سهم ألفابت ينهار 13% ويمحو 500 مليار دولار: فقاعة إنفاق الذكاء الاصطناعي تهز وول ستريت وناسداك

Published:

انهار سهم ألفابت، الشركة الأم لمحرك البحث جوجل، بنحو 13% في تعاملات الخميس 29 أكتوبر في وول ستريت، في طريقه لتسجيل أكبر هبوط يومي في تاريخه، ليتداول قرب 283 إلى 287 دولارا، وفق ما نقلته وكالة رويترز. الخسارة لا تخص شركة واحدة؛ فالسهم وحده كان مسؤولا عن الجزء الأكبر من نحو 693 مليار دولار كان مؤشر ناسداك 100 في طريقه لمحوها إذا استمرت الخسائر حتى الإغلاق، بينما تتجه القيمة السوقية لألفابت لفقدان أكثر من 500 مليار دولار في جلسة واحدة.

المفارقة أن الأرقام التشغيلية لم تكن كارثية بالكامل. لكن وول ستريت لم تعد تشتري وعود الذكاء الاصطناعي بأي ثمن. المستثمرون قرأوا النتائج الفصلية قراءة مختلفة هذه المرة: أرباح أقل من المتوقع، تدفق نقدي حر سالب للربع الثاني على التوالي، وإنفاق رأسمالي ضخم سيزيد أكثر في 2027، في وقت أبقى فيه الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة عند 3.75% إلى 4.00%، وأصبحت تكلفة الاقتراض أعلى وأطول أمدا مما كانت الأسواق تتمنى.

ألفابت تخيب التوقعات لأول مرة منذ 2022

بحسب رويترز، سجلت ألفابت ربحية للسهم بلغت 2.12 دولار في الربع الثالث، مقابل نحو 3.02 دولار كانت تتوقعها السوق، في أول إخفاق على مستوى صافي الربح منذ الربع الأخير من عام 2022. الإيرادات جاءت عند 127.6 مليار دولار، أقل قليلا من توقعات قرب 128.2 مليار دولار، بينما تراجع صافي الدخل إلى 26.17 مليار دولار من 34.98 مليار دولار قبل عام.

الضربة جاءت من بندين كبيرين شرحتهما الشركة في نتائجها. الأول خسارة غير محققة بنحو 8.2 مليار دولار من حصة في أسهم شركة سبيس إكس التابعة لإيلون ماسك، وهي خسارة محاسبية تعكس تراجع تقييم الاستثمار وليست خسارة تشغيلية نقدية مباشرة. والثاني دفع غرامة مكافحة احتكار أوروبية بقيمة 5.2 مليار دولار. البندان معا يفسران جزءا كبيرا من الفجوة بين الأرباح الفعلية والتوقعات، لكن السوق لم يتعامل معهما باعتبارهما أحداثا عابرة فقط، لأن جوهر القلق كان في مكان آخر: النقد.

التدفق النقدي الحر جاء سالبا بقيمة 9.07 مليار دولار، وهو الربع الثاني على التوالي الذي يتجاوز فيه الإنفاق الرأسمالي النقد المتولد من العمليات. هذا الرقم تحديدا هو ما أرعب حاملي السهم. شركات التكنولوجيا الكبرى كانت تبرر تقييماتها المرتفعة تاريخيا بأنها ماكينات نقد لا تتوقف، تمول توسعها من أرباحها. عندما تتحول ألفابت، ولو مؤقتا، إلى مستهلك للنقد بسبب سباق مراكز البيانات والرقائق، يتغير أساس التقييم بالكامل.

وول ستريت تعاقب سباق الإنفاق على الذكاء الاصطناعي

أبقت ألفابت توجيهات الإنفاق الرأسمالي لعام 2026 عند 195 إلى 205 مليارات دولار، وقالت المديرة المالية أنات أشكنازي إن عام 2027 سيشهد زيادة كبيرة إضافية. بالنسبة للإدارة، هذا استثمار ضروري لحماية موقع جوجل في البحث والحوسبة السحابية والإعلانات في عصر النماذج التوليدية. بالنسبة لمديري الصناديق، السؤال أصبح حسابيا وبسيطا: متى يتحول هذا الإنفاق إلى إيرادات وأرباح بنفس الحجم، وهل ستتحمل هوامش الربح تكلفة الاهلاك والطاقة والرقائق في السنوات المقبلة؟

رويترز أشارت إلى أن هبوط ألفابت قاد موجة بيع أوسع في أسهم التكنولوجيا. مؤشر ناسداك تراجع بأكثر من 1% خلال الجلسة، مع تقارير لحظية أظهرت هبوطا بين 1.4% و1.83%، بينما انخفض مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنحو 0.5%، وخسر مؤشر داو جونز الصناعي نحو 310 نقاط. مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات هبط 1.8%، لأن أي تشكيك في جدوى إنفاق الذكاء الاصطناعي يضرب أولا شركات الرقائق ومعدات مراكز البيانات التي كانت أكبر المستفيدين من السباق.

الخسائر لم تتوقف عند ألفابت. سهم فورتنت هوى 21.7%، وسيرفس ناو تراجع 23.3% بعد نتائج خيبت التوقعات، وكاتربيلر انخفضت بنحو 12% بسبب توجيهات ضعيفة للربع الأخير. أمازون تراجعت 3.1% وإنتل 2.2% قبل إعلان نتائجهما بعد إغلاق السوق، وهو ما رفع منسوب التوتر لأن أي خيبة جديدة مساء الخميس قد تمد موجة البيع إلى جلسة الجمعة. في المقابل، قدمت مايكروسوفت صورة مختلفة نسبيا؛ نتائج قوية للحوسبة السحابية وأزور أبقت سهمها قريبا من الاستقرار، بين مكاسب طفيفة في التعاملات المبكرة واستقرار لحظي، ما أظهر أن السوق لا يعاقب التكنولوجيا كلها، بل يعاقب من ينفق دون إثبات سريع للعائد.

نقطة مضيئة تجاهلتها السوق في ألفابت

الغريب أن ألفابت أعلنت أيضا أرقاما كان يمكن أن تصنع يوما إيجابيا في ظرف مختلف. إيرادات جوجل كلاود قفزت بأكثر من الضعف، بزيادة 103% إلى 30.71 مليار دولار، وهو نمو استثنائي لوحدة كانت قبل سنوات موضع شك. كما قالت الشركة إن حجم استعلامات البحث سجل أكبر نمو في خمس سنوات، في إشارة إلى أن منتجات الذكاء الاصطناعي لم تقتل البحث التقليدي حتى الآن، بل ربما توسع استخدامه.

لكن السوق تجاهل النقطة المضيئة تماما. السبب أن نمو كلاود، مهما كان قويا، لا يجيب وحده عن سؤال التدفق النقدي. إذا كانت كل زيادة في إيرادات السحابة والذكاء الاصطناعي تتطلب زيادة أكبر ومقدمة في الإنفاق على الخوادم ومراكز البيانات، فالمستثمر سيخصم قيمة هذا النمو. هذا هو التحول النفسي الأهم في وول ستريت خلال أكتوبر: لم تعد عبارة استثمار في الذكاء الاصطناعي كافية لرفع السهم؛ أصبحت الإدارة مطالبة بخريطة طريق واضحة للعائد، وتوقيت محدد لاسترداد المليارات المنفقة.

قطاع الرعاية الصحية قدم توازنا جزئيا للمؤشرات. سهم إيلي ليلي قفز 7.3% بعد رفع توقعاتها بدعم مبيعات أدوية إنقاص الوزن، وميرك ارتفعت 3.3%. هذا التباين يؤكد أن جلسة الخميس لم تكن ذعرا عاما من الاقتصاد الأمريكي، بل إعادة تسعير مركزة لأسهم النمو والذكاء الاصطناعي. فالاقتصاد نفسه أظهر قوة؛ نمو الناتج المحلي في الربع الثالث بلغ 3.4%، لكن تضخم نفقات الاستهلاك الشخصي في سبتمبر تسارع إلى 3.6% على أساس سنوي، و3.1% للتضخم الأساسي، ما يبقي الفيدرالي حذرا ويقلل فرص خفض قريب للفائدة، بل رفعت الأسواق احتمالات رفع في ديسمبر إلى نحو 84% وفق التغطية المتداولة.

تحليل الفلوس

ما حدث لألفابت هو لحظة حساب بين الإنفاق والنقد، وليس حكما نهائيا على مستقبل الذكاء الاصطناعي. التكنولوجيا نفسها لن تختفي، والطلب على الحوسبة حقيقي، لكن نموذج تمويل السباق بالديون والتدفقات الحالية أصبح أصعب عندما تبقى الفائدة قرب 4% ويتسارع التضخم من جديد. الشركات التي تملك ميزانيات ضخمة ستستمر، لكن تقييماتها لن تعود تلقائيا إلى القمم السابقة؛ كل مليار جديد من الإنفاق الرأسمالي سيحتاج من الآن إلى دليل مقابل من الإيرادات، وإلا سيخصمه السوق مقدما وبقسوة، كما فعل يوم الخميس.

بالنسبة للأسواق الناشئة ومنها مصر، الرسالة غير مباشرة لكنها مهمة. موجات بيع أسهم التكنولوجيا الأمريكية ترفع عادة شهية تجنب المخاطرة عالميا، وتضغط على تدفقات المحافظ إلى الأسواق الناشئة، وتدعم الدولار في المدى القصير إذا بحث المستثمرون عن السيولة والأمان. المستثمر المصري الذي يتابع الذهب والدولار والبورصة المحلية يجب أن يقرأ هبوط ناسداك في سياقه الصحيح: ليس انهيارا للاقتصاد العالمي، لكنه إنذار بأن عصر الأموال الرخيصة التي مولت تقييمات خيالية انتهى، وأن الأصول عالية المخاطر في كل مكان ستدفع ثمن أي تشدد نقدي أمريكي إضافي.

الاختبار التالي سيأتي سريعا، مساء الخميس نفسه، مع نتائج أمازون وإنتل بعد الإغلاق. إذا أظهرت أمازون نموا سحابيا قويا مع ضبط للإنفاق، قد تهدأ السوق وترى في هبوط ألفابت حالة خاصة مرتبطة بغرامة أوروبا وخسارة سبيس إكس وتدفق نقدي سالب. أما إذا تكررت لغة زيادة الإنفاق دون عائد واضح، فستتحول جلسة الخميس من تصحيح حاد في سهم واحد إلى بداية إعادة تسعير أوسع لقطاع الذكاء الاصطناعي بأكمله، وساعتها لن يكون رقم 500 مليار دولار سوى العنوان الأول.

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربهhttps://elfolos.com
أحمد عبد ربه — صحفي وإعلامي مصري، ومؤسس ورئيس تحرير موقع الفلوس (ELFOLOS). درس الإعلام والصحافة في جامعتي القاهرة وطنطا، ويعمل مديرًا لمنتدى الحوار من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. يكتب ويشرف على تغطية الاقتصاد المصري: أسعار الذهب والدولار، البنوك وشهادات الادخار، البورصة، والسياسات الاقتصادية، بهدف تبسيط المعلومة المالية للمواطن المصري.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img