عودة يوسف بطرس غالي تثير الجدل.. هل يحاول تحميل مبارك وحده فاتورة الغلاء و علاء مبارك يرد .

Published:

📅 السبت 18 يوليو 2026

🏷️ الاقتصاد المصري | دعم الوقود | التضخم | الدولار

أعاد يوسف بطرس غالي، وزير المالية الأسبق وأحد أبرز رجال المجموعة الاقتصادية في السنوات الأخيرة من حكم الرئيس حسني مبارك، فتح ملف بالغ الحساسية، بعدما قال إن غلاء الأسعار حاليًا يعود جزئيًا إلى رفض مبارك مقترحًا سابقًا تقدم به لرفع دعم الوقود تدريجيًا.

وبحسب التصريحات المتداولة، اعتبر غالي أن الرئيس الأسبق رفض زيادة أسعار البنزين والسولار بصورة محدودة ومنتظمة، وهو ما أدى، من وجهة نظره، إلى تأجيل المشكلة وتراكم تكلفة الدعم، قبل أن تضطر الحكومات اللاحقة إلى تنفيذ زيادات أكبر وأكثر إيلامًا للمواطنين.

لكن حديث وزير المالية الأسبق أثار غضب علاء مبارك، نجل الرئيس الراحل، الذي تساءل عن سبب تحميل والده مسؤولية ارتفاع الأسعار بعد مرور أكثر من 15 عامًا على خروجه من الحكم، وذكّر بأن الدولار كان يدور قرب 6 جنيهات في نهاية عهد مبارك، مقارنة بمستويات أعلى بكثير في الوقت الحالي. 

السجال لم يبقَ محصورًا في تقييم دعم الوقود، بل امتد إلى ظروف عودة يوسف بطرس غالي إلى مصر، وتوقيت ظهوره الإعلامي، والدور الذي يحاول تقديم نفسه من خلاله الآن: هل يعود باعتباره خبيرًا اقتصاديًا يريد مراجعة سياسات الماضي، أم باعتباره مسؤولًا سابقًا يسعى إلى إبعاد المسؤولية عن نفسه وإلقائها على رئيس رحل ونظام انتهى؟

اتهامات متداولة بوجود «صفقة».. ولا دليل معلن

تداول عدد من المعلقين على مواقع التواصل الاجتماعي اتهامات بأن عودة يوسف بطرس غالي إلى مصر وظهوره الإعلامي المكثف ربما جاءا في إطار تفاهم أو «صفقة» تسمح له بالعودة إلى المشهد مقابل تقديم رواية تُحمّل نظام مبارك مسؤولية جانب من الأزمة الاقتصادية الحالية.

لكن لا توجد، حتى الآن، وثائق منشورة أو تصريحات رسمية أو أحكام قضائية تثبت وجود صفقة سياسية من هذا النوع. ولذلك تظل هذه المزاعم اتهامات متداولة بلا دليل علني، ولا يجوز تقديمها باعتبارها حقيقة ثابتة.

المعلومة المؤكدة هي أن غالي أعلن في 2023، بعد حصوله على حكم بالبراءة في قضية، اعتزامه العودة إلى مصر والعيش كمواطن عادي، مع تأكيده أنه لا يرغب في العودة إلى العمل السياسي، وإن كان مستعدًا لتقديم خبرته في الملفات المالية إذا طُلب منه ذلك. 

ومع ذلك، فإن غياب الدليل على وجود صفقة لا يمنع طرح أسئلة مشروعة حول توقيت عودته، وطبيعة ظهوره، ولماذا اختار الآن تحديدًا أن يربط غلاء 2026 بقرار لم يُنفذ قبل أكثر من 15 عامًا.

يوسف بطرس غالي لم يكن موظفًا صغيرًا في عهد مبارك

أهم نقطة في تقييم تصريحات غالي أنه لم يكن خبيرًا اقتصاديًا مستقلًا قدم نصيحة ثم انسحب، بل كان وزيرًا للمالية لسنوات، وعضوًا أساسيًا في الفريق الذي أدار الاقتصاد المصري في المرحلة الأخيرة من حكم مبارك.

لذلك يبدو حديثه، في صورته الحالية، وكأنه يحاول تقديم نفسه باعتباره صاحب الحل الذي رفضه الرئيس، متجاهلًا مسؤوليته السياسية والمؤسسية عن السياسات المالية التي نُفذت في تلك الفترة.

إذا كان غالي مقتنعًا بأن دعم الوقود يمثل خطرًا بالغًا على الموازنة والاقتصاد، فهناك أسئلة منطقية يجب أن يجيب عنها:

هل قدم مقترحًا رسميًا مكتوبًا؟ هل أعلن اعتراضه داخل الحكومة؟ هل هدد بالاستقالة؟ هل شرح للرأي العام وقتها أن استمرار الدعم سيؤدي إلى كارثة لاحقة؟ وما الخطة التي وضعها لحماية محدودي الدخل من آثار رفع الوقود؟

حتى الآن، تبدو الرواية المقدمة أحادية الجانب: وزير اقترح، ورئيس رفض، ثم دفع الشعب الثمن. لكن إدارة اقتصاد دولة لا تختزل عادة في حوار بين شخصين، ولا يمكن فصل الوزير عن مسؤولية الحكومة التي ظل عضوًا بارزًا فيها.

هل يحاول غالي صناعة «شماعة مبارك»؟

القول إن رفض رفع الدعم في عهد مبارك ساهم في تراكم العبء المالي يحمل جزءًا من المنطق الاقتصادي، لأن تأجيل تعديل أسعار الطاقة قد يزيد تكلفة الدعم ويجعل الإصلاح اللاحق أكثر صعوبة.

لكن تحويل هذا القرار إلى تفسير مباشر لغلاء الأسعار الحالي يبدو انتقائيًا، لأنه يتجاهل ما جرى بعد 2011، وخاصة الانخفاض الحاد في قيمة الجنيه، وارتفاع الدين الخارجي، وتزايد تكلفة خدمة الدين، ونقص العملة الأجنبية، وارتفاع تكلفة الاستيراد والطاقة والنقل والإنتاج.

بعبارة أكثر وضوحًا: حتى لو كان مبارك قد وافق على زيادة محدودة في أسعار الوقود قبل 2011، فهذا لا يعني أن الدولار كان سيظل عند 6 جنيهات، ولا أن التضخم الحالي كان سيختفي، ولا أن أزمات النقد الأجنبي والديون كانت ستتوقف.

من هنا جاءت اتهامات منتقديه بأنه يحاول استخدام مبارك «شماعة تاريخية» تتيح تفسير الغلاء الحالي بوصفه ميراثًا قديمًا، بدلًا من مناقشة أخطاء السياسات التي نُفذت خلال السنوات التالية.

رفع الدعم ليس وصفة سحرية

غالي يقدم رفع الدعم التدريجي بوصفه إصلاحًا كان سيخفف الصدمة لاحقًا. وهذه الفكرة صحيحة نظريًا إذا جرى التنفيذ في ظل نمو اقتصادي حقيقي، وزيادة في الدخول، وشبكة حماية اجتماعية قوية، وتحسن في النقل العام والخدمات.

لكن رفع أسعار الوقود في حد ذاته لا يضمن إصلاح الاقتصاد.

فعندما يرتفع البنزين أو السولار، ترتفع تكلفة نقل السلع، وتشغيل المصانع، وتحريك المعدات الزراعية، وتوزيع الغذاء، وخدمات النقل العام والخاص. وبالتالي ينتقل الأثر إلى أسعار الخضروات والخبز ومواد البناء والمنتجات الصناعية والخدمات.

وهنا تظهر المشكلة الأساسية في رواية غالي: هو يتحدث عن ضرورة رفع الدعم، لكنه لا يقدم في التصريحات المتداولة شرحًا كافيًا لكيفية حماية الفئات الفقيرة والمتوسطة، ولا يوضح كيف كان سيمنع ارتفاع تكاليف المعيشة بعد زيادة أسعار الطاقة.

دعم الوقود كان مكلفًا.. لكن من استفاد منه؟

لا يمكن إنكار أن دعم الوقود في صورته القديمة كان مكلفًا وغير عادل في جوانب عديدة، لأن أصحاب السيارات الأكبر والمصانع كثيفة الاستهلاك كانوا يحصلون فعليًا على استفادة أكبر من مواطن لا يمتلك سيارة.

لكن معالجة هذا الخلل لم تكن تتطلب فقط رفع الأسعار، بل إعادة توجيه الدعم إلى مستحقيه، وتوفير بدائل نقل مناسبة، ورفع كفاءة الإنتاج، وتقليل الاحتكار، وتحسين الأجور الحقيقية.

والمشكلة أن كثيرًا من برامج الإصلاح في مصر ركزت على رفع الأسعار بسرعة أكبر من قدرة المواطن على التكيف، بينما تأخر تحسين جودة الخدمات والدخول.

لذلك فإن الدفاع عن رفع الدعم دون الحديث عن الحماية الاجتماعية يجعل الإصلاح يبدو وكأنه نقل مباشر للعبء من الموازنة إلى جيب المواطن.

ماذا عن الدولار؟

رد علاء مبارك ركز على أن الدولار كان في حدود 6 جنيهات في نهاية عهد والده، بينما يدور حاليًا عند مستويات تتجاوز 50 جنيهًا.

هذه المقارنة لها تأثير سياسي وشعبي قوي، لكنها اقتصاديًا لا تكفي وحدها لتبرئة عهد مبارك أو إدانة الحاضر.

فثبات سعر الصرف قد يكون حقيقيًا ومدعومًا بالإنتاج والصادرات، وقد يكون أيضًا نتيجة تدخلات وسياسات تؤجل المشكلة. كما أن انخفاض الدولار لا يعني بالضرورة أن الاقتصاد كان سليمًا في كل جوانبه.

لكن في الوقت نفسه، تجاهل أثر انهيار الجنيه على الغلاء الحالي أمر غير مقبول. فارتفاع الدولار ضاعف تكلفة الوقود المستورد والقمح والدواء والخامات والآلات، وأصبح أحد أهم أسباب تآكل القوة الشرائية للمصريين.

ولهذا فإن ربط الغلاء برفض رفع دعم الوقود فقط، مع تجاهل قفزة الدولار والدين وتكاليف التمويل، يبدو محاولة لتقديم تفسير ناقص يخدم رواية سياسية أكثر مما يقدم تحليلًا اقتصاديًا متكاملًا.

لماذا يثير توقيت التصريحات حساسية؟

يأتي حديث يوسف بطرس غالي في وقت يعاني فيه المصريون من ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والنقل، وتراجع قيمة الأجور والمدخرات، واقتراب الدولار من مستويات قياسية.

وفي هذا السياق، يصبح تحميل رئيس سابق جانبًا من المسؤولية رسالة سياسية شديدة الحساسية، خصوصًا عندما تصدر من وزير كان جزءًا أساسيًا من ذلك النظام.

بعض المنتقدين يرون أن ظهوره الحالي يمنح رواية تقول إن الأزمة الراهنة امتداد لأخطاء قديمة، وإن الحكومات الحالية لا تفعل سوى دفع ثمن ما تأخر تنفيذه في عهد مبارك.

لكن هذه الرواية تتجاهل أن الحكومات المتعاقبة امتلكت أكثر من عقد لاتخاذ قراراتها، وأن كل سلطة تتحمل مسؤولية اختياراتها في الدين والإنفاق وسعر الصرف والاستثمار والدعم.

هل يحق ليوسف بطرس غالي نقد مبارك؟

بالطبع يحق له أن يروي ما جرى داخل الحكومة، وأن يشرح الخلافات الاقتصادية التي شهدها عهد مبارك.

لكن حقه في النقد لا يعفيه من الإجابة عن مسؤوليته.

لا يمكن لوزير مالية سابق أن يظهر بعد سنوات ويقول إن الرئيس رفض نصيحته، ثم يطلب من الجمهور التعامل معه بوصفه شاهدًا محايدًا. فهو كان طرفًا في صناعة القرار، وليس مراقبًا خارجيًا.

والرواية الكاملة يجب أن تشمل ما فعله، وما لم يفعله، ولماذا استمر في منصبه، وكيف كان يتصور حماية المجتمع من نتائج السياسات التي يدافع عنها الآن.

تحليل ELFOLOS

يرى ELFOLOS أن يوسف بطرس غالي يقدم اليوم رواية تضع جزءًا كبيرًا من المسؤولية على حسني مبارك، لكنها لا تمنح المساحة نفسها لمسؤوليته هو كوزير مالية وعضو أساسي في النظام.

صحيح أن تأجيل إصلاح دعم الوقود ربما كان خطأ اقتصاديًا، لكن تحويل هذا الخطأ إلى سبب مركزي لغلاء 2026 يمثل تبسيطًا مخلًا.

الغلاء الحالي مرتبط قبل كل شيء بتراجع الجنيه، وارتفاع الديون، وتكلفة الاستيراد، وضعف الإنتاج، وارتفاع أسعار الطاقة والتمويل، وهي عوامل نشأت وتفاقمت عبر سنوات طويلة وبعد انتهاء عهد مبارك.

أما اتهامات وجود صفقة لعودة غالي مقابل تحميل النظام السابق المسؤولية، فلا توجد أدلة علنية تثبتها، لكنها تعكس أزمة ثقة حقيقية، سببها أن الوزير الأسبق عاد إلى المشهد بخطاب يبدو أقرب إلى تبرئة الذات منه إلى مراجعة شاملة وصريحة.

قرار الفلوس

المواطن لا يحتاج إلى صراع بين رجال النظام القديم حول من يتحمل المسؤولية، بل يحتاج إلى إجابات واضحة:

من تسبب في انهيار القوة الشرائية؟ من راكم الديون؟ لماذا ارتفع الدولار؟ ولماذا جرى رفع الأسعار دون زيادة مماثلة في الدخول؟

تأجيل إصلاح الدعم كان خطأ، لكن رفع الدعم وحده ليس إصلاحًا. والإصلاح الحقيقي لا يُقاس بما توفره الحكومة في الموازنة فقط، بل بما يدفعه المواطن من دخله، وما يحصل عليه من خدمات وحماية اجتماعية.

الخلاصة: يوسف بطرس غالي يملك جزءًا من الحقيقة، لكنه لا يملك حق تقديم نفسه خارج دائرة المسؤولية، ولا يجوز استخدام مبارك شماعة لتبرئة من حكموا قبله أو بعده

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img