لم تهدأ نيران التوتر في المنطقة حتى اشتعلت أسعار النفط من جديد. فجر الاثنين 5 أكتوبر 2026، صعدت العقود الآجلة لخام برنت إلى 103.06 دولار للبرميل بعدما أعلن الحوثيون المتحالفون مع إيران في اليمن شن هجمات بصواريخ باليستية وطائرات مسيّرة استهدفت منشآت تابعة لشركة أرامكو السعودية في الرياض ومنطقة خريص، في تصعيد جديد يُلقي بظلاله على أسواق الطاقة العالمية ويفتح الباب أمام سيناريوهات مقلقة للاقتصاد المصري.
وارتفعت عقود برنت 81 سنتًا بما يعادل 0.79% بحلول الساعة 2202 بتوقيت جرينتش، فيما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي 46 سنتًا (0.50%) إلى 91.57 دولار للبرميل، وفقًا لما نقلته وكالة رويترز عن تداولات ليل الأحد/الاثنين في بورصات آسيا (المصدر: رويترز بالعربية).
ماذا أعلن الحوثيون؟
قال المتحدث العسكري باسم جماعة الحوثي، العميد يحيى سريع، في بيان بثته قناة المسيرة التابعة للجماعة مساء السبت 4 أكتوبر، إن الجماعة نفذت “عملية عسكرية نوعية” بعدد من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة استهدفت منشآت لشركة أرامكو في العاصمة السعودية الرياض ومنطقة خريص، ردًا على ما وصفه بـ”50 غارة جوية وصاروخية” شنها التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن خلال الساعات الاثنتي عشرة الماضية.
وأضاف سريع أن الضربات كانت “دقيقة ومباشرة” وأنها تسببت في اشتعال حرائق في المواقع المستهدفة، في حين تداولت حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو لأعمدة دخان قالت إنها من محيط منشأة نفطية بالرياض، من دون تحقق مستقل من صحتها.
التحالف السعودي ينفي: “مزاعم مضللة وانتصارات وهمية”
من جانبه، رفض التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن رواية الحوثيين جملة وتفصيلًا. وقال المتحدث باسم التحالف، اللواء الركن تركي المالكي، في تصريحات لصحيفة “الشرق الأوسط”، إن “مزاعم الحوثيين باستهداف الرياض مضللة”، معتبرًا أن الخسائر البشرية الفادحة التي تتكبدها الجماعة على يد القوات المسلحة اليمنية والمقاومة الشعبية في مختلف الجبهات تدفعها للبحث عن “انتصارات وهمية” لصرف الأنظار عن حجم الخسائر وتزايد الغضب الشعبي من سلوكها.
وأشارت صحيفة الشرق الأوسط إلى أن الحوثيين خسروا نحو 5 آلاف مقاتل خلال أسبوع، فيما أعلن المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، تنفيذ 257 غارة جوية استهدفت تعزيزات عسكرية للحوثيين في عدة جبهات.
رد فعل الأسواق: 81 سنتًا تصعد ببرنت فوق 103 دولارات
رغم النفي السعودي، تعاملت الأسواق مع الخبر باعتباره تصعيدًا حقيقيًا. فبحلول الساعة 2202 بتوقيت جرينتش (01:02 فجر الاثنين بتوقيت القاهرة)، صعد برنت 81 سنتًا إلى 103.06 دولار، وغرب تكساس الوسيط إلى 91.57 دولار، في أول رد فعل فوري على أنباء الهجوم.
الأسعار الحالية تضع برنت فوق المستوى الذي استقر عنده يوم الجمعة الماضي عند نحو 102.25 دولار، وتعيد التذكير بأن سوق النفط أصبحت شديدة الحساسية لأي خبر من المنطقة — حتى المزاعم غير المؤكدة باتت كافية لتحريك الأسعار فورًا.
سياق التصعيد: من ينبع إلى المدينة إلى الرياض
الهجوم المعلن ليس الأول من نوعه خلال أسابيع. ففي أواخر سبتمبر الماضي، أعلن الحوثيون استهداف منشآت أرامكو في ينبع على ساحل البحر الأحمر، وأعلنت السعودية اعتراض 6 صواريخ باليستية أُطلقت باتجاه الطائف وينبع، مؤكدة عدم وقوع أضرار بمنشآت أرامكو. كما أعلن التحالف مطلع الأسبوع الماضي أن الحوثيين هاجموا محطة كهرباء في المدينة المنورة يوم الثلاثاء.
ويأتي هذا التصعيد في أعقاب تطورات أكبر هزت سوق الطاقة العالمي: التوتر الأمريكي الإيراني حول مضيق هرمز الذي دفع برنت فوق 106 دولارات، وقرار أوبك بلس تثبيت إنتاج نوفمبر، ثم إفراج مجموعة السبع عن 100 مليون برميل عبر وكالة الطاقة الدولية لاحتواء الصعود. باختصار: السوق تعيش حالة “تأهب قصوى”، وكل شرارة جديدة — حقيقية أو معلنة — تعيد إشعال علاوة المخاطر.
ماذا يعني ذلك لمصر؟ لجنة التسعير تحت المجهر
السؤال الذي يطرحه المواطن المصري فورًا: هل سيرتفع البنزين والسولار؟ الواقع أن أسعار الوقود المحلية تخضع لآلية التسعير التلقائي التي تقرها لجنة تسعير المنتجات البترولية كل 3 أشهر، وهي آلية تربط الأسعار المحلية بتطورات الأسعار العالمية وسعر الصرف.
والأسعار الرسمية الحالية — بحسب آخر متابعة لنا — مستقرة: بنزين 80 عند 20.75 جنيه، بنزين 92 عند 22.25 جنيه، بنزين 95 عند 24 جنيهًا، والسولار عند 20.50 جنيه، بعدما نفت وزارة البترول رسميًا (بيان 24 سبتمبر) أي زيادة جديدة ووصفت الشائعات بأنها لا أساس لها.
لكن استمرار برنت فوق 103 دولارات — وتجاوزه 106 دولارات قبل أيام — يعني أمرين: أولًا، ارتفاع فاتورة استيراد مصر من المنتجات البترولية، وهي فاتورة تتكبدها الموازنة العامة مباشرة وتنعكس على الميزان التجاري. ثانيًا، ضغوطًا إضافية على لجنة التسعير في اجتماعها المقبل، فالآلية محسوبة على متوسطات الأسعار العالمية؛ كلما طالت فترة بقاء برنت فوق المئة دولار، زادت احتمالات تحريك الأسعار محليًا في الجولة القادمة.
ولا ننسى أن ارتفاع الطاقة عالميًا يعني أيضًا تضخمًا مستوردًا يضغط على أسعار كل شيء — من النقل إلى الغذاء — في وقت تكافح فيه مصر لكبح التضخم الذي لا يزال عند 14.5% وفق آخر قراءة.
تحليل الفلوس
ما حدث فجر الاثنين ليس مجرد خبر عابر في سوق النفط، بل إشارة خطيرة على تحول قواعد اللعبة: الأسواق لم تعد تنتظر تأكيد الخسائر الفعلية لتتحرك، بل تكفي المزاعم وحدها لرفع الأسعار فورًا. هذه الحساسية المفرطة تعني أن الشرق الأوسط أصبح يصدر “علاوة خوف” دائمة إلى كل اقتصادات المنطقة المستوردة للطاقة — ومصر في مقدمتها.
المعادلة المصرية الآن شديدة الدقة: من جهة، وزارة البترول تنفي أي زيادة جديدة في أكتوبر، ولجنة التسعير ملزمة بآلية ربع سنوية لا تتحرك يوميًا مع برنت. ومن جهة أخرى، كل دولار إضافي في سعر البرميل يُترجم إلى مئات الملايين من الجنيهات في فاتورة الاستيراد، وهو عبء تتحمله الموازنة اليوم قبل أن يتحمله المستهلك غدًا. الرسالة الأهم للمواطن والمستثمر: أسعار الوقود المحلية قد تكون محمية مؤقتًا بقرار سياسي وإداري، لكنها ليست محصنة ضد الواقع — إذا بقي برنت فوق 103 دولارات حتى موعد اجتماع اللجنة المقبل، فستكون زيادة جديدة هي السيناريو الأرجح، وسيكون الفرق الوحيد هو حجمها وتوقيتها.
وما يجب مراقبته في الأيام القادمة ثلاثة مؤشرات: هل ستؤكد أرامكو أو السعودية أي أضرار فعلية؟ هل سيرد التحالف بتصعيد عسكري يوسع دائرة التوتر؟ وهل سيستمر برنت فوق 103 دولارات أم ستستوعب السوق الخبر كما استوعبت ما قبله؟ الإجابة على هذه الأسئلة سترسم ملامح فاتورة الطاقة المصرية في الربع الأخير من 2026.







