت أسعار الإنتربنك مستويات أعلى بما يعكس تراجع السيولة المتاحة للإقراض بين البنوك.

وبحسب جنينة، فإن هذا التطور يعني أن السياسة النقدية التقييدية بدأت تنعكس بصورة واضحة على مستويات السيولة داخل القطاع المصرفي، وهو ما يعزز فاعلية الإجراءات التي يتخذها البنك المركزي للحد من الضغوط التضخمية. فحين تصبح البنوك نفسها متعطشة للسيولة وتدفع أسعارًا أعلى للحصول عليها، يكون التشديد النقدي قد وصل إلى هدفه عبر قناة الائتمان والسيولة، دون حاجة إلى صدمة جديدة في سعر الفائدة الرئيسي قد ترفع كلفة خدمة الدين العام وتضغط على النشاط الاقتصادي.

لماذا يرى هاني جنينة أن صعود الدولار لن يتحول إلى اتجاه مستدام؟

في ملف سعر الصرف، أكد جنينة أن استمرار السياسة النقدية التقييدية، بالتوازي مع الحد من نمو السيولة المتاحة في السوق، يمثل عاملًا مهمًا في احتواء الضغوط على الجنيه، مشددًا على أن ارتفاع الدولار في ظل هذه الظروف «لا يعني بالضرورة أن التحرك الحالي سيستمر بصورة مستدامة». فالدولار الذي يصعد في سوق تعاني شحًا في السيولة المحلية يفقد أحد أهم وقود استمرار الصعود، وهو توافر الجنيهات الرخيصة التي تمول المضاربة وطلبات الاستيراد المؤجلة.

لكن جنينة لم يرسم صورة وردية بالكامل؛ فقد أشار إلى أن التطورات الخارجية وما تفرضه من ضغوط على ميزان المدفوعات، خاصة نتيجة ارتفاع تكلفة استيراد الطاقة، تدعم توجه البنك المركزي نحو تثبيت أسعار الفائدة في المرحلة الحالية بدلًا من التخفيف. فالتوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة عالميًا يرفعان فاتورة الواردات المصرية ويضغطان على موارد النقد الأجنبي، وهو ما يجعل الإبقاء على سياسة نقدية متشددة ضرورة دفاعية حتى لو كانت مؤشرات التضخم المحلية تسمح نظريًا بمساحة للمناورة.

المستهلك المستنزف.. صمام أمان غير مقصود ضد التضخم

النقطة الثالثة في قراءة جنينة تتعلق بآلية انتقال الصدمات إلى الأسعار. فقد أوضح أن تأثير الصدمات الخارجية على الأسعار يرتبط أيضًا بقدرة المستهلكين على تحمل الزيادات، مشيرًا إلى أن ارتفاع الأسعار قد يدفع بعض الأفراد إلى تقديم مشترياتهم تحسبًا لمزيد من الزيادات، لكن «هذا السلوك لا يمكن تعميمه على الاقتصاد بأكمله». فبعض الأسر التي تمتلك فوائض مالية قد تتجه بالفعل إلى شراء السلع المعمرة أو تعجيل قرارات الشراء خوفًا من ارتفاع أسعارها، إلا أن هذه التحركات تظل محدودة مع تراجع القدرة الشرائية لدى قطاعات واسعة من المستهلكين نتيجة ارتفاع الأسعار مقارنة بالدخول.

وأضاف أن المستهلكين قد يصلون إلى مرحلة لا تسمح فيها دخولهم بمواصلة الشراء عند المستويات السعرية المرتفعة، فيؤجلون قرارات الشراء لحين تحسن الدخول أو تراجع الأسعار، وهو ما يحد من انتقال الصدمات الخارجية إلى موجات تضخمية مستمرة بالوتيرة نفسها. وبعبارة أخرى، فإن استنزاف القدرة الشرائية، رغم قسوته اجتماعيًا، يعمل كسقف طبيعي أمام دوامة الأسعار، لأن التاجر الذي لا يجد من يشتري لا يستطيع تمرير كل زيادة في التكلفة إلى السعر النهائي.

واختتم جنينة تصريحاته بالتأكيد على أن الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير خلال الاجتماع المقبل يبدو السيناريو الأقرب، في ضوء استمرار الضغوط الخارجية والحاجة إلى الحفاظ على الأوضاع النقدية المتشددة، بما يدعم استقرار سوق الصرف ويحد من تحول الارتفاعات المؤقتة في سعر الدولار إلى اتجاه مستدام. وهي خلاصة تلتقي مع غالبية استطلاعات الرأي التي أجرتها وكالات وصحف اقتصادية خلال الأسبوع الجاري، والتي رجحت التثبيت مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام تحرك لاحق إذا أظهرت بيانات التضخم أو سعر الصرف ما يستدعي ذلك.

تحليل الفلوس

قراءة جنينة تنقل مركز ثقل النقاش من سعر الفائدة المعلن إلى «سعر الفائدة الفعلي» الذي تعيشه البنوك كل يوم في سوق الإنتربنك، وهذه زاوية تستحق التوقف عندها. فالبنك المركزي قد يثبّت أرقامه الرسمية اليوم، لكن التشديد يكون قد حدث بالفعل عبر قنوات أخرى: عمليات سحب السيولة، وارتفاع عوائد أدوات الدين الحكومي قصيرة الأجل، وتباطؤ نمو الائتمان. ومن يراقب قرار اليوم من زاوية الرقم وحده قد يفوته أن السياسة النقدية تُدار أحيانًا بالأدوات الكمية لا بالسعر، وأن الإنتربنك المرتفع منذ يونيو هو بمثابة رفع فائدة صامت لم يحتاج إلى بيان رسمي.

في المقابل، تحمل هذه القراءة وجهًا آخر لا يقل أهمية: شح السيولة الذي يحتفي به جنينة كمؤشر نجاح للتشديد هو نفسه ما يرفع كلفة تمويل الشركات ويضغط على النشاط الخاص، خاصة الشركات الصغيرة والمتوسطة التي لا تملك بدائل تمويلية. لذلك فإن رهان التثبيت اليوم ليس رهانًا على انتهاء المعركة مع التضخم، بل على أن كلفة مزيد من التشديد باتت أعلى من عائده، وأن المخاطر الحقيقية الآن خارجية المصدر — طاقة أغلى وميزان مدفوعات أضيق — لا يعالجها رفع الفائدة أصلًا.

ما يجب أن يراقبه المواطن والمستثمر بعد قرار اليوم هو ثلاثة مؤشرات: مسار أسعار الإنتربنك خلال الأسابيع المقبلة، فاستمرارها مرتفعة يعني أن التشديد ما زال قائمًا بقوة؛ وسلوك الدولار في البنوك، فإذا تراجع مع بقاء السيولة شحيحة تأكدت فرضية جنينة بأن الصعود كان مؤقتًا؛ وبيانات التضخم المقبلة، فهي التي ستحدد ما إذا كان التثبيت اليوم محطة عبور نحو التخفيف في 2027 أم استراحة قبل جولة تشديد جديدة تفرضها صدمة خارجية أكبر.

المصدر: تصريحات خاصة للدكتور هاني جنينة لبوابة «بنوك أونلاين» بتاريخ 28 أكتوبر 2026 — النص الأصلي للتصريحات.


📚 ملف الخبير: تابع كل تصريحات ومقالات د. هاني جنينة وسيرته الذاتية الكاملة في قسم خبراء الاقتصاد على موقع الفلوس.

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربهhttps://elfolos.com
أحمد عبد ربه — صحفي وإعلامي مصري، ومؤسس ورئيس تحرير موقع الفلوس (ELFOLOS). درس الإعلام والصحافة في جامعتي القاهرة وطنطا، ويعمل مديرًا لمنتدى الحوار من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. يكتب ويشرف على تغطية الاقتصاد المصري: أسعار الذهب والدولار، البنوك وشهادات الادخار، البورصة، والسياسات الاقتصادية، بهدف تبسيط المعلومة المالية للمواطن المصري.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img