إكسون وشيفرون وبي بي تتفوق في الربع الثالث: التكرير يطيح بالإنتاج كمصدر أول للأرباح لأول مرة منذ 6 سنوات

Published:

لم تكن أسعار النفط وحدها هي التي صنعت أرباح شركات الطاقة الكبرى في الربع الثالث من عام 2026، بل كانت المصافي. ففي نتائج أعلنتها الشركات يوم الجمعة 30 أكتوبر 2026 في هيوستن، ونقلتها وكالة رويترز، تفوق نشاط التكرير على نشاط الاستخراج والإنتاج كمصدر أول للأرباح داخل إكسون موبيل لأول مرة منذ ست سنوات على الأقل، بينما سجلت شيفرون أعلى أرباح لمصافيها في ست سنوات، وحققت بي بي نتيجة فاقت توقعات السوق بفارق كبير. الصورة التي ترسمها الأرقام واضحة: حين تعطلت إمدادات الوقود المكرر في العالم، اتسعت هوامش التكرير إلى مستويات قياسية، وتحولت المصافي من عبء تشغيلي في سنوات سابقة إلى ماكينة النقد الأولى.

أسعار النفط المتقلبة وهوامش التكرير القياسية في الربع الثالث

قالت رويترز إن إكسون موبيل، أكبر شركة نفط أمريكية، سجلت صافي ربح بلغ 15.4 مليار دولار في الربع الثالث، بما يعادل 3.72 دولار للسهم، بينما بلغت الأرباح المعدلة 4.23 دولار للسهم، متجاوزة توقعات المحللين التي جمعتها مجموعة بورصة لندن LSEG عند 4.08 دولار للسهم. الرقم الأهم لم يكن في الإجمالي، بل في تركيبته الداخلية. فقد حقق نشاط التكرير، الذي تسميه الشركة منتجات الطاقة، أرباحا قدرها 7.17 مليار دولار، متجاوزا أرباح الاستخراج والإنتاج البالغة 7.09 مليار دولار. وعلى الأساس المعدل، كان الفارق أوضح: 9.05 مليار دولار للتكرير مقابل 7.31 مليار دولار للمنبع.

أوضحت الشركة، بحسب رويترز، أن هوامش التكرير القوية أضافت نحو 4.5 مليار دولار إلى الأرباح خلال الربع، في حين خفضت أسعار النفط الأضعف الأرباح بنحو 1.3 مليار دولار. وتراجعت أرباح المنبع بنسبة 20% إلى نحو 7.3 مليار دولار، وهو تراجع يعكس حساسية أعمال الاستخراج المباشرة لحركة الخام. في المقابل، استفاد التكرير من ندرة المنتجات الجاهزة، وعلى رأسها الديزل والبنزين، أكثر مما استفاد من سعر البرميل نفسه. هذا الانقلاب في مصادر الربح يفسر لماذا احتفلت الأسواق بالنتائج رغم أن الخام لم يقدم دعما كبيرا خلال الربع.

وذكرت رويترز أن فارق الكراك الأمريكي 3-2-1، وهو المقياس الأشهر لربحية التكرير لأنه يقارن تكلفة ثلاثة براميل من الخام بقيمة برميلين من البنزين وبرميل من الديزل، بلغ ذروة قياسية عند 72.64 دولار في 22 سبتمبر الماضي، مرتفعا بنسبة 28% عن الربع الثاني. في الوقت نفسه، تأرجح خام برنت خلال الربع الثالث بين 68 دولارا و132 دولارا للبرميل، بحسب تصريحات المديرة المالية لشيفرون إيمير بونر لرويترز، وهو مدى سعري واسع يعكس حجم الاضطراب الجيوسياسي الذي عاشته السوق. فالخام تحرك بعنف، لكن المنتجات المكررة تحركت بعنف أكبر، ومن هذا الفارق ولدت الأرباح الاستثنائية.

ولم تكتف إكسون بتوزيع الفضل على السوق. فقد خفضت الشركة ديونها بمقدار 8 مليارات دولار خلال الربع وحده، وتواصل الاستثمار في مجمع بايتاون التابع لها بهدف رفع إنتاج المقطرات بنحو 100 ألف برميل يوميا. الرسالة هنا مزدوجة: المصافي تولد النقد اليوم، والشركة تعيد استثمار جزء منه لزيادة طاقة إنتاج الوقود الذي حقق أعلى الهوامش، بدلا من الاكتفاء بجني أرباح ظرفية قد تختفي إذا عادت الإمدادات إلى طبيعتها.

أسعار النفط ونتائج شيفرون وبي بي تؤكدان اتساع مكاسب المصافي

جاءت شيفرون، ثاني أكبر شركة نفط أمريكية، لتؤكد الاتجاه نفسه. فقد نقلت رويترز أن الشركة سجلت صافي ربح قدره 9.9 مليار دولار، بما يعادل 5.06 دولار للسهم، بينما بلغ الربح المعدل 5.28 دولار للسهم مقابل توقعات عند 4.89 دولار. وحقق نشاط المصب أرباحا قدرها 4.93 مليار دولار، وهي الأعلى للشركة منذ ست سنوات. وكررت مصافي شيفرون في الولايات المتحدة رقما قياسيا بلغ 1.09 مليون برميل يوميا خلال الربع، ما يعني أنها لم تستفد من الهوامش المرتفعة فقط، بل رفعت أيضا حجم التشغيل إلى مستوى غير مسبوق لالتقاط أكبر قدر من تلك الهوامش. وخفضت الشركة صافي ديونها بنحو 14 مليار دولار مقارنة بنهاية عام 2025، في إشارة إلى قوة التدفقات النقدية التي وفرها الربع.

أما بي بي البريطانية، فقد قدمت المفاجأة الأكبر نسبة إلى التوقعات. وذكرت رويترز أن أرباح تكلفة الاستبدال الأساسية للشركة بلغت 8.5 مليار دولار، مقابل 2.2 مليار دولار فقط في الفترة نفسها من العام الماضي، ومتجاوزة إجماع توقعات LSEG البالغ 6.2 مليار دولار بفارق واسع. وأعلنت الشركة أنها ستسدد مبكرا فاتورة تسرب ديب ووتر هورايزون البالغة 5 مليارات دولار، وهي خطوة تعكس رغبتها في إغلاق واحد من أثقل الملفات المالية في تاريخها مستفيدة من وفرة النقد الحالية. بالنسبة لشركة عانت سنوات من ضعف التقييم وضغوط المستثمرين، جاء ربع التكرير في توقيت مناسب تماما.

وعزت رويترز هذا الأداء الاستثنائي إلى عاملين متزامنين: الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وضربات أوكرانيا لمصافي روسيا، وهما عاملان عطلا إمدادات الوقود في أسواق رئيسية ورفعا هوامش التكرير عالميا. فحين تخرج طاقات تكرير من الخدمة أو تتعطل صادرات منتجات من دولة كبرى، لا يرتفع سعر الديزل والبنزين بنفس نسبة الخام، بل يقفز بوتيرة أسرع لأن المعروض الجاهز للاستهلاك أقل مرونة. ولهذا السبب أيضا جاءت نتائج شل وتوتال إنرجيز، المعلنة يوم الخميس، فوق توقعات السوق، بحسب رويترز، فالظاهرة لم تكن خاصة بشركة أو بسوق واحدة. وتفاعلت البورصة سريعا، إذ ارتفع سهم إكسون بنسبة 2.32% وسهم شيفرون بنسبة 1.61% صباح الجمعة بعد الفتح، كما نقلت رويترز.

ما يجمع الشركات الأربع، إكسون وشيفرون وبي بي ثم شل وتوتال، هو أن التكرير لم يعد النشاط الذي ينتظر فائض الخام الرخيص، بل أصبح النشاط الذي يحمي الأرباح حين يضعف الخام. لسنوات، نظر المستثمرون إلى المصافي باعتبارها حلقة هامشية بين البئر ومحطة الوقود. أما في الربع الثالث من 2026، فقد كانت الحلقة الأغلى في السلسلة كلها، لأن العالم لم يكن يعاني نقصا في النفط الخام بقدر ما كان يعاني نقصا في الوقود الجاهز في المكان والوقت المناسبين. ويمكن متابعة خلفية حركة الخام في تغطية الفلوس السابقة حول صعود النفط ومخاطر هرمز والحوثيين لفهم كيف تتشابك المخاطر الجيوسياسية مع الأسعار.

تحليل الفلوس

بالنسبة لمصر، تبدو أرباح التكرير القياسية خبرا بعيدا يحدث في هيوستن ولندن، لكن أثره يصل مباشرة إلى فاتورة الاستيراد. مصر تستورد كميات كبيرة من المنتجات البترولية الجاهزة، وعلى رأسها الديزل والبوتاجاز وبعض مكونات البنزين، وحين ترتفع هوامش التكرير عالميا يدفع المستورد ثمن البرميل مرتين: مرة في سعر الخام، ومرة ثانية في علاوة التكرير والنقل والتأمين التي تتضخم وقت الاضطرابات. هذا يعني أن تراجع خام برنت وحده لا يخفف العبء عن الموازنة إذا ظلت أسعار المنتجات المكررة مرتفعة، وهو بالضبط ما أظهرته نتائج الشركات: الخام أضعف، والمنتجات أغلى. ولجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية في مصر تنظر عمليا إلى هذا المزيج كله، وليس إلى برنت فقط، إضافة إلى سعر صرف الجنيه مقابل الدولار.

ومن هنا، لا تعني أرباح إكسون وشيفرون وبي بي القياسية أي انفراجة قريبة في أسعار البنزين والسولار محليا، بل العكس أقرب إلى المنطق الاقتصادي. فالهوامش المرتفعة تعني أن تكلفة الحصول على الوقود الجاهز من السوق العالمية ما زالت عالية، وأن أي قرار محلي بالتثبيت أو التخفيض سيوسع فجوة الدعم التي تتحملها الخزانة، في وقت تسعى فيه الحكومة أصلا إلى تقليص هذا الدعم تدريجيا. السيناريو الأكثر واقعية هو استمرار الضغط التصاعدي على فاتورة الدعم ما دامت المصافي العالمية تعمل في بيئة نقص، وما دام الجنيه يواجه ضغوطه الخاصة. الانفراجة الحقيقية لن تأتي من نتائج ربع واحد، بل من تراجع هوامش التكرير نفسها مع عودة الطاقات المعطلة، أو من توسع ملموس في طاقة التكرير المحلية يقلل اعتماد مصر على استيراد المنتج الجاهز بالسعر العالمي الكامل.

ما يجب مراقبته في الأسابيع المقبلة هو ثلاثة مؤشرات: فارق الكراك الأمريكي بعد ذروة سبتمبر، ومدى عودة المصافي الروسية والأمريكية إلى طاقتها الكاملة، وحركة أسعار المنتجات في البحر المتوسط التي تسعر على أساسها واردات مصر فعليا. إذا بدأت الهوامش في الانحسار، ستتنفس فاتورة الاستيراد وسيخف الضغط عن قرارات التسعير المقبلة. أما إذا استمرت الضربات والتعطلات، فستظل شركات التكرير الكبرى تجني الأرباح، وستظل الدول المستوردة للمنتجات، ومصر في مقدمتها، تدفع الثمن.

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربهhttps://elfolos.com
أحمد عبد ربه — صحفي وإعلامي مصري، ومؤسس ورئيس تحرير موقع الفلوس (ELFOLOS). درس الإعلام والصحافة في جامعتي القاهرة وطنطا، ويعمل مديرًا لمنتدى الحوار من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. يكتب ويشرف على تغطية الاقتصاد المصري: أسعار الذهب والدولار، البنوك وشهادات الادخار، البورصة، والسياسات الاقتصادية، بهدف تبسيط المعلومة المالية للمواطن المصري.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img