حين يصل الحديث إلى الدولار في مصر، يرفض الخبير الاقتصادي د. حسن الصادي اللغة المتداولة نفسها. ففي حواره مع برنامج «المستثمر المصري» (Egyptian Guidelines)، قال حسن الصادي بمنتهى الحسم إنه لا يصح أن نترك الناس تعتبر الدولار أداة من أدوات الاستثمار، لأن الحقيقة أبسط وأقسى: الناس لم تكن تستثمر في الدولار في يوم من الأيام، ولا يعنيها التحوط أصلًا، بل كانت — وما زالت — تهرب من الجنيه خوفًا، وتبحث عن ملاذ آمن تحفظ فيه قيمة ما تبقى من مدخراتها.
ويأتي كلام حسن الصادي عن الدولار في لحظة بالغة الحساسية لسعر الصرف والسياسة النقدية معًا. فقد سجل متوسط سعر الدولار لدى البنك المركزي المصري اليوم الجمعة 30 أكتوبر 2026 نحو 55.99 جنيهًا للشراء و56.09 جنيهًا للبيع، وذلك غداة قرار لجنة السياسة النقدية أمس الخميس 29 أكتوبر رفع أسعار العائد بواقع 100 نقطة أساس كاملة، ليصل عائد الإيداع لليلة واحدة إلى 20% والإقراض إلى 21%. وفي سوق الذهب، سجل جرام الذهب عيار 21 صباح اليوم الجمعة نحو 6,350 جنيهًا للبيع — أي أن الملاذات الثلاثة التي يسميها الصادي في حواره، الدولار والذهب والعقار، ما زالت هي نفسها عناوين المشهد بعد أكثر من عام على تسجيل هذا الحوار.
حسن الصادي: «ما ينفعش نسيب الناس تعتبر الدولار أداة استثمار»
يبدأ حسن الصادي من نقطة يعتبرها خطأ تأسيسيًا في إدارة الملف كله. يقول إنه حتى الأموال الراكدة في البيوت أو المتجهة إلى شراء الدولار لا بد أن تكون هناك آلية للتعامل معها، و«ما ينفعش إن أنا أسيب الناس تعتبر الدولار أداة من أدوات الاستثمار.. لأ». فحين تتحول العملة الأجنبية في وعي المواطن العادي من وسيلة تبادل إلى وعاء ادخار واستثمار، فهذا في قراءة الصادي ليس سلوكًا فرديًا يُلام عليه صاحبه، بل عرض لمرض أعمق: غياب البدائل الإنتاجية التي تستوعب مدخرات الناس، وغياب الثقة في العملة المحلية نفسها.
ثم يفكك الخبير الاقتصادي المفردات نفسها التي تُستخدم عادة لتجميل الظاهرة. فحين يقال إن المصريين «يتحوطون» بالدولار أو «يستثمرون» في الذهب والعقار، يرد حسن الصادي: «بمنتهى البساطة الناس ولا كانت بتستثمر في الدولار ولا عمرها تستثمر في الدولار، ولا يعنيها بأي حال التحوط.. الناس ما كانتش بتستثمر في الدهب، ولا يعنيها بأي حال إنها تستثمر في الدهب، ولا حتى العقار». الكلمة الوحيدة الصحيحة عنده هي الهروب: «الناس كانت بتهرب من الجنيه.. خوفًا».
الملاذ الآمن عند حسن الصادي: دولار وذهب وعقار.. والاقتصاد يدفع الثمن
ويكمل حسن الصادي الصورة بسؤال وجواب: الناس تهرب من الجنيه لأنها «عايزاله ملاذ آمن.. إيه الملاذ الآمن اللي قدامها؟ دولار.. دهب.. عقار». فحطت الناس أموالها في الدولار والذهب والعقار. لكن هذا الهروب الجماعي، في منطقه، ليس مجانيًا على الاقتصاد الكلي: كل جنيه يخرج من الدورة الإنتاجية ليُخزن في عملة أجنبية أو سبيكة مركونة أو وحدة مغلقة، هو فرصة استثمار ضائعة في شركات ومشروعات صغيرة تخلق وظائف وتمويلًا. فالذي يبحث عن وظيفة لا يجدها، والذي يبحث عن تمويل لمشروعه لا يجده، بينما تتراكم المدخرات في أصول لا تنتج شيئًا — وهي الحلقة التي يربطها الصادي مباشرة بخوف الناس من تآكل قيمة الجنيه.
وهنا يضع حسن الصادي معياره الصارم للحكم على الاقتصاد: لا المؤشرات المعلنة ولا التصريحات. فحين يُقال إن الاقتصاد في أحسن حالاته، يرد بأن ما يهمه هو ما يراه الناس في الشارع: «ساندويتش الفول بكام؟» — فالمواطن الذي كان يكلفه يومه البسيط سبعة أو ثمانية جنيهات صار يكلفه خمسة وثلاثين أو أربعين جنيهًا. ويستعير الصادي بذكاء أداة القياس الأمريكية الشهيرة فيقول: «زي ما الأمريكان عندهم البيج ماك إندكس.. أنا عندي الفول المدمس إندكس» — مؤشر مصري خالص يقيس به الغلاء من عربية الفول في الشارع، لا من جداول المؤتمرات الصحفية. فأي هزة في الأسعار أو المحروقات تنعكس فورًا على هذا المؤشر الشعبي، وهو ما يجعل سؤال «هل الدولار هو الذي يرتفع أم الجنيه هو الذي يرخص؟» سؤالًا محسومًا عنده لصالح الشق الثاني.
ماذا يعني كلام حسن الصادي عن الدولار لمن يملك مدخرات اليوم؟
عمليًا، رسالة حسن الصادي للمواطن مزدوجة. أولها أن شراء الدولار ليس استثمارًا يبني ثروة، بل دفاع عن قيمة قائمة؛ فمن يشتري العملة الخضراء لا يصنع عائدًا إنتاجيًا، بل يراهن على استمرار تراجع عملته المحلية — وهو رهان قد يحفظ القيمة لكنه لا يخلق دخلًا ولا وظيفة ولا أصلًا ينمو بذاته. وثانيها أن القرار الفردي المفهوم تمامًا في ظل الخوف يصبح مشكلة جماعية حين يمارسه ملايين في وقت واحد، لأنه يسحب السيولة من الاقتصاد الحقيقي ويغذي الطلب على العملة الأجنبية ذاته. والحل عند الصادي لا يبدأ من لوم الناس، بل من استعادة الثقة في الجنيه نفسه عبر إنتاج حقيقي وبدائل استثمارية آمنة ومفهومة، حتى لا يبقى الملاذ الآمن الوحيد المتاح هو الهروب من العملة الوطنية.
تحليل الفلوس
قوة طرح حسن الصادي هنا أنه يعيد تسمية الظاهرة باسمها الصحيح، والتسمية في الاقتصاد ليست ترفًا لغويًا. فحين تصف الدولة إقبال مواطنيها على الدولار بأنه «طلب استثماري»، فهي تعفي نفسها من السؤال الصعب؛ أما حين يوصف بأنه «هروب خوفًا»، يصبح السؤال الحقيقي: ممَّ يهرب الناس؟ والإجابة — من عملة تآكلت قوتها الشرائية حتى صار يوم المواطن البسيط يكلف خمسة أضعاف ما كان يكلفه — تضع المسؤولية حيث يجب أن تكون: على السياسات التي صنعت الخوف، لا على الخائفين. «الفول المدمس إندكس» بهذا المعنى ليس طرفة تلفزيونية، بل نقد منهجي لكامل منظومة قياس الأداء الاقتصادي حين تنفصل عن حياة الناس.
والمفارقة التي تستحق التوقف عندها اليوم أن البنك المركزي رفع الفائدة أمس بواقع نقطة مئوية كاملة إلى 20% للإيداع، في محاولة معتادة لجعل الجنيه أكثر جاذبية من ملاذات الهروب. لكن منطق الصادي يطرح السؤال الأعمق: هل تكفي الفائدة المرتفعة وحدها لتغيير سلوك صُنع بالخوف عبر سنوات؟ فالمواطن الذي تعلم من التجربة أن مدخراته بالجنيه تفقد قيمتها أسرع مما تعوضه الفوائد، لن يعود لمجرد نقطة مئوية إضافية ما لم يرَ استقرارًا مستدامًا في سعر الصرف وفي أسعار طعامه اليومي — أي في مؤشر الفول المدمس نفسه.
ما يجب أن يتابعه القارئ في الأسابيع المقبلة ثلاثة أمور: أولها أثر رفع الفائدة الأخير على تدفقات الادخار بالجنيه مقابل الاكتناز بالدولار والذهب؛ وثانيها مسار سعر الصرف حول مستوى 56 جنيهًا، وهل يستقر بما يكفي لتهدئة غريزة الهروب أم تعود الضغوط؛ وثالثها وهو الأهم عند الصادي: هل تظهر بدائل إنتاجية حقيقية تستوعب مدخرات المصريين في شركات ومشروعات، أم يبقى السؤال نفسه يتكرر في كل حوار — دولار ولا دهب ولا عقار — لأنه في الحقيقة ليس سؤال استثمار، بل شهادة خوف جماعي تنتظر من يعالج أسبابها لا أعراضها.
المصدر: شاهد الحوار كاملًا / الخبر الأصلي: Egyptian Guidelines — برنامج «المستثمر المصري»
📚 ملف الخبير: تابع كل تصريحات ومقالات د. حسن الصادي وسيرته الذاتية الكاملة في قسم خبراء الاقتصاد على موقع الفلوس.







