أعلن الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، أن الاقتصاد المصري أصبح قادرًا على مواصلة الانطلاق دون الدخول في مرحلة جديدة من التعاون مع صندوق النقد الدولي، مؤكدًا أن الإصلاحات والإجراءات التي نفذتها الدولة خلال السنوات الماضية عززت قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات وتحسين مؤشرات النمو والتضخم والبطالة.
وجاءت تصريحات مدبولي في مقابلة خاصة مع شبكة «CNN الاقتصادية»، نُشرت اليوم الاثنين 5 أكتوبر 2026، بحسب ما نقله موقعا banker.news وtafsela.net عن المقابلة. وتكتسب هذه التصريحات وزنًا خاصًا لأنها تأتي قبل أشهر من انتهاء برنامج «صندوق النقد الدولي مصر» الحالي — تسهيل ائتماني ممدد بقيمة 8 مليارات دولار، إضافة إلى 1.3 مليار دولار ضمن آلية المرونة والاستدامة — والمقرر اختتامه في ديسمبر 2026.
أبرز ما قاله مدبولي عن النمو الاقتصادي
أوضح رئيس الوزراء أن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي بلغ 5.1% خلال العام المالي 2025-2026، مقابل 4.4% خلال العام المالي السابق، فيما تستهدف الحكومة تحقيق نمو بنسبة 5.4% خلال العام المالي الحالي 2026-2027.
وشدد مدبولي على أن التحسن لا يرتبط فقط بحجم الزيادة في الناتج المحلي، وإنما بتركيبة النمو والقطاعات التي تقوده، موضحًا أن أكثر من ربع معدل النمو المحقق خلال العام المالي الماضي جاء من نمو القطاع الصناعي وحده — في إشارة إلى تحول تدريجي نحو اقتصاد إنتاجي بدل الاعتماد على تدفقات استثنائية.
الصناعة والتصدير والسياحة.. محركات المرحلة الجديدة
أشار مدبولي إلى أن قطاعات الصناعة التحويلية والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والسياحة والزراعة أصبحت من أبرز محركات النشاط الاقتصادي، معتبرًا أن الاعتماد المتزايد على الأنشطة الإنتاجية يمثل عاملًا مهمًا في استدامة النمو وتقليل تأثر الاقتصاد بالصدمات الخارجية.
وكشف رئيس الوزراء، بحسب ما نقلته جريدة حابي عن المقابلة، أن الصادرات غير البترولية ارتفعت من نحو 40 مليار دولار قبل عامين إلى 48 مليار دولار، وسجلت 25.5 مليار دولار خلال النصف الأول من العام الحالي، مؤكدًا استهداف الدولة رفعها إلى 100 مليار دولار بحلول عام 2030.
ولفت إلى إنشاء أكثر من 160 مصنعًا في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس خلال السنوات الثلاث الماضية، متوقعًا افتتاح نحو 200 مصنع إضافي خلال العامين المقبلين لتعميق التصنيع المحلي وزيادة القيمة المضافة. ويأتي ذلك متسقًا مع تحسن نشاط القطاع الخاص غير النفطي، إذ سجل مؤشر مديري المشتريات أداءً إيجابيًا خلال سبتمبر الماضي.
صندوق النقد الدولي: مصر أظهرت صمودًا أكبر أمام الصدمات
في تقييم لافت، نقلت المقابلة عن أمين ماطي، رئيس بعثة صندوق النقد الدولي إلى مصر، ويفغيينيا كورنيينكو، الخبيرة الاقتصادية الأولى بالصندوق، أن الاقتصاد المصري أظهر قدرة أكبر على الصمود أمام تداعيات الحرب في الشرق الأوسط مقارنة بفترات سابقة من الضغوط الخارجية.
وعزا المسؤولان هذا الصمود إلى سرعة استجابة السياسات الاقتصادية، وتحسن هوامش الأمان على مستوى الاقتصاد الكلي، ومرونة سعر الصرف — وهي النقاط نفسها التي طالما طالب بها الصندوق في مراجعاته الدورية للاقتصاد المصري.
كما أظهرت السياحة قدرة على الصمود رغم التوترات الإقليمية، بينما ارتفعت تحويلات العاملين المصريين في الخارج إلى مستويات قياسية، وواصل نشاط قناة السويس تعافيه التدريجي بعد الاضطرابات التي شهدها نتيجة التوترات في المنطقة.
تحويلات قياسية.. 47 مليار دولار و19 مليون سائح
وعلى صعيد مصادر النقد الأجنبي، كشف مدبولي تجاوز تحويلات المصريين العاملين بالخارج 47 مليار دولار خلال العام المالي الماضي 2025-2026، وتسجيلها نحو 35 مليار دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الحالي 2026.
وشهد قطاع السياحة نموًا ملحوظًا بتجاوز عدد السائحين الوافدين 19 مليون سائح، وتحقيق إيرادات تخطت 18 مليار دولار، بزيادة تقارب 20% مقارنة بالعام السابق، بحسب ما نقلته جريدة حابي عن المقابلة.
المالية العامة والتضخم.. احتواء جزئي للضغوط
وعلى صعيد المالية العامة، أوضح مدبولي أن زيادة الإيرادات المحلية وكبح الإنفاق ساعدا على احتواء الضغوط، في الوقت الذي ارتفع فيه التضخم نتيجة انخفاض قيمة العملة وتعديلات أسعار الطاقة، إلا أن الزيادة جاءت أقل حدة مما كان متوقعًا.
ورغم ذلك، أقر بأن مسار عودة التضخم إلى مستهدفات البنك المركزي تأخر نحو عام إضافي — وهو ما يضع اجتماع لجنة السياسة النقدية المقبل في 29 أكتوبر تحت مجهر الأسواق والمستثمرين. وتواصل الحكومة تغطية احتياجاتها التمويلية عبر سوق أدوات الدين المحلية، في وقت تترقب فيه الأسواق قرار الفائدة المقبل.
البطالة تهبط إلى 5.8%
وبحسب مدبولي، تراجع معدل البطالة إلى 5.8% في أغسطس الماضي، مقارنة بنحو 13% في عام 2013، رغم زيادة عدد السكان بنحو 22 مليون نسمة خلال الفترة نفسها.
وربط رئيس الوزراء هذا التراجع باستثمارات الدولة في البنية الأساسية التي شملت قطاعات الكهرباء والمياه والطرق والموانئ، لتهيئة البيئة أمام القطاع الخاص وخلق فرص عمل تستوعب دخول ما بين مليون و1.5 مليون شاب إلى سوق العمل سنويًا.
تحليل الفلوس
رسالة مدبولي «لا مرحلة جديدة مع الصندوق» ليست مجرد تصريح إعلامي؛ إنها أول إشارة رسمية صريحة إلى أن القاهرة لا تسعى إلى برنامج لاحق بعد انتهاء التسهيل الممدد الحالي (8 مليارات دولار) وتمويل المرونة والاستدامة (1.3 مليار دولار) في ديسمبر 2026. وعمليًا، هذا يعني أن الحكومة تراهن على أن مراجعات الربع الأخير من 2026 — التي تفتح الباب أمام صرف نحو 2.3 مليار دولار من الشرائح المتبقية — ستكون المحطة الأخيرة في هذا الفصل من العلاقة مع الصندوق، لا بداية فصل جديد. الرسالة موجهة للداخل بقدر ما هي موجهة للخارج: نحن قادرون على تمويل أنفسنا وإدارة اقتصادنا دون وصاية مشروطة.
والمنطق الاقتصادي وراء هذا الرهان ليس فارغًا. فمصر تدخل الربع الأخير من 2026 بموقف خارجي أقوى مما كانت عليه قبل ثلاث سنوات: تحويلات قياسية تتجاوز 47 مليار دولار، إيرادات سياحية فوق 18 مليار دولار، قناة سويس تستعيد نشاطها تدريجيًا، ونمو يقوده الإنتاج لا الاستهلاك — أكثر من ربعه من الصناعة وحدها. كما أن نظام سعر الصرف المرن، الذي طالما كان الشرط الذهبي للصندوق، أصبح واقعًا ممارسًا يمتص الصدمات بدل أن تتراكم في السوق الموازية كما كان يحدث سابقًا. باختصار: الأدوات التي كان الصندوق يطالب بها أصبحت جزءًا من سياسة الدولة نفسها، فلماذا دفع الثمن السياسي لبرنامج جديد بشروط جديدة؟
لكن الرسالة الإيجابية مشروطة بالتنفيذ، وهناك ثلاثة مواعيد ستختبر صدقيتها خلال الشهور المقبلة. الأول: مراجعات صندوق النقد في الربع الأخير من 2026 — هل تُستكمل بسلاسة ويُفرج عن الشرائح المتبقية (نحو 2.3 مليار دولار) أم تتعثر حول ملفات أسعار الطاقة وملكية الدولة؟ الثاني: اجتماع البنك المركزي في 29 أكتوبر، في ظل تأخر عودة التضخم إلى المستهدف عامًا إضافيًا — فأي إشارة إلى تيسير نقدي مبكر قد تهز الثقة التي بناها مدبولي للتو. الثالث: هل تواصل الحكومة إصلاحات تعميق التصنيع وتوسيع القاعدة الضريبية وخفض دور الدولة في الاقتصاد دون «عصا» الصندوق؟ بالنسبة للمستثمر، الرسالة مطمئنة ما دامت الإصلاحات مستمرة ذاتيًا؛ وبالنسبة للمواطن، الاختبار الحقيقي ليس في التصريحات بل في الأسعار والوظائف خلال الشهور المقبلة.







