من العاصمة اليونانية أثينا، أعلن المهندس كريم بدوي وزير البترول والثروة المعدنية اليوم الأربعاء 7 أكتوبر 2026 أن التعاون الإقليمي في الغاز بمنطقة شرق المتوسط انتقل من مرحلة الحوار والاتفاقات السياسية إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، وأن الشراكة المصرية القبرصية تحولت من شراكة استراتيجية على الورق إلى ترتيبات تجارية وتنفيذية على الأرض، تستخدم البنية التحتية المصرية لنقل الغاز القبرصي ومعالجته وإعادة تصديره إلى الأسواق الأوروبية.
وجاءت تصريحات الوزير خلال مشاركته في اجتماع المائدة المستديرة رفيعة المستوى لوزراء الطاقة وقادة المنظمات ومستثمري صناعة الغاز، الذي نظمه منتدى غاز شرق المتوسط بالتعاون مع شركة «هيلينيك إنرجي» اليونانية في أثينا، وشارك فيه وزير البيئة والطاقة اليوناني ستافروس باباستافرو، ووزير الطاقة القبرصي مايكل داميانوس، وأسامة مبارز الأمين العام لمنتدى غاز شرق المتوسط، وجاسم الشيراوي الأمين العام لمنتدى الطاقة الدولي، وجوشوا فولز مبعوث تكامل الطاقة بوزارة الطاقة الأمريكية، والرئيس التنفيذي لشركة هيلينيك إنرجي أندرياس شياميشيس، والمهندس محمد عبدالعزيز الرئيس التنفيذي لجهاز تنظيم سوق الغاز المصري، إلى جانب قيادات شركات شيفرون وأركيوس إنرجي وإنرجين وفالكو إنرجي.
حقل كرونوس يدخل التنفيذ.. وإنتاج 2028
ضرب بدوي المثل الأوضح على هذا التحول التنفيذي بحقل كرونوس القبرصي، الذي اتخذت شركتا إيني الإيطالية وتوتال إنرجيز الفرنسية قرار الاستثمار النهائي بشأنه في 28 يوليو الماضي، ليصبح أول تطوير غازي قبرصي يدخل مرحلة التنفيذ العملي بالكامل. وبحسب الإعلان الرسمي الصادر عن توتال إنرجيز (50%) وإيني (50% ومشغّل الحقل)، شريكَي القطاع السادس البحري قبالة قبرص، سيُطوَّر الحقل — المكتشف عام 2022 والمؤكد بتقييم ناجح عام 2024 — عبر أربع آبار تحت سطح البحر، على بُعد نحو 185 كيلومترًا جنوب غربي الساحل القبرصي.
ووفق الخطة المعلنة، سيُنقل الغاز عبر خط أنابيب بحري من المياه القبرصية إلى مصر، ليُعالَج جزئيًا باستخدام منشآت حقل ظهر القائمة، ثم يُسيَّل في محطة دمياط للغاز المسال ويُصدَّر إلى أوروبا. ومن المتوقع بدء الإنتاج عام 2028، وبلوغ ذروة إنتاجية تصل إلى 500 مليون قدم مكعبة يوميًا، أي ما يعادل نحو 2.8 مليون طن سنويًا من الغاز المسال، تتولى توتال إنرجيز تسويق نصفها (1.4 مليون طن سنويًا).
والنموذج الذي وصفه بدوي في أثينا يعمل عمليًا على هذا النحو: الغاز القبرصي يأتي إلى مصر للمعالجة عبر البنية التحتية المصرية، ثم يُعاد تصديره غازًا مسالًا من دمياط إلى الأسواق الأوروبية. وكان الشريكان قد وقّعا في فبراير 2025 اتفاقية الحكومة المضيفة، ثم استكملا الاتفاقات التجارية والتعاقدية الرئيسية التي تحدد شروط استخدام منشآت حقل ظهر البحرية، وعبور الغاز عبر مصر، وتسييله في دمياط، وبيعه غازًا مسالًا.
أفروديت على الطريق.. وغلاوكوس وبيجاسوس في المرحلة الاستكشافية
بالتوازي مع كرونوس، يتواصل العمل على الترتيبات الخاصة باتخاذ قرار الاستثمار النهائي لحقل أفروديت، الذي تديره شركة شيفرون الأمريكية في القطاع 12 البحري قبالة قبرص. وكان الجانبان المصري والقبرصي قد وقّعا في القاهرة خلال مارس الماضي اتفاقية مبدئية بالأحرف الأولى لتنمية الحقل، ويجري العمل على استكمال الأطر التجارية والتنظيمية اللازمة لتوريد الغاز. وتأتي هذه التحركات استكمالًا للمسار الذي شهدته العلاقة بين القاهرة وشيفرون، التي وسّعت مؤخرًا نشاطها الاستكشافي في مصر بموجب اتفاقية جديدة بـ88 مليون دولار للتنقيب البحري.
وفي مايو الماضي، وقّعت مصر مذكرة تفاهم مع إكسون موبيل وقطر للطاقة لدراسة التطوير التجاري لاكتشافات غلاوكوس وبيجاسوس القبرصية عبر البنية التحتية المصرية، وهو ما يعني أن خط الأنابيب التجاري المصري القبرصي قد يتسع ليشمل حقولًا جديدة مع اكتمال الدراسات الفنية والاقتصادية خلال الفترة المقبلة.
البنية المصرية: المنصة الجاهزة لغاز شرق المتوسط
حرص الوزير في كلمته على تقديم ما وصفه بالمنصة الجاهزة: بنية غاز مصرية متكاملة تشمل منشآت الإنتاج والمعالجة، والشبكة القومية للغاز، ومحطتي إسالة وتصدير الغاز في إدكو ودمياط. هذه المنظومة هي التي تجعل التحويل من «الحوار إلى التنفيذ» ممكنًا دون انتظار بناء منشآت جديدة تستغرق سنوات ومليارات الدولارات، ودون تكرار أخطاء مشاريع سابقة عطّلتها غياب البنية الجاهزة.
وأضاف أن الموقع الجغرافي لمصر يربط دول الإنتاج في شرق المتوسط بالأسواق الأوروبية، وأن أمن الطاقة الإقليمي بات مرتبطًا ارتباطًا مباشرًا بقدرة المنطقة على تحويل الموارد المكتشفة إلى تدفقات تجارية فعلية، لا مجرد إعلانات نوايا. ويأتي ذلك في وقت تتسابق فيه أوروبا على تنويع مصادر الغاز، وتتطلع فيه قبرص — التي ترأست مجلس الاتحاد الأوروبي مطلع 2026 — إلى لعب دور محوري في هذا التنويع عبر البوابة المصرية.
لقاء ثنائي لتسريع الربط
وعلى هامش المائدة المستديرة، عقد بدوي لقاءً ثنائيًا مع نظيره القبرصي مايكل داميانوس، بحضور السفير مراد يسري مراد سفير مصر في أثينا، تناول سبل تسريع مشروعات الاستفادة من موارد الغاز القبرصية عبر البنية التحتية المصرية — الاستقبال والنقل والمعالجة والتسييل وإعادة التصدير. وأكد الجانبان أهمية الإسراع في استكمال الأعمال والترتيبات الخاصة بربط الغاز المنتج من حقل كرونوس بالبنية المصرية، ومواصلة التنسيق مع شركاء المشروع لدفع الأعمال التنفيذية بعد قرار الاستثمار النهائي، مع استهداف بدء الإنتاج خلال 2028.
كما تطرق اللقاء إلى تطورات حقل أفروديت، حيث شدد الوزيران على ضرورة الإسراع في استكمال الاتفاقيات والترتيبات المرتبطة بتنمية الحقل، بالتنسيق بين الجهات المصرية والقبرصية وشركاء المشروع، بما يدعم التقدم نحو قرار الاستثمار النهائي وبدء التنفيذ. واتفق الجانبان على مواصلة التنسيق الوثيق داخل منتدى غاز شرق المتوسط باعتباره المنصة الإقليمية الداعمة للتعاون والاستثمارات وتطوير البنية التحتية وربط موارد الغاز بالأسواق.
تحليل الفلوس
ما حدث في أثينا اليوم ليس مجرد جولة دبلوماسية جديدة في ملف طالما امتلأ بالتصريحات، بل علامة على أن معادلة الغاز في شرق المتوسط بدأت تتغير فعليًا: قرار الاستثمار النهائي لكرونوس في يوليو الماضي هو أول مرة يتحول فيها حقل قبرصي من خريطة الاكتشافات إلى جدول زمني للإنتاج والتسييل والتصدير. وبالنسبة لمصر، المعنى المباشر واضح: محطتا إدكو ودمياط اللتان عملتا في السنوات الماضية بأقل من طاقتهما بسبب تراجع الإنتاج المحلي، ستعودان تدريجيًا إلى قلب المعادلة، لا كمنشآت للغاز المصري فقط، بل كمحور إقليمي يعالج ويسيّل غاز الجيران ويأخذ مقابل ذلك رسوم عبور ومعالجة وتسييل بالدولار. هذا دخل صلب لا يعتمد على أسعار النفط ولا على منح، ويُعزز احتياطي النقد الأجنبي في وقت تحتاجه فيه الدولة بشدة.
لكن الصورة ليست وردية بالكامل، والتحليل الأمين يفرض قول ذلك: كل هذا المشروع يقف على ساقين هشّتين. الأولى أن إنتاج 2028 لكرونوس ما زال تاريخًا مستهدفًا وليس مضمونًا، وتجارب المنطقة مع الجداول الزمنية البحرية مليئة بالتأخيرات. والثانية أن أفروديت — الحقل الأكبر والأهم استراتيجيًا — ما زال عند مرحلة «استكمال الاتفاقيات»، أي أن قرار الاستثمار النهائي لم يُتخذ بعد، وأي تعثر في المفاوضات مع شيفرون سيؤجل المشروع سنوات. أما غلاوكوس وبيجاسوس فما زالا في طور «دراسة التطوير التجاري»، وهي العبارة الدبلوماسية التي قد تعني أي شيء بين التنفيذ الوشيك والتجميد الطويل.
ما يجب مراقبته في الأشهر المقبلة إذن هو ثلاثة مؤشرات ملموسة لا تصريحات: أولًا، بدء الأعمال الإنشائية الفعلية لربط كرونوس بالبنية المصرية — متى بدأت الحفارات والأنابيب تتحرك؟ ثانيًا، الإعلان عن قرار الاستثمار النهائي لأفروديت، وهو الاختبار الحقيقي لجدية التحول من الحوار إلى التنفيذ. وثالثًا، نتائج دراسات إكسون موبيل وقطر للطاقة حول غلاوكوس وبيجاسوس. إذا تحققت هذه الثلاثة، ستكون مصر قد رسّخت فعليًا مكانتها كمركز إقليمي للغاز في شرق المتوسط، وهو ما ينعكس مباشرة على أمن الطاقة المصري وعلى إيرادات الدولة من رسوم التسييل والعبور — وبالتالي على الجنيه وعلى فاتورة استيراد الطاقة التي يدفعها المواطن في النهاية.







