رفض الخبير الاقتصادي الدكتور حسن الصادي أن يسمّي البورصة المصرية بورصة من الأساس. ففي حواره مع قناة «Egyptian Guidelines» ضمن حلقة «المستثمر المصري يعمل إيه؟»، قال الصادي لمحاوره: «من فضلك لا تسمِّها بورصة.. بالتعريف هي ليست بورصة»، مضيفًا أنه يمكن أن نطلق عليها سوق أوراق مالية، أما هو فيسميها «شبه سوق» للأوراق المالية. وحين سأله المحاور مستغربًا: شبه سوق؟ أجاب الصادي: «ده مش سوق»، ثم مضى يشخّص العلّة الأخطر من وجهة نظره: تضارب مصالح الرقيب نفسه، الذي كان في يوم من الأيام مالكًا لشركات سمسرة يعمل داخل السوق، ثم صار هو المشرف على هذا السوق.
«حين لا تكون اللوائح سليمة.. أنت لست في سوق، أنت في فوضى»
يبني حسن الصادي حكمه على تعريف بسيط لما يعنيه السوق: قواعد واحدة تسري على الجميع، ورقيب محايد لا مصلحة له في نتيجة اللعبة، ومعلومة تصل إلى المتعامل الصغير في الوقت نفسه الذي تصل فيه إلى الكبير. ويقول إنه «حين لا تكون اللوائح سليمة، فأنت لست في سوق.. أنت في فوضى». والبورصة، في هذا الفهم، ليست مبنى ولا شاشات أسعار ولا مؤشرًا يصعد ويهبط، بل هي منظومة ثقة: يدخل المستثمر أمواله وهو مطمئن إلى أن أحدًا لا يلعب من فوق الطاولة ولا من تحتها.
والصادي لا يتحدث من فراغ؛ فقد ذكر في الحوار نفسه أنه أجرى دراسة على الشركات المقيدة في السوق المصرية، وخلص فيها إلى مفارقة لافتة: أرباح التشغيل في قطاعات كاملة — كالصناعة والصحة والتعليم — كانت سلبية، أي أن النشاط الأساسي لهذه الشركات يخسر، بينما يظهر صافي الربح النهائي موجبًا بفضل أنشطة غير تشغيلية: فوائد تمويل، ومحافظ أوراق مالية، وبنود لا علاقة لها بالإنتاج. فإذا كانت شركات «السوق» لا تربح من عملها الحقيقي، فمن أين يربح السوق نفسه؟
الرقيب صاحب شركات السمسرة.. تضارب مصالح وتواطؤ مصالح
أقسى ما في تصريحات حسن الصادي هو حديثه عن الرقيب. يقول: «حين يتربّح الرقيب بشكل أو بآخر ممن يخضعون لرقابته — قبل ترك المنصب أو بعده — وحين يكون الرقيب في وقت ما مالكًا لشركات سمسرة ويعمل في السوق، ثم يصبح هو المشرف على السوق، فهو يشرف على مصالحه هو، ومصالح زملائه، ومصالح محاسيبه». ويصف الصادي دائرة الرقابة والسوق بأنها «شلة» صغيرة يدور أفرادها بين المناصب والشركات، تربطهم — كما قال ساخرًا — علاقات عمل وربما مصاهرة، ثم يلخّص المشهد في كلمتين: «تضارب مصالح.. تواطؤ مصالح».
ويضيف الصادي قاعدة رقابية يعرفها كل من عمل في الأسواق: حين تجد الرقيب يفكر أثناء منصبه في «أين سيعمل بعد أن يترك المنصب»، ويجهّز لنفسه مقعدًا لدى إحدى الجهات التي يراقبها، «فلا تنتظر منه خيرًا». فالمنظم الذي يعرف أن مستقبله المهني بعد المنصب عند الشركات الخاضعة لرقابته لن يكون حازمًا معها اليوم، وأسوأ قراراته ستكون هي القرارات التي لم يتخذها.
سوق تهيمن عليه أسهم معدودة.. وتخرج منه الشركات الكبيرة
ويدعم الواقعُ اليومي للتداول جانبًا من تشخيص حسن الصادي وإن لم يقله حرفيًا في هذا المقطع: فالمؤشر الرئيسي للبورصة المصرية تهيمن عليه حفنة من الأسهم الثقيلة، في مقدمتها سهم البنك التجاري الدولي الذي يستحوذ وحده على النصيب الأكبر من وزن المؤشر، بما يعني أن «صعود السوق» و«هبوطه» صارا في كثير من الأيام مرادفًا لحركة سهم أو سهمين. وفي المقابل، تتقلص قائمة الشركات المقيدة سنة بعد سنة؛ إذ خرجت شركات كبرى من السوق عبر عروض شراء إلزامية وشطب اختياري، بينما تتباطأ الطروحات الجديدة الحكومية والخاصة، فصار السوق أضيق من أن يعكس اقتصادًا بحجم الاقتصاد المصري.
وتكتمل الصورة بنوعية المتعاملين: تداولات يغلب عليها الأفراد والمضاربون قصيرو النفس، وحضور مؤسسي طويل الأجل — صناديق معاشات وتأمينات تستطيع أن تمسك الورقة لسنوات — أضعف بكثير مما تعرفه الأسواق المشابهة. فإذا اجتمع سوق ضيق، ورقيب تحوم حوله أسئلة تضارب المصالح التي أثارها الصادي، ومعلومة لا تتوزع بعدالة، صارت النتيجة هي ما وصفه بلا مواربة: مكان تُتداول فيه أوراق مالية، نعم؛ لكنه ليس سوقًا بالمعنى الذي تعرفه الكتب والأسواق الجادة.
ولم يكن حديث حسن الصادي عن المستثمر المصري في الحلقة نفسها منفصلًا عن هذا التشخيص؛ فحين سُئل أين يضع المصري ماله — عقار أم ذهب أم دولار أم بورصة — جاءت إجابته محمّلة بهذا الانطباع عن غياب الحماية داخل السوق المحلية، وهو ما تناولناه في مقالنا: حسن الصادي يجيب: المستثمر المصري يعمل إيه؟.
شاهد تصريحات د. حسن الصادي في الفيديو:
🎬 مقطع «دي مش بورصة.. ده شبه سوق!» على صفحة الفلوس: https://www.facebook.com/reel/933479686272034
الحوار كاملًا — حلقة «المستثمر المصري» على قناة Egyptian Guidelines: https://www.youtube.com/watch?v=F_RSQy0sRtM
تحليل الفلوس
تشخيص حسن الصادي، وإن بدا قاسيًا، يمسّ المشكلة البنيوية للبورصة المصرية: سوق قيمته السوقية متواضعة قياسًا إلى حجم الاقتصاد، وعدد شركاته المقيدة يتقلص منذ سنوات بخروج شركات كبرى عبر عروض شراء وشطب اختياري، وحصة الأفراد من التداول مرتفعة مقابل ضعف الحضور المؤسسي طويل الأجل. هذه كلها أعراض لسوق لا يتمتع بثقة المدخر المصري، والثقة لا تُشترى بحملات ترويج؛ تُبنى حين يرى المستثمر الصغير أن المعلومة الداخلية يعاقَب صاحبها، وأن قرارات الرقيب لا تحمل بصمات علاقات سابقة أو مجاملات قادمة.
ظاهرة «الباب الدوّار» — انتقال المسؤول من الرقابة إلى الشركات الخاضعة لها أو العكس — ليست مصرية خالصة، لكن الأسواق الجادة تعالجها بقواعد صارمة: فترات حظر بعد ترك المنصب، وإفصاحات إلزامية عن المصالح، وحظر امتلاك مسؤولي الرقابة أسهمًا أو حصصًا في جهات خاضعة لإشرافهم. وغياب مثل هذه الجدران النارية هو ما يحول النقد الذي وجهه الصادي من رأي تلفزيوني إلى سؤال إصلاحي مشروع: كم مسؤولًا رقابيًا انتقل بعد منصبه إلى شركة كان يراقبها؟ ومن يراجع هذا الملف؟
نصيحة الفلوس للمستثمر الفرد: لا تدع هذا النقد يبعدك عن السوق كليًا، لكن تعامل معه كما يتعامل الصادي نفسه — بوصفه سوقًا يحتاج إلى حذر مضاعف. اقرأ قوائم الشركات المالية وركّز على ربح التشغيل لا صافي الربح وحده؛ فحين تأتي أرباح «شركة صناعية» من محفظة أوراق مالية، فأنت لا تشتري مصنعًا بل تشتري صندوق مضاربة متنكرًا. وتجنب الأسهم ضعيفة السيولة التي تتحرك بأموال قليلة، ففي «شبه السوق» — كما يقول الصادي — يدفع الصغار عادة فاتورة اللعب الكبير.
📚 ملف الخبير: تابع كل تصريحات ومقالات د. حسن الصادي وسيرته الذاتية الكاملة في قسم خبراء الاقتصاد على موقع الفلوس.







