في لقائه الشهير على قناة بي بي سي عربي في برنامج «بتوقيت مصر» مع الإعلامية نسمة السعيد، وهو اللقاء الذي بُث في 7 أغسطس 2026 ثم حُذف من منصات القناة، وضع الخبير الاقتصادي د. حسن الصادي إصبعه على ما يعتبره الفجوة الأخطر في ملف التضخم في مصر: الفجوة بين الرقم الرسمي الذي تعلنه الحكومة، وبين الأسعار التي يدفعها المواطن فعليًا كل صباح. قال حسن الصادي بصراحة نادرة على شاشة دولية إن الحكومة تتحدث عن معدل تضخم عند 11.9%، بينما رغيف العيش والسلع الأساسية في السوق ارتفعت بنسب تتراوح بين 20 و40%، متسائلًا بسخرية موجعة: «انت اللي بتتسبب في التضخم.. مين هيصدقك؟ بس الصندوق عايز يصدقك».
ولم يكن كلام حسن الصادي عن التضخم في مصر مجرد انطباع. فقد تزامن اللقاء مع موجات متتالية من رفع الأسعار المُدارة حكوميًا، ومع شعور عام في الشارع بأن «الرقم الرسمي» يعيش في بلد آخر غير البلد الذي يتسوق فيه الناس. واليوم، بعد أكثر من شهرين على ذلك اللقاء المحذوف، تعود أرقام الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لتؤكد أن الضغط لم ينته؛ إذ أعلن الجهاز أن معدل التضخم السنوي لإجمالي الجمهورية ارتفع إلى 12.8% في سبتمبر 2026، مقابل 12.7% في أغسطس، مع قفزة شهرية بلغت 1.5% ووصول الرقم القياسي العام لأسعار المستهلكين إلى 294.2 نقطة، وفق البيانات الرسمية الصادرة في أكتوبر 2026 والمُتحقق منها حتى اليوم 24 أكتوبر 2026. فإذا كان الرقم «الرسمي» نفسه عاد للصعود، فماذا عن الرقم الذي يشعر به المواطن في سلة غذائه وسكنه ومواصلاته؟
حسن الصادي: «مين هيصدقك؟ بس الصندوق عايز يصدقك»
بنى حسن الصادي هجومه على أرقام التضخم الرسمية على مقارنة بسيطة ومباشرة يعرفها كل بيت مصري. قال الخبير الاقتصادي إن الحكومة تعلن أن التضخم 11.9%، بينما سعر العيش ارتفع بنسب تتراوح بين 20 و40%، وأسعار الكهرباء زادت بنحو 12%، وتحولت اللحوم والفراخ في نظر ملايين الأسر إلى سلع «كمالية واستفزازية»، أي سلع لم تعد من أساسيات المائدة بل من رفاهيات تُستفز بها مشاعر الناس حين يرون أسعارها. وحين تصبح البروتينات الأساسية رفاهية، فإن أي حديث عن تضخم «أحادي الرقم تقريبًا» يفقد معناه عند المواطن مهما كانت دقة المنهجية الإحصائية وراءه.
والنقطة الأعمق في نقد حسن الصادي هي المسؤولية: فهو يرى أن الحكومة نفسها هي من يصنع جانبًا كبيرًا من التضخم حين ترفع أسعار الطاقة والكهرباء والخدمات المُدارة بأسعار رسمية، ثم تعود لتعلن أرقام تضخم منخفضة نسبيًا كأن هذه الزيادات لم تحدث أو كأن أثرها لا ينتقل إلى كل سلعة وخدمة في السوق. أما عبارة «الصندوق عايز يصدقك» فتلخص، في رأي الصادي، معضلة التقييم الدولي؛ فصندوق النقد الدولي، الشريك في برنامج الإصلاح الجاري، يحتاج – بحسب هذا الطرح – إلى قصة نجاح يقدمها لمجلسه ودائنيه، فيميل إلى تصديق المسار الرسمي للأرقام ما دامت المؤشرات الكلية تتحرك في الاتجاه المطلوب، بينما يبقى اختبار الشارع اليومي غائبًا عن جداول المراجعات الدورية.
التضخم في مصر بالأرقام الحديثة: ما وراء الرقم الإجمالي؟
مشكلة الرقم الإجمالي للتضخم أنه «متوسط» يخفي تحته عوالم مختلفة تمامًا من الأسعار، وهذا بالضبط ما تكشفه تفاصيل بيانات سبتمبر 2026. فبينما يقف المعدل السنوي العام عند 12.8%، سجلت أسعار السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود ارتفاعًا سنويًا بلغ 29.6%، وقفز الإيجار الفعلي للمسكن بنسبة 27.5%، وأسعار الكهرباء والغاز ومواد الوقود بنسبة 22.6%، والنقل والمواصلات بنسبة 21.3%، والتعليم بنسبة 20%. هذه ليست سلعًا ترفيهية؛ هذه هي بنود الإنفاق التي لا تستطيع أي أسرة حذفها من ميزانيتها مهما ضغطت على نفسها.
وفي سلة الغذاء، ارتفعت أسعار الخضروات بنسبة 30.9% على أساس سنوي، وبنسبة 15.1% في شهر واحد فقط هو سبتمبر، كما زادت أسعار الطعام والمشروبات بنسبة 3.2% شهريًا و7.9% سنويًا، واللحوم والدواجن بنسبة 2.5% في شهر و6.2% في سنة. بعبارة أخرى: الأسرة التي يتركز إنفاقها في الأكل والسكن والمواصلات والكهرباء – وهي غالبية الأسر المصرية – تعيش معدل تضخم فعليًا أعلى بكثير من 12.8%، لأن أوزان سلة إنفاقها مختلفة عن أوزان السلة الإحصائية العامة. هنا يلتقي نقد حسن الصادي مع الأرقام الرسمية نفسها؛ فالفجوة التي تحدث عنها في أغسطس ليست اختراعًا خطابيًا، بل يمكن قراءتها داخل بيانات الجهاز المركزي ذاته حين تُفكك إلى مكوناتها.
لماذا لا يشعر المواطن برقم التضخم الرسمي أبدًا؟
هناك أسباب فنية معروفة تجعل الرقم الرسمي دائمًا «أبرد» من تجربة السوق: أوزان السلع في سلة القياس لا تطابق إنفاق كل أسرة، وبعض الأسعار المُدارة تُحتسب آثارها على دفعات، وأثر المقارنة بسنة أساس مرتفعة الأسعار أصلًا يجعل النسبة السنوية تبدو أصغر حتى لو كانت الأسعار ما زالت تصعد من مستوى مؤلم. لكن حسن الصادي يضيف إلى هذه الأسباب الفنية سببًا سياسيًا واجتماعيًا: الثقة. فحين ترفع الحكومة أسعار الكهرباء والوقود بيد، ثم تحتفي بانخفاض التضخم باليد الأخرى، يتعلم المواطن أن يصدق فاتورته لا البيان الصحفي، وتتحول كل الأرقام الرسمية – حتى الصحيح منها منهجيًا – إلى مادة للتشكيك.
وخطورة فقدان الثقة في أرقام التضخم في مصر أنها لا تبقى داخل نشرات الإحصاء؛ فهي تتسلل إلى قرارات الناس اليومية: من يشك في استقرار الأسعار يشتري أكثر مما يحتاج خوفًا من زيادة قادمة، ومن يخزن سلعة يرفع الطلب عليها اليوم، ومن يملك مالًا يهرب به إلى الذهب أو الدولار بدل تركه في الجنيه، وكلها سلوكيات تصنع مزيدًا من الضغط على الأسعار والعملة، أي مزيدًا من التضخم ذاته الذي تنفيه البيانات المطمئنة.
ماذا يعني جدل حسن الصادي حول التضخم لجيب المواطن؟
عمليًا، يعني هذا الجدل أن على الأسرة المصرية أن تخطط بميزانيتها على أساس تضخم سلتها الخاصة لا الرقم الإجمالي المعلن: من ينفق نصف دخله على الغذاء والسكن والمواصلات يواجه – وفق بيانات سبتمبر 2026 – زيادات سنوية بين 20 و30% في بنوده الأساسية، وهذا هو المعدل الذي يجب أن تُبنى عليه قرارات الادخار والاقتراض وشراء الاحتياجات المؤجلة. ويعني أيضًا أن متابعة الإصدارات الشهرية للجهاز المركزي، وقرارات لجان تسعير الوقود وتعريفة الكهرباء، لم تعد ترفًا إخباريًا بل أدوات تخطيط شخصي، لأن الزيادات المُدارة أصبحت هي المحرك الأول لموجات الغلاء التالية في كل شيء تقريبًا.
تحليل الفلوس
قوة طرح حسن الصادي في هذا الملف أنه لا يناقش رقمًا برقم، بل يناقش فلسفة الرقم نفسه: من يصنع التضخم؟ ومن يقيسه؟ ومن المستفيد من تصديقه؟ وحين تكون الدولة هي أكبر رافع للأسعار المُدارة وأكبر معلن لأرقام انخفاضها في الوقت نفسه، يصبح التشكيك رد فعل عقلانيًا لا مجرد مزاج شعبي. والمفارقة أن بيانات سبتمبر 2026 الرسمية تمنح نقد الصادي سندًا لم يكن متاحًا يوم اللقاء؛ فحتى الرقم الإجمالي عاود الصعود إلى 12.8%، ومكونات السلة الأساسية – سكن وطاقة ونقل وتعليم وخضروات – تسجل زيادات بين 20 و31%، أي داخل النطاق نفسه الذي تحدث عنه الصادي حين قارن بالعيش والكهرباء واللحوم.
لكن الإنصاف يقتضي أيضًا القول إن تراجع التضخم من ذرواته التاريخية بعد أزمة 2023 و2024 حقيقي في اتجاهه العام، وإن جزءًا من الفجوة بين الرقم والشعور سببه أن الأسعار «لا تنخفض» حتى حين يتباطأ معدل زيادتها؛ فالتضخم المنخفض يعني غلاءً أبطأ، لا رخصًا عائدًا. المشكلة الحقيقية إذن مزدوجة: مستوى أسعار استقر عند قمم مؤلمة، وخطاب رسمي يحتفي بتباطؤ الزيادة كأنه تحسن في المعيشة. وبين هذين الحدين تضيع المصداقية، وهي عملة لا تقل أهمية عن الجنيه في أي برنامج إصلاح.
ما يجب أن يتابعه القارئ في الشهور المقبلة ثلاثة مؤشرات: مسار التضخم الشهري لا السنوي فقط، لأنه أول من يكشف الموجات الجديدة؛ وتوقيت وحجم أي زيادات قادمة في الوقود والكهرباء، لأنها الشرارة التي تسبق إعادة تسعير كل شيء؛ والفارق بين تضخم الغذاء والسكن من جهة والرقم الإجمالي من جهة أخرى، لأنه المقياس الأصدق لما تعيشه الأغلبية. إذا ضاق هذا الفارق فعلًا، سيبدأ الناس في تصديق الأرقام دون أن يطلب منهم أحد ذلك. أما إذا اتسع، فسيبقى سؤال حسن الصادي معلقًا فوق كل بيان رسمي: «مين هيصدقك؟»
المصدر: شاهد اللقاء كاملًا / الخبر الأصلي: لقاء بتوقيت مصر على بي بي سي عربي (حذفته القناة) — تحليل للحلقة
📚 ملف الخبير: تابع كل تصريحات ومقالات د. حسن الصادي وسيرته الذاتية الكاملة في قسم خبراء الاقتصاد على موقع الفلوس.







