حسن الصادي: تعويم 2016 كان «انتحارًا اقتصاديًا» لا إصلاحًا.. عوّموا في ليلة من غير قاعدة إنتاجية

Published:

بعد قرابة عشر سنوات على قرار تحرير سعر الصرف في نوفمبر 2016، يعود الخبير الاقتصادي د. حسن الصادي ليضع القرار في مكانه الذي يراه صحيحًا في التاريخ الاقتصادي المصري، واصفًا حسن الصادي وتعويم 2016 بعبارة لا تحتمل التأويل: ما جرى كان «انتحارًا اقتصاديًا» لا إصلاحًا اقتصاديًا. ففي حواره مع «مصراوي»، قال حسن الصادي إن الجنيه عُوّم في يوم وليلة، من غير أن تُهيأ له الأرضية التي يقف عليها أي تعويم ناجح: لا اقتصاد مجهز، ولا قواعد إنتاجية قادرة على أن تستفيد من رخص العملة فتصدّر أكثر وتستورد أقل. والنتيجة، كما لخصها، أن الوعود التي صاحبت القرار لم تتحقق في الاتجاهين معًا؛ فلا الصادرات قفزت كما كان مأمولًا، ولا الواردات تراجعت كما كان مخططًا، بينما دفع المواطن الفاتورة كاملة في أسعار الغذاء، حتى إن كيلو اللحمة، في المقارنة التي ضربها الصادي مثلًا، ارتفع في مصر بنسب تتراوح بين 40 و50%، في وقت كانت أسعاره تتراجع في الخليج بنحو 40%.

ويكتسب هذا الحكم وزنًا إضافيًا اليوم الأحد 25 أكتوبر 2026، لأن سوق الصرف المصرية تعيش جولة جديدة من الضغط يعرفها المواطن من أول نظرة على شاشة البنك: فقد سجل سعر الدولار في البنك المركزي المصري 55.24 جنيه للشراء و55.38 جنيه للبيع مع عودة البنوك للعمل اليوم، بعد أن تجاوز الدولار مستوى 55 جنيهًا هذا الأسبوع، بينما استقر سعر الذهب عيار 21 عند 6285 جنيهًا للجرام. أي أن السؤال الذي طرحه حسن الصادي عن تعويم 2016 لم يعد سؤال تاريخ؛ إنه السؤال نفسه الذي يتجدد مع كل موجة: هل نعالج أزمة العملة بقرار سعر، أم ببناء اقتصاد ينتج ويصدّر؟

حسن الصادي وتعويم 2016: ماذا حدث في 3 نوفمبر؟

في الثالث من نوفمبر 2016 فاجأ البنك المركزي المصري الأسواق بقرار تحرير سعر صرف الجنيه تحريرًا كاملًا، واضعًا سعرًا استرشاديًا أوليًا عند 13 جنيهًا للدولار، مقابل سعر رسمي سابق عند 8.88 جنيه، مع رفع أسعار الفائدة 3% في اليوم نفسه. وكان القرار جزءًا من برنامج متفق عليه مع صندوق النقد الدولي أتاح لمصر قرضًا بقيمة 12 مليار دولار، وكان هدفه المعلن القضاء على السوق الموازية التي كان الفارق فيها عن السعر الرسمي يتجاوز أحيانًا تسعة جنيهات كاملة، واستعادة تدفقات العملة الصعبة إلى القنوات الرسمية.

لكن الصدمة لم تتوقف عند رقم 13 جنيهًا؛ فقد واصل الدولار صعوده في الأسابيع التالية حتى سجل نحو 19.13 جنيه في 20 ديسمبر 2016، أي ما يقارب ضعف السعر الرسمي قبل القرار، قبل أن يستقر الجنيه لفترة حول 18.5 جنيه. ومع هذا الهبوط الحاد في قيمة العملة قفزت أسعار السلع المستوردة ومكونات الإنتاج المستوردة دفعة واحدة، وانتقل الأثر سريعًا إلى الغذاء والنقل والدواء، لأن الاقتصاد المصري كان – وما زال إلى حد كبير – يعتمد على الخارج في نسبة كبيرة من طعامه ووقوده ومدخلات صناعته. وهنا بالضبط يضع حسن الصادي إصبعه: التعويم أداة تنجح حين تكون الصادرات جاهزة للانطلاق والواردات قابلة للاستبدال محليًا، فإذا غاب الشرطان تحولت الأداة إلى صدمة أسعار خالصة.

«عوّموا في يوم وليلة من غير ما يهيئوا الاقتصاد»

قلب نقد حسن الصادي لتعويم 2016 ليس رفض التعويم كمبدأ، بل توقيته وطريقته. فهو يرى أن القرار اتُّخذ دفعة واحدة، في يوم وليلة، قبل أن تُبنى القواعد الإنتاجية التي تجعل انخفاض العملة فرصة لا كارثة. فالمصنع الذي يستورد خاماته وماكيناته بالدولار لا يستفيد من جنيه أرخص؛ بل ترتفع تكلفته هو الآخر، والمصدّر الذي يعاني أصلًا من الطاقة والتمويل والبيروقراطية لا يضاعف صادراته لمجرد تغير سعر الصرف، والمزارع الذي يعتمد على أسمدة ومبيدات وأعلاف مستوردة ينقل الزيادة فورًا إلى سعر الغذاء.

ولهذا جاءت المفارقة التي ركز عليها الصادي في حواره: كيلو اللحمة في مصر ارتفع، بحسب مثاله، بين 40 و50%، بينما تراجعت أسعار اللحوم في الخليج بنحو 40% في الفترة نفسها تقريبًا. الفارق بين التجربتين ليس سعر الصرف وحده؛ دول الخليج التي قارن بها تستورد غذاءها أيضًا، لكن عملاتها مربوطة بالدولار فلم تنهار قيمتها، وقدرتها الشرائية الخارجية ظلت ثابتة، بينما في مصر تضاعفت تكلفة الاستيراد بالعملة المحلية وانعكست على كل سلعة تصل إلى مائدة المواطن. المقارنة، في منطق الصادي، ليست جلدًا للذات بقدر ما هي قياس لكلفة قرار اتُّخذ بلا شبكة أمان إنتاجية أو اجتماعية.

لا الصادرات زادت كما وُعدنا.. ولا الواردات قلت

الوعد النظري لأي تعويم واضح: عملة أرخص تعني صادرات أرخص في الخارج فتزيد، وواردات أغلى في الداخل فتقل، فيتحسن الميزان التجاري وتدخل العملة الصعبة. أما الحصيلة التي يتحدث عنها حسن الصادي فهي أن المعادلة لم تعمل بهذه البساطة في الحالة المصرية؛ فالصادرات لم تحقق القفزة الموعودة لأن مشكلتها لم تكن السعر وحده، بل الطاقة الإنتاجية والجودة والتمويل وسلاسل الإمداد، والواردات لم تنخفض بالقدر المطلوب لأن أغلبها سلع لا غنى عنها – قمح ووقود وزيوت وخامات ودواء – لا يستطيع مستوردها أو مستهلكها الاستغناء عنها مهما ارتفع سعرها، فيدفع الفرق ويمرره إلى المستهلك الأخير.

وحين لا تزيد الصادرات ولا تقل الواردات، يبقى من القرار وجهه المؤلم فقط: تضخم مستورد يقضم الدخول الحقيقية، ومدخرات بالجنيه تفقد قيمتها، وأسر تعيد ترتيب أولوياتها من الأساسيات إلى ما هو دون الأساسيات. ولعل أخطر ما في تجربة 2016 أنها أسست لقاعدة نفسية ما زالت تحكم سلوك المصريين حتى أكتوبر 2026: كلما تحرك الدولار، هرع الناس إلى الذهب والعملة الصعبة حماية لمدخراتهم، وهو ما يفسر جزئيًا لماذا يقف عيار 21 اليوم عند 6285 جنيهًا رغم تراجع الأوقية عالميًا دون 4000 دولار في إغلاق الأسبوع الماضي؛ فالطلب المحلي على الملاذ الآمن لا يتحرك بمعزل عن ذاكرة التعويمات المتتالية.

ماذا يعني درس حسن الصادي لجيب المواطن اليوم؟

عمليًا، يعني هذا الدرس أن المواطن يجب أن يقرأ أي حديث جديد عن «مرونة سعر الصرف» بعيون 2016 لا بعيون البيانات الصحفية: السؤال الأول ليس كم سيصبح الدولار، بل ما خطط حماية الإنتاج والغذاء والدواء التي تسبق القرار وترافقه. ويعني أيضًا أن قرارات الأسر – توقيت شراء الاحتياجات المعمرة، وتنويع المدخرات، والحذر من الاقتراض بفوائد متغيرة – يجب أن تُبنى على افتراض أن موجات الصرف تنتقل إلى الأسعار خلال أسابيع، لا على أمل أنها لن تفعل. أما على مستوى السياسة العامة، فالرسالة التي يكررها الصادي بأشكال مختلفة في حواراته كلها واحدة: لا إصلاح نقديًا يصمد فوق اقتصاد لا ينتج؛ السعر الصحيح للعملة تصنعه المصانع والمزارع والموانئ قبل أن تعلنه شاشات البنوك.

تحليل الفلوس

في «تحليل الفلوس» نرى أن قسوة وصف «الانتحار الاقتصادي» مقصودة من حسن الصادي لذاتها؛ فهو لا يناقش رقمًا فنيًا بل يعيد محاكمة فلسفة كاملة حكمت ملف الصرف لعقد كامل: فلسفة أن تحريك السعر وحده إصلاح، وأن السوق سيتكفل ببقية المعادلة. وتجربة ما بعد نوفمبر 2016 تقدم مادة دسمة لهذه المحاكمة فعلًا؛ إذ تحقق بعض أهداف القرار المعلنة – اختفت السوق الموازية فترة، وعاد الاحتياطي الأجنبي للبناء، وانتظم برنامج الصندوق – لكن بثمن اجتماعي باهظ وبغير التحول الإنتاجي الذي كان وحده كفيلًا بجعل التضحية استثمارًا لا خسارة. الفرق بين الإصلاح والانتحار، بمعيار الصادي، هو ما يحدث للصادرات والواردات والإنتاج بعد القرار، لا ما يحدث لسعر الصرف في يومه الأول.

ومع ذلك، يقتضي الإنصاف التذكير بأن بديل «عدم التعويم» في خريف 2016 لم يكن جنة مستقرة؛ فقد كان الاحتياطي تحت ضغط، والسوق الموازية تلتهم الفارق، والتمويل الدولي مشروطًا. النقاش الحقيقي إذن ليس بين التعويم وعدمه، بل بين تعويم متدرج مهيأ بإجراءات إنتاجية وحماية اجتماعية مسبقة، وتعويم صادم في ليلة واحدة. وهنا تصمد حجة الصادي في أقوى صورها: التهيئة هي الإصلاح، والقرار وحده مجرد إعلان عنه. ومن يتابع سعر الدولار عند 55.24 جنيه اليوم في أكتوبر 2026 يدرك أن الدرس لم يُستوعب بالكامل بعد؛ فالاقتصاد ما زال يسأل من أين تأتي العملة الصعبة كلما ضغطت فاتورة الاستيراد، وما زال الجواب الأسرع هو تحريك السعر لا توسيع القاعدة الإنتاجية.

ما يجب أن يراقبه القارئ في المرحلة المقبلة ثلاثة مؤشرات تحسم صدق أي مسار جديد: نمو الصادرات غير البترولية فعليًا لا خطابيًا، واتجاه فاتورة الواردات الغذائية والطاقية، والفارق بين زيادات الأسعار المُدارة والدخول الحقيقية للأسر. إذا تحركت هذه المؤشرات معًا في الاتجاه الصحيح، سيكون أي تحرك في سعر الصرف جزءًا من إصلاح مكتمل الأركان. أما إذا تحرك السعر وحده، فسيظل وصف حسن الصادي لتعويم 2016 حاضرًا بوصفه تحذيرًا مبكرًا لا حكمًا على الماضي فقط: من يعوّم بلا إنتاج، يدفع الثمن مرتين – مرة في سعر العملة، ومرة في سعر اللحمة.

المصدر: شاهد الحوار كاملًا / الخبر الأصلي: مصراوي


📚 ملف الخبير: تابع كل تصريحات ومقالات د. حسن الصادي وسيرته الذاتية الكاملة في قسم خبراء الاقتصاد على موقع الفلوس.

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربهhttps://elfolos.com
أحمد عبد ربه — صحفي وإعلامي مصري، ومؤسس ورئيس تحرير موقع الفلوس (ELFOLOS). درس الإعلام والصحافة في جامعتي القاهرة وطنطا، ويعمل مديرًا لمنتدى الحوار من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. يكتب ويشرف على تغطية الاقتصاد المصري: أسعار الذهب والدولار، البنوك وشهادات الادخار، البورصة، والسياسات الاقتصادية، بهدف تبسيط المعلومة المالية للمواطن المصري.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img