ضربت موجة بيع عنيفة وول ستريت اليوم الجمعة 30 أكتوبر 2026، في آخر جلسات شهر أكتوبر، بعدما أعادت نتائج شركات التكنولوجيا الكبرى إشعال المخاوف من أن الإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي قد لا يحقق العوائد التي وعدت بها الشركات مستثمريها. وهبط مؤشر ناسداك المركب بنسبة 3.1% خلال تعاملات الجمعة، بينما تراجع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 1.9%، ليتجه المؤشران معًا نحو تسجيل أسوأ يوم لهما منذ يونيو الماضي، فيما خسر مؤشر داو جونز الصناعي نحو 500 نقطة، أي ما يعادل 1%، وفق ما نقلته شبكة «سي إن إن» في تحديثها الصادر عصر الجمعة بتوقيت واشنطن.
إنتل تنهار 30% في أسوأ هبوط بتاريخها
قادت شركة إنتل موجة الهبوط بانهيار بلغ نحو 30% في سعر سهمها خلال جلسة الجمعة، بعدما أصدرت الشركة توجيهات ضعيفة للربع الرابع من العام، مشيرة إلى ضعف سوق الحواسيب الشخصية واختناقات في التصنيع. وقالت وكالة رويترز إن سهم إنتل يتجه نحو تسجيل أكبر خسارة يومية في تاريخه، وإن الشركة وحدها قد تفقد أكثر من 130 مليار دولار من قيمتها السوقية، بينما قدّرت رويترز أن إنتل وأمازون معًا قد تخسران ما يقرب من 200 مليار دولار من القيمة السوقية إذا استمرت الخسائر حتى الإغلاق.
ولم يتوقف النزيف عند إنتل؛ فقد امتدت عدوى البيع إلى قطاع الرقائق بأكمله، إذ هبط مؤشر شركات أشباه الموصلات الأكثر متابعة في وول ستريت بنسبة 8.2%، وتراجع سهم إنفيديا، عملاق رقائق الذكاء الاصطناعي، بنسبة 4.8%، بينما خسرت إيه إم دي أكثر من 9% في التعاملات المبكرة، وتراجعت أسهم ديل وإتش بي بنحو 9% لكل منهما، في مشهد يعكس إعادة تسعير شاملة لأسهم القطاع الذي قاد صعود الأسواق طوال العامين الماضيين.
تريليون دولار تتبخر من ناسداك 100 في جلسة واحدة
وبحسب تقديرات وكالة رويترز، فإن مؤشر ناسداك 100 في طريقه لفقدان أكثر من تريليون دولار من قيمته السوقية في جلسة الجمعة وحدها إذا استمرت الخسائر عند مستوياتها الحالية، بينما تقترب خسائر المؤشر خلال شهر أكتوبر كله من تريليوني دولار، ليتحول أكتوبر إلى واحد من أقسى الشهور على أسهم التكنولوجيا الأمريكية منذ سنوات. وجاءت جلسة الجمعة امتدادًا ليوم الخميس الأسود، حين هوى سهم ألفابت، الشركة الأم لجوجل، بأكثر من 12% في أكبر هبوط يومي منذ إدراجها عام 2004، لتمحو نحو نصف تريليون دولار من القيمة السوقية لرابع أكبر شركة في أمريكا، قبل أن يتراجع سهمها بنسبة إضافية بلغت 1.5% يوم الجمعة.
كما هبط سهم أمازون بنحو 2% خلال جلسة الجمعة، بعدما كشفت نتائجها عن تدفق نقدي حر سالب بقيمة 42.4 مليار دولار خلال الاثني عشر شهرًا الماضية، مع تصاعد إنفاقها الرأسمالي على مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. وكانت الشركة قد أعلنت الخميس إيرادات بلغت 201.9 مليار دولار بزيادة 12% على أساس سنوي، وربحية سهم عند 1.89 دولار، دون توقعات المحللين البالغة نحو 1.97 دولار، وهو ما كانت «الفلوس» قد غطّته في تقاريرها الصباحية قبل أن تتعمق الخسائر مع افتتاح الجلسة الرسمية.
لماذا يخاف المستثمرون من «وليمة» إنفاق الذكاء الاصطناعي؟
جوهر الأزمة التي فجّرت موجة البيع هو سؤال واحد يتردد الآن بقوة في وول ستريت: متى ستتحول مئات المليارات التي تنفقها ألفابت وميكروسوفت وميتا وأمازون على بناء مراكز البيانات إلى أرباح حقيقية؟ فجوجل سجلت ربعين متتاليين من التدفق النقدي الحر السالب لأول مرة في تاريخها، وميتا أعلنت الأسبوع الماضي أول تدفق نقدي حر سالب منذ عام 2012، بينما تتزايد الشكوك في أن روبوتات المحادثة الذكية تهدد نشاط إعلانات البحث الذي يمثل قلب نموذج أعمال جوجل. ودخلت أسهم ألفابت وميتا رسميًا منطقة السوق الهابطة، بتراجع يتجاوز 20% عن قممهما المسجلة في مايو وأغسطس 2025.
ونقلت «سي إن إن» عن نيل ويلسون، الاستراتيجي في ساكسو ماركتس، قوله إن المستثمرين «لا يريدون الإنفاق الرأسمالي وحده، بل يريدون رؤية العوائد الآن»، محذرًا من أن سوق الذكاء الاصطناعي بدأت تشهد «تقييمًا أكثر نقدية للعائد على هذا الإنفاق الوحشي». في المقابل، قال بول ستانلي من شركة أركا إن «تجارة الذكاء الاصطناعي تراجعت لكنها لم تمت»، معتبرًا أن هذه ليست أول موجة تصحيح ولن تكون الأخيرة، وأن الانتخابات النصفية الأمريكية المقبلة ستكون الاختبار الكبير التالي للأسواق.
وفيما فرّ المستثمرون من أسهم التكنولوجيا، اتجهت السيولة نحو الملاذات الدفاعية التقليدية: أسهم السلع الاستهلاكية الأساسية والسندات الحكومية، وهو نمط كلاسيكي يعكس ارتفاع منسوب تجنب المخاطرة. كما واصل الذهب عالميًا تراجعه الحاد في الاتجاه المعاكس للملاذات، إذ كسرت الأوقية مستوى 3900 دولار خلال تعاملات الجمعة متأثرة بارتفاع رهانات رفع الفائدة الأمريكية في ديسمبر، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار الذهب في مصر التي أغلق فيها عيار 21 الأسبوع عند نحو 6250 جنيهًا.
تحليل الفلوس
ما يحدث في وول ستريت اليوم ليس مجرد جلسة حمراء عابرة، بل لحظة مراجعة كبرى لفرضية الذكاء الاصطناعي التي بنت عليها الأسواق العالمية تقييماتها خلال عامين. حين تفقد إنتل 30% في جلسة واحدة ويتبخر أكثر من تريليون دولار من ناسداك 100 في يوم واحد، فالرسالة هي أن المستثمرين لم يعودوا مستعدين لتمويل وعود مفتوحة بلا أفق زمني واضح للعائد، خاصة مع بنك احتياطي فيدرالي يلوّح بمزيد من التشديد واحتمالات رفع فائدة في ديسمبر تقترب من 75%.
بالنسبة للمستثمر المصري، التأثير المباشر محدود لأن ارتباط البورصة المصرية بوول ستريت يمر عبر قنوات غير مباشرة: شهية المخاطرة العالمية تجاه الأسواق الناشئة، وحركة الأموال الساخنة التي عادت جزئيًا لشراء أدوات الدين المصرية الخميس بنحو 367 مليون دولار بعد تخارج 3.5 مليار دولار في أسبوعين. فإذا تعمقت موجة تجنب المخاطرة عالميًا، قد يتجدد الضغط على تدفقات المحافظ إلى مصر في أسبوع حاسم يبدأ بأول جلسة عمل بعد رفع الفائدة 1%، وتجتمع فيه أوبك+ الأحد، وتترقب فيه الأسواق بيانات الوظائف الأمريكية.
ما يجب مراقبته في الأيام المقبلة: إغلاق الجمعة الرسمي في نيويورك وما إذا كانت الخسائر ستتقلص أم تتسع قبل جرس الإغلاق، ورد فعل الأسواق الآسيوية والأوروبية صباح الاثنين، وأي إشارات من كبرى شركات التكنولوجيا حول خفض أو إعادة جدولة خطط الإنفاق الرأسمالي. فإذا بدأت الشركات نفسها في تهدئة وتيرة الإنفاق، قد تجد الأسهم أرضية للتماسك؛ أما إذا أصرّت على السباق، فالمستثمرون قد يطالبون بخصم أكبر على التقييمات قبل أن يعودوا للشراء.







