عمّقت البورصة المصرية خسائرها بمنتصف تعاملات اليوم الخميس 22 أكتوبر 2026، آخر جلسات الأسبوع، لتتحول التراجعات الصباحية المحدودة إلى موجة بيع واسعة طالت جميع المؤشرات تقريبًا، وسط مبيعات مكثفة من المؤسسات الأجنبية تجاوزت 433 مليون جنيه، وقفزة في سعر الدولار أمام الجنيه، وضغوط خارجية قادمة من أسعار النفط وأسواق آسيا.
وبحسب ما رصدته جريدة حابي في تغطيتها لمنتصف التعاملات، هبط المؤشر الرئيسي EGX30 بنسبة 2.49% ليصل إلى 51,539 نقطة، فيما سجلت بيانات أخرى متقاربة تراجعًا بحدود 2.54% عند 51,512 نقطة، وهو اختلاف طفيف يرجع إلى توقيت الرصد داخل الجلسة نفسها، لكن الاتجاه واحد وواضح: السوق يفقد مستوى 52 ألف نقطة الذي كان يتماسك فوقه في بداية اليوم، ويتجه إلى أعمق خسارة يومية منذ أسابيع.
مؤشرات البورصة المصرية تتراجع جماعيًا بمنتصف التعاملات
لم يقتصر الهبوط على المؤشر الرئيسي. فقد تراجع مؤشر EGX30 Capped بنسبة 2.75% مسجلًا 63,873 نقطة، وانخفض مؤشر EGX30 TR بنسبة 2.39% إلى 24,072 نقطة، بينما هبط مؤشر EGX35-LV بنسبة 2.62% ليصل إلى 5,945 نقطة، في إشارة إلى أن الضغط البيعي طال الأسهم القيادية ذات الأوزان الكبيرة بقوة، وهي الأسهم التي تستحوذ عادة على اهتمام المؤسسات الأجنبية والمحلية على حد سواء.
وفي سوق الأسهم الصغيرة والمتوسطة كان المشهد أشد قسوة. تراجع مؤشر EGX70 متساوي الأوزان بنسبة 2.81% وفق رصد حابي، وبنسبة 2.86% عند مستوى 17,226 نقطة وفق رصد آخر متقارب، كما انخفض مؤشر EGX100 متساوي الأوزان بنسبة تتراوح بين 2.64% و2.68% ليصل إلى 23,241 نقطة. وسجل مؤشر الشريعة الإسلامية أكبر خسارة بين المؤشرات الرئيسية بنسبة 3.13% عند 6,131 نقطة، فيما تراجع مؤشر تميز بنسبة 1.89% مسجلًا 38,439 نقطة.
الصورة العامة إذن لا تترك مجالًا للالتباس: كل المؤشرات في المنطقة الحمراء، والفروق بينها محدودة، ما يعني أن ما يحدث ليس تراجعًا انتقائيًا في قطاع أو سهم بعينه، بل موجة بيع عامة يقودها تخارج جزئي للمؤسسات الأجنبية وعمليات جني أرباح واسعة بعد مكاسب جلسة أمس الأربعاء، التي كان EGX30 قد أغلقها مرتفعًا بنسبة 1.47%.
تداولات البورصة المصرية: 3.37 مليار جنيه ومبيعات أجنبية صريحة
بلغت قيمة التداولات بمنتصف الجلسة نحو 3.377 مليار جنيه، جرى تنفيذها على أسهم 220 شركة من خلال 96,487 عملية، بحسب بيانات حابي التي تغطي الساعتين الأوليين تقريبًا من التعاملات، بينما قدرت رصود أخرى متقاربة السيولة بنحو 3.4 مليار جنيه في أول ساعتين. وهي سيولة مرتفعة نسبيًا مقارنة بمتوسطات الجلسات الهادئة، لكنها سيولة بيعية في معظمها، وليست سيولة شراء تبني مراكز جديدة.
اتساع السوق أكد الاتجاه نفسه: ارتفعت أسعار 18 سهمًا فقط، مقابل تراجع 185 سهمًا، واستقرار 17 سهمًا دون تغيير. نسبة الأسهم الخاسرة إلى الرابحة تجاوزت عشرة إلى واحد، وهو نمط لا يظهر عادة إلا في جلسات الضغط الحقيقي، حين يفضل أغلب المتعاملين الخروج أو تخفيف المراكز بدلًا من الدفاع عن الأسعار.
أما خريطة تعاملات المستثمرين فكانت الأكثر دلالة في جلسة اليوم. سجل المستثمرون الأجانب صافي بيع بقيمة 433.793 مليون جنيه، جاءت الغالبية العظمى منها من المؤسسات الأجنبية بصافي بيع 432.591 مليون جنيه، مقابل صافي بيع محدود للأفراد الأجانب بقيمة 1.201 مليون جنيه. وباع المستثمرون العرب أيضًا بصافي 15.116 مليون جنيه. في المقابل، اتجه المصريون إلى الشراء بصافي 448.909 مليون جنيه، لكن التفاصيل الداخلية مهمة: الأفراد المصريون اشتروا بقوة بصافي 565.468 مليون جنيه، محاولين اقتناص الأسعار المنخفضة، بينما باعت المؤسسات المصرية بصافي 116.558 مليون جنيه، لتنضم بذلك إلى المؤسسات الأجنبية في جانب البيع المؤسسي.
هذا الانقسام بين مؤسسات تبيع وأفراد يشترون يتكرر في جلسات الهبوط الحاد، وهو انقسام يحتاج إلى متابعة دقيقة حتى نهاية الجلسة، لأن استمرار الشراء الفردي وحده لا يكفي عادة لوقف النزيف إذا واصلت المؤسسات ضغطها بنفس الوتيرة في النصف الثاني من التعاملات.
الأسهم الأكثر حركة وإيقافات مؤقتة في البورصة المصرية
على مستوى الأسهم الفردية، واصل سهم شركة إم إن تي حالا MNT Halan تراجعه في ثالث أيام تداوله في البورصة، منخفضًا بنسبة 3.02% ليصل إلى 25.02 جنيه، بعد أن افتتح الجلسة عند 25.8 جنيه، مقتربًا بذلك من سعر الطرح البالغ 24.5 جنيه. أداء السهم في أيامه الأولى يخضع لمراقبة واسعة من المتعاملين، باعتباره أحد أكبر الطروحات الحديثة ومن الأسهم التي راهن عليها كثير من الأفراد عند الاكتتاب.
في المقابل، تصدر سهم قناة السويس لتوطين التكنولوجيا قائمة الرابحين بقفزة بلغت 18.96%، تلاه سهم مصر للأسواق الحرة مرتفعًا بنسبة 7.32%، ثم سهم سبينالكس بنسبة 6.93%. وعلى جانب الخاسرين، هبط سهم روبكس العالمية لصناعة البلاستيك والإكريليك بنسبة 9.99% مقتربًا من الحد الأقصى للهبوط، وتراجع سهم كرستمارك بنسبة 9.34%، وسهم مرسيليا المصرية الخليجية للاستثمار العقاري بنسبة 9.20%.
واضطرت إدارة البورصة إلى إيقاف التداول لمدة 10 دقائق على أسهم 8 شركات بعد تجاوزها حدود التحرك السعري البالغة 5% صعودًا أو هبوطًا، وهي: مصر للأسواق الحرة، وتايكون انفستمنتس هولدنج، وفرتيكا، وقناة السويس لتوطين التكنولوجيا، ومرسيليا، وروبكس العالمية، وكرستمارك، وهيبكو. كثرة الإيقافات في جلسة واحدة تعكس حدة التقلبات، حتى لو جاءت بعضها على أسهم صاعدة بقوة وليس فقط على الأسهم المتراجعة.
وكانت الجلسة قد بدأت أصلًا على تراجع، لكن بوتيرة أخف بكثير مما وصلت إليه بمنتصف التعاملات. فقد افتتحت السوق تعاملاتها على هبوط بنحو 1.01%، ثم تعمق التراجع إلى 1.65% عند مستوى 51,981 نقطة في التعاملات الصباحية مع خسارة في رأس المال السوقي بلغت 48.4 مليار جنيه، وهو ما تناولناه بالتفصيل في تغطيتنا الصباحية: تراجع البورصة في مستهل تعاملات الخميس. الفارق بين الصباح والمنتصف، نحو نقطة مئوية إضافية كاملة على المؤشر الرئيسي، يوضح أن البيع لم يهدأ مع مرور الوقت بل ازداد كثافة.
ولا يمكن فصل ما يحدث في القاهرة اليوم عن السياق الخارجي الضاغط. فقد تجاوز سعر خام برنت مستوى 112 دولارًا للبرميل، وتراجعت أسواق الأسهم الآسيوية على نطاق واسع، وقفز سعر الدولار أمام الجنيه متجاوزًا مستوى 55 جنيهًا بمنتصف اليوم في البنوك، وهي عوامل مجتمعة ترفع كلفة المخاطرة وتدفع المؤسسات إلى تقليص انكشافها على الأسواق الناشئة قبل أسبوع مزدحم بالقرارات، إذ يجتمع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي يومي 27 و28 أكتوبر، ويعقد البنك المركزي المصري اجتماع لجنة السياسة النقدية يوم 29 أكتوبر.
تحليل الفلوس
الرقم الأهم في جلسة اليوم ليس نسبة هبوط المؤشر، بل هوية البائع والمشتري. مؤسسات أجنبية تبيع بنحو 433 مليون جنيه ومؤسسات مصرية تبيع هي الأخرى، بينما يقف الأفراد المصريون وحدهم في جانب الشراء بنحو 565 مليون جنيه. تاريخيًا، الشراء الفردي في قلب موجة هبوط مؤسسية يشبه محاولة الإمساك بسكين ساقطة: قد ينجح إذا توقف البيع المؤسسي فجأة، لكنه يتحول إلى خسائر إضافية إذا استمر الضغط، لأن الأفراد لا يملكون عادة القدرة المالية على امتصاص موجات بيع متتالية بنفس الحجم. لذلك يبقى إغلاق اليوم، وليس منتصفه فقط، هو الحكم: هل تقلصت مبيعات الأجانب في الساعة الأخيرة أم تسارعت؟
العامل الثاني الذي لا يجب تجاهله هو التوقيت. السوق كان قد صعد أمس بنسبة 1.47%، وكثير من المراكز القصيرة فتحت عند مستويات مرتفعة، فجاءت جلسة اليوم كفرصة جني أرباح قبل عطلة نهاية الأسبوع وقبل أسبوع حاسم ينتظر فيه المتعاملون قرار الفيدرالي ثم قرار المركزي المصري بشأن الفائدة. فقدان مستوى 52 ألف نقطة نفسيًا وفنيًا يفتح الباب لاختبار مستويات أدنى إذا جاءت قرارات الأسبوع المقبل مخيبة أو إذا واصل الدولار صعوده أمام الجنيه بنفس الوتيرة، لأن ارتفاع الدولار يضغط مباشرة على تقييمات الأسهم المقومة بالجنيه في أعين المستثمر الأجنبي.
في المقابل، ليست الصورة سوداء بالكامل. سيولة تتجاوز 3.3 مليار جنيه في نصف جلسة تعني أن هناك مشتريًا موجودًا عند كل مستوى سعري، وأن ما يحدث أقرب إلى إعادة تسعير سريعة تحت ضغط خارجي منه إلى انهيار ثقة شامل. الأسبوع المقبل سيقدم الإجابة العملية: تماسك المؤشر فوق 51 ألف نقطة مع تراجع حدة المبيعات الأجنبية سيعني أن جلسة الخميس كانت تصحيحًا عنيفًا لكنه محدود، أما كسر هذا المستوى بإغلاق أسبوعي واضح فسيجعل أي ارتداد لاحق مجرد فرصة للبيع حتى يثبت العكس.







