أنهت البورصة المصرية أسبوعا صعبا كشف حجم الضغوط التي تتعرض لها الأموال الساخنة في أدوات الدين الحكومي، بعدما سجل المستثمرون الأجانب صافي خروج بلغ 85.52 مليار جنيه، ما يعادل نحو 1.52 مليار دولار، من السوق الثانوية لأذون الخزانة خلال الأسبوع الماضي، وفق التقرير الأسبوعي للبورصة المصرية الذي نقلته بوابة مصراوي. الخروج لم يكن حدثا معزولا، بل جاء في ذروة موجة أوسع دفعت الجنيه إلى تجاوز مستوى 56 جنيها للدولار لأول مرة، وأجبرت البنك المركزي اليوم الخميس 29 أكتوبر 2026 على رفع أسعار الفائدة بشكل مفاجئ بواقع 100 نقطة أساس.
الأموال الساخنة تغادر أدوات الدين بوتيرة متسارعة
أرقام التقرير الأسبوعي للبورصة، كما نقلتها مصراوي، ترسم صورة واضحة لاتجاه الأجانب في سوق الدين. صافي الخروج الأجنبي من السوق الثانوية لأذون الخزانة بلغ 85.52 مليار جنيه في أسبوع واحد، وهو رقم كبير مقارنة بحركة الأسابيع السابقة. في المقابل، سجل المستثمرون العرب صافي دخول في الأداة نفسها بقيمة 11.96 مليار جنيه، تعادل نحو 213.2 مليون دولار، ما خفف جزئيا من حدة الخروج الإجمالي، لكنه لم يعوضه بأي حال.
الصورة الأوسع أخطر من رقم أسبوع واحد. إجمالي خروج الأموال الساخنة من الدين الحكومي المصري وصل إلى نحو 3.5 مليار دولار منذ يوم الاثنين من الأسبوع الماضي، الموافق 19 أكتوبر، بعد أسبوعين متتاليين من التدفقات الداخلة بلغت 328.5 مليون دولار ثم 1.2 مليار دولار. انقلاب الاتجاه بهذه السرعة هو ما يميز طبيعة هذه الاستثمارات: تدخل بسرعة عندما ترتفع العوائد وتهدأ المخاوف، وتخرج بسرعة أكبر عندما يتغير مزاج الأسواق العالمية أو يتراجع الجنيه.
يوم الأربعاء وحده شهد صافي بيع من العرب والأجانب معا في السوق الثانوية للدين بقيمة 391 مليون دولار، في إشارة إلى أن الضغط لم يتوزع على أيام الأسبوع بالتساوي، بل تركز في جلسات بعينها مع تصاعد القلق حول مسار العملة. وفي السوق الأولية، دفع المتعاملون الرئيسيون العوائد المطلوبة على أذون الخزانة صوب مستوى 30%، وهو مستوى يعكس تسعير مخاطر أعلى، ويفرض على وزارة المالية تكلفة اقتراض أثقل مع كل عطاء جديد.
مفارقة الأموال الساخنة: بيع في الدين وشراء في الأسهم
المفارقة الأبرز في أسبوع الخروج من الدين هي أن الأجانب أنفسهم كانوا مشترين صافين في سوق الأسهم. صافي شراء الأجانب من أسهم البورصة المصرية بلغ 28.3 مليار جنيه خلال الأسبوع، بينما سجل العرب صافي شراء في الأسهم بقيمة 2 مليار جنيه. الفارق بين الرقمين مهم: المستثمر الأجنبي لم يغادر مصر بالكامل، بل أعاد توزيع محفظته داخل السوق المصرية نفسها.
التفسير الأقرب أن جزءا من رؤوس الأموال يرى في الأسهم المصرية فرصة شراء بعد تراجع الأسعار، ويرى في الوقت نفسه أن أذون الخزانة قصيرة الأجل أصبحت أكثر حساسية لمخاطر سعر الصرف. الأسهم، خاصة أسهم الشركات المصدرة والمقومة إيراداتها جزئيا بالعملة الأجنبية، قد توفر تحوطا طبيعيا ضد تراجع الجنيه، بينما تظل عوائد الأذون ثابتة بالجنيه مهما تحرك الدولار. لذلك يمكن أن يتعايش الخروج من الدين مع الشراء في الأسهم دون تناقض.
لكن هذا التحول لا يلغي المشكلة الأساسية. احتياجات التمويل الحكومي تعتمد بدرجة كبيرة على سوق الدين المحلي، وخروج 1.52 مليار دولار في أسبوع يرفع الضغط على العوائد وعلى الاحتياطي وعلى سعر الصرف في آن واحد. شراء الأسهم يدعم البورصة ويحسن السيولة، لكنه لا يمول عجز الموازنة ولا يسد فجوة أذون الخزانة.
البورصة تخسر أسبوعيا رغم ارتداد الخميس
على مستوى المؤشرات، أغلق المؤشر الرئيسي EGX30 الأسبوع منخفضا بنسبة 2.85% عند مستوى 49,596 نقطة، وتراجع مؤشر EGX70 بنسبة 2.35% إلى 16,779 نقطة، وانخفض مؤشر EGX100 بنسبة 2.07% إلى 22,639 نقطة، وفق بيانات التقرير الأسبوعي. الخسائر شملت المؤشرات الثلاثة، ما يعني أن الضغط لم يقتصر على الأسهم القيادية وحدها.
جلسة الخميس وحدها حملت إشارة مختلفة. المؤشر الرئيسي ارتفع بنسبة 0.64%، وربح رأس المال السوقي نحو 33 مليار جنيه في الجلسة، في ارتداد جزئي داخل أسبوع خاسر. الارتداد تزامن مع قرار البنك المركزي رفع الفائدة، وقرأه بعض المتعاملين كمحاولة لاستعادة الثقة في الجنيه وأدوات الدين. لكن ارتداد جلسة واحدة لا يغير حصيلة الأسبوع، ولا يكفي وحده للحكم على اتجاه السوق في الأسبوع المقبل.
الخلفية التاريخية تضيف بعدا آخر للمقارنة. حيازات الأجانب في أذون الخزانة كانت قد سجلت مستوى قياسيا بلغ نحو 55.1 مليار دولار بنهاية يونيو 2026، وفق بيانات البنك المركزي. الخروج الحالي يحدث إذن من قاعدة قياسية، وليس من مستويات منخفضة. هذا يعني أن السوق استوعبت تدفقات ضخمة خلال الفترة الماضية، وأن أي موجة خروج ممتدة ستحتاج وقتا وجهدا لتعويضها، حتى مع رفع الفائدة.
الجنيه فوق 56 جنيها ورد المركزي المفاجئ
تجاوز سعر صرف الجنيه مستوى 56 جنيها للدولار لأول مرة خلال هذا الأسبوع كان الشرارة التي نقلت الضغط من سوق الدين إلى واجهة المشهد الاقتصادي كله. رد البنك المركزي جاء اليوم الخميس 29 أكتوبر برفع أسعار الفائدة 100 نقطة أساس، لتصل إلى 20% للإيداع و21% للإقراض، في أول رفع منذ مارس 2024. القرار مفاجئ في توقيته وحجمه، ورسالته موجهة بالأساس إلى حاملي الأموال الساخنة: عوائد الجنيه سترتفع، وتكلفة الرهان ضد العملة ستزيد.
يبقى السؤال العملي: هل يكفي رفع واحد بمقدار نقطة مئوية لوقف موجة خرجت فيها 3.5 مليار دولار في أقل من أسبوعين؟ الإجابة ستتحدد في عطاءات أذون الخزانة المقبلة، وفي حركة السوق الثانوية، وفي قدرة الجنيه على التماسك دون استنزاف الاحتياطي. الأسواق لا تقتنع بالقرارات وحدها، بل باستمراريتها وبما يرافقها من إشارات حول برنامج الإصلاح ومراجعة صندوق النقد الدولي.
تحليل الفلوس
الرسالة الأهم من أرقام هذا الأسبوع أن خروج الأجانب من أذون الخزانة وشراءهم الأسهم في الوقت نفسه ليسا إشارتين متضاربتين، بل إشارة واحدة مركبة: رأس المال الأجنبي يعيد تسعير مخاطره في مصر، لا ينسحب منها نهائيا. بيع الدين قصير الأجل يعكس قلقا من سعر الصرف والتضخم، بينما شراء الأسهم بعد تراجعها يعكس رهانا على أصول رخيصة نسبيا وقادرة على تمرير التضخم إلى أسعار منتجاتها. الخطر الحقيقي ليس في أسبوع خروج واحد، بل في تحوله إلى اتجاه ممتد يرفع تكلفة تمويل الدولة ويضغط على العملة في حلقة متصلة.
رفع الفائدة 100 نقطة أساس خطوة دفاعية مفهومة، وقد يهدئ التدفقات مؤقتا إذا اقترن باستقرار الجنيه وتقدم ملموس في مراجعة صندوق النقد الدولي. لكن العوائد التي يطلبها المتعاملون قرب 30% في السوق الأولية تعني أن الموازنة العامة ستدفع ثمنا باهظا لكل جنيه تقترضه، وأن مساحة الإنفاق على الخدمات والاستثمار ستضيق أكثر. المعركة الحقيقية ليست على نسبة الفائدة، بل على استعادة تدفقات مستقرة أطول أجلا، من استثمار أجنبي مباشر وصادرات وسياحة وتحويلات، بدلا من الاعتماد على أموال تخرج عند أول اختبار.
ما يجب مراقبته الآن يبدأ من عطاء أذون الخزانة يوم الأحد المقبل: حجم التغطية، والعائد المقبول، ونسبة مشاركة الأجانب فيه ستكشف ما إذا كان قرار المركزي قد غير الحسابات فعلا. بعد ذلك تأتي حركة السوق الثانوية خلال الأسبوع، وسعر الجنيه بين البنوك، وأي إشارة من صندوق النقد حول المراجعة المقبلة. إذا عادت التدفقات ولو جزئيا، سيكون الخروج الحالي موجة تصحيح من قاعدة قياسية بلغت 55.1 مليار دولار. أما إذا استمر، فسيحتاج صانع السياسة إلى أدوات أعمق من رفع الفائدة وحده.







