«لا يستقيم استمرار الاعتماد على تقديرات واجتهادات بشأن معدلات الفقر ومستويات المعيشة، في وقت تتوافر فيه نتائج بحث رسمي متخصص».. بهذه العبارة الحاسمة لخّص النائب الدكتور محمد فؤاد، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل بمجلس النواب، جوهر مطالبته العاجلة للحكومة والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بنشر نتائج محمد فؤاد بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك كاملة، مؤكدًا أن القضية لم تعد مجرد تأخر إداري في إعلان أرقام، بل مسألة شفافية ورقابة وحق أصيل للبرلمان والمواطنين في معرفة الصورة الحقيقية لمستويات المعيشة في مصر.
وقال فؤاد في مطالبته الصادرة يوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026: «الحكومة لا تتردد في إعلان المؤشرات الإيجابية والاحتفاء بها، ولا يصح أن يقتصر عرض الواقع الاقتصادي على الأخبار السعيدة وحدها»، مضيفًا بعبارة ستصبح عنوانًا لهذا الملف: «الشفافية ليست تفضلًا من الحكومة». فالبيانات، من وجهة نظره، ليست منحة تُمنح حين تكون النتائج مريحة، وتُحجب حين تكشف عن تراجع أو ضغوط، وإنما التزام مؤسسي يفرضه الدستور وتمليه أبسط قواعد المساءلة.
محمد فؤاد بحث الدخل والإنفاق.. آخر نتائج منشورة تعود إلى 2021
المفارقة التي يقف عندها رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل طويلًا هي أن آخر نتائج منشورة لبحث الدخل والإنفاق والاستهلاك تعود إلى عام 2021، رغم أن البحث يُجرى بطبيعته على دورة منتظمة كل عامين. وهذا يعني عمليًا أن مصر تعيش منذ سنوات على خريطة قديمة للفقر والدخل والإنفاق، في وقت تغيّرت فيه الأسعار وتكاليف المعيشة وموجات التضخم وقرارات التسعير أكثر من مرة، وتغيّرت معها حياة الأسر المصرية من جذورها.
فكيف يمكن، كما يتساءل فؤاد، الحكم على أثر أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية إذا كانت أحدث صورة رسمية شاملة لدخول الناس وإنفاقهم ترجع إلى ما قبل موجات الغلاء الكبرى التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة؟ وكيف يمكن تقييم برامج الدعم والحماية الاجتماعية، أو قياس انعكاس النمو الاقتصادي على حياة المواطن العادي، إذا كان المرجع الإحصائي الأهم غائبًا أو مؤجلًا بلا موعد معلن؟
غياب النتائج، بحسب فؤاد، يفتح الباب أمام التقديرات المتضاربة والأرقام غير الموثقة بشأن الفقر والمعيشة، بينما توجد نتائج بحث متخصص أُجري وفق أسس علمية وكان يفترض أن يحسم هذا الجدل.
محمد فؤاد بحث الدخل والإنفاق وطلبات إحاطة ووعود لم تتحقق
المطالبة الجديدة لم تأتِ من فراغ، ولم تكن أول تحرك برلماني في هذا الملف. فقد أوضح فؤاد أن عددًا كبيرًا من أعضاء مجلس النواب، بمختلف انتماءاتهم الحزبية والسياسية، تقدموا منذ بداية العام الحالي بطلبات إحاطة وأسئلة برلمانية بشأن تأخر إعلان نتائج البحث، وتلقوا في المقابل وعودًا متكررة بنشرها، لكن تلك الوعود لم تتحقق حتى الآن، وبقيت النتائج حبيسة الانتظار.
وشدد النائب على أن التعهدات التي تقدمها الحكومة أمام البرلمان ليست تصريحات عابرة تُقال لامتصاص لحظة نقاش، وإنما التزامات سياسية ومؤسسية تستوجب الوفاء بها في مواعيد واضحة. فحين يتعهد مسؤول أمام السلطة التشريعية بإتاحة بيانات ثم يمر الوقت دون تنفيذ، فإن التساؤلات لا تتوقف عند حدود التأخير الفني، بل تمتد إلى مدى الالتزام الجاد بمتطلبات الشفافية والتعاون المفترض بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
ويعتبر فؤاد أن التهاون في هذه الالتزامات يضعف فاعلية أدوات الرقابة البرلمانية؛ فالنائب الذي لا يملك البيانات لا يستطيع أن يمارس رقابة حقيقية، والمناقشة دون مرجع إحصائي متاح للجميع تتحول إلى جدل حول الانطباعات لا حول الحقائق.
ليس رقم فقر فقط.. ماذا يقيس البحث فعليًا؟
من أهم النقاط التي حرص فؤاد على توضيحها أن أهمية بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك لا تقتصر أبدًا على إعلان نسبة الفقر، رغم أن هذه النسبة هي العنوان الأكثر تداولًا في الإعلام. فالبحث في حقيقته صورة بانورامية شاملة لحياة الأسر المصرية: يقيس الدخول الحقيقية وتطورها، ويرصد كيف توزع الأسرة جنيهاتها المحدودة بين الغذاء والسكن والتعليم والصحة والمواصلات، ويكشف الفوارق الحادة أحيانًا بين المحافظات وبين الريف والحضر وبين الشرائح الاجتماعية المختلفة.
بهذه البيانات وحدها يمكن الإجابة عن أسئلة تشغل كل بيت مصري: هل تحسنت الدخول الحقيقية بعد خصم أثر التضخم أم تآكلت؟ وما النسبة التي يلتهمها الغذاء من دخل الأسرة اليوم؟ أسئلة لا تجيب عنها المؤشرات الكلية وحدها، مهما بدت لامعة.
ولهذا يؤكد فؤاد أن النتائج أداة لا غنى عنها لتقييم كفاءة برامج الدعم والحماية الاجتماعية، وتحديد الفئات الأكثر احتياجًا بدقة، بدلًا من الاعتماد على قواعد بيانات قديمة لا تعكس تحولات السنوات الماضية.
فجوة معلوماتية تضعف الرقابة والمساءلة
«المشكلة ليست فقط في غياب المعلومات عن الرأي العام».. بهذا المعنى يوسّع فؤاد دائرة القضية، فالأخطر من وجهة نظره أن البرلمان نفسه لا يستطيع قياس نتائج السياسات التي يُطلب منه مناقشتها وإقرارها ومراقبة تنفيذها. فإذا كانت البيانات الحديثة متاحة لدى الجهات الحكومية بينما لا تتاح للسلطة التشريعية والرأي العام، فنحن أمام فجوة معلوماتية تضعف الرقابة والمساءلة معًا.
ويتساءل رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل: كيف يمكن للبرلمان أن يقيّم كفاءة برامج الحماية الاجتماعية، أو أثر قرارات الدعم والأسعار على المواطنين، دون معرفة ما طرأ بالفعل على دخول الأسر وأنماط إنفاقها؟ فالرقابة البرلمانية الجادة لا تقتصر على مراجعة المخصصات المالية في الموازنة أو الاستماع إلى ما تعلنه الحكومة من إنجازات، بل تمتد إلى التحقق من النتائج الفعلية للسياسات العامة على الأرض، وهو ما يستحيل دون بيانات حديثة وموثوقة ومتاحة.
كما لم يُخفِ فؤاد تفهّمه لاحتمال وجود مخاوف حكومية من توظيف نتائج البحث إعلاميًا أو سياسيًا، خاصة إذا عكست تراجعًا في بعض مؤشرات المعيشة، لكنه حسم الموقف بوضوح: هذا التخوف، إن وُجد، لا ينبغي أبدًا أن يكون مبررًا لتأخير نشر البيانات الرسمية. فالحكومات الواثقة تنشر أرقامها كاملة، الجيد منها والمقلق، لأن الهدف الأصلي من الإحصاء هو تصحيح السياسات لا تجميل الصورة.
نشر النتائج ليس تسجيل نقاط سياسية
وفي ختام مطالبته، أكد فؤاد أن التحرك لا يستهدف تسجيل نقاط سياسية، ولا تحويل الأرقام إلى شهادة نجاح أو إخفاق لأي طرف، بل توفير أساس علمي مشترك يمكّن الحكومة والبرلمان والباحثين من تقييم السياسات على أرضية واحدة من الحقائق، وتحديد جوانب القصور ومعالجتها قبل أن تتفاقم.
وطالب بنشر النتائج التفصيلية كاملة، بما يتيح المقارنة بين الدورات المختلفة للبحث، ويساعد الباحثين والمتخصصين على تحليل تطور مؤشرات الدخل والإنفاق والاستهلاك عبر الزمن. واختتم بالتأكيد على أن المصارحة بالبيانات والمؤشرات الفعلية ضرورة لتحسين إدارة الشأن العام، وأن «الشفافية ليست تفضلًا من الحكومة»، بل التزام مؤسسي وشرط أساسي لتعزيز الرقابة والمساءلة ورفع كفاءة السياسات الاقتصادية والاجتماعية وضمان توجيه الموارد العامة بما يحقق مصلحة المواطنين. ويمكن الاطلاع على نص المطالبة كما نُشرت في المصدر الأصلي لتصريحات النائب محمد فؤاد.
تحليل الفلوس
ما يطرحه محمد فؤاد هنا يتجاوز مطلبًا برلمانيًا تقليديًا إلى قضية تمس قلب صناعة القرار الاقتصادي في مصر. فالدولة التي تخطط لبرامج حماية اجتماعية بمئات المليارات، وتعيد هيكلة الدعم، وتتخذ قرارات تسعير متتالية، تحتاج قبل أي شيء إلى بوصلة دقيقة تقول لها أين يقف المواطن فعلًا. وبحث الدخل والإنفاق هو هذه البوصلة تاريخيًا؛ وكل عام يمر دون نشر نتائجه يعني قرارات تُبنى على خريطة معيشية من زمن مختلف تمامًا، قبل تعويمات متتالية وقبل أن تتضاعف فواتير الغذاء والطاقة والسكن.
والأهم أن نشر النتائج، مهما كانت قاسية، يصب في مصلحة الحكومة نفسها قبل معارضيها. فالأرقام الرسمية الموثقة هي وحدها القادرة على مواجهة سيل التقديرات الخارجية والاجتهادات التي تملأ الفراغ حاليًا، وهي وحدها التي تمنح أي تحسن حقيقي في المعيشة مصداقيته أمام الناس. أما استمرار الحجب فيغذي الانطباع الأسوأ دائمًا: أن ما لا يُنشر لا بد أنه أسوأ مما يُقال. الشفافية هنا ليست رفاهية علاقات عامة، بل أداة حكم رشيد بامتياز.
وتأتي المطالبة بينما تتجه الأنظار إلى موازنة جديدة وبرامج دعم يُعاد ضبطها؛ فنشر النتائج كاملة سيكون اختبارًا عمليًا لجدية الحديث الحكومي عن الشفافية، وسيمنح البرلمان والباحثين فرصة لنقاش مبني على أرقام لا انطباعات. وحتى يحدث ذلك، يبقى سؤال فؤاد معلقًا: كيف نحكم على الإنجاز إذا كنا لا نعرف أرقام الفقر الحقيقية؟
المصدر: تصريحات النائب د. محمد فؤاد، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، المنشورة بتاريخ 28 أكتوبر 2026 — https://www.egyptke.com/300672
📚 ملف الخبير: تابع كل تصريحات ومقالات د. محمد فؤاد وسيرته الذاتية الكاملة في قسم خبراء الاقتصاد على موقع الفلوس.







