قناة السويس تحقق أعلى إيرادات منذ 2024.. والتصعيد في الخليج يهدد العودة

Published:

بعد أكثر من عامين من النزيف، عادت قناة السويس لتسجيل أرقام تذكّر المصريين بزمن ما قبل الأزمة: إيرادات الربع الثاني من 2026 بلغت 1.26 مليار دولار، بزيادة تتراوح بين 13 و14.5% عن الربع الأول الذي سجل نحو 1.1 مليار دولار، وهو أعلى مستوى ربع سنوي منذ الربع الأول من 2024، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (CAPMAS) التي نقلها موقع كيميت بيزنس في سبتمبر الماضي.

الأرقام الشهرية تحكي القصة نفسها: يونيو الماضي سجل 446 مليون دولار مقابل 414 مليون دولار في مايو، وهو أعلى مستوى شهري منذ يناير 2024. وفي الأشهر السبعة الأولى من 2026، جمعت القناة 2.88 مليار دولار، بزيادة 29% عن الفترة نفسها من 2025، وفق ما نقلته “مزيد نيوز” في 13 سبتمبر الماضي.

التعافي ليس في الدولارات وحدها. عدد السفن العابرة في الربع الثاني بلغ 3,580 سفينة، بزيادة 7.7% عن الربع الأول (3,324 سفينة)، والحمولات الصافية قفزت 18.3% إلى نحو 169 مليون طن مقابل 142.9 مليون طن في الربع الأول. وبالمقارنة السنوية، ارتفع عدد السفن 16.5% والحمولات 37.9% عن الربع الثاني من 2025 — أرقام تبدو كبداية نهاية الكابوس الذي بدأ مع هجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر أواخر 2023.

«بانكوك ميرسك».. إشارة عودة الكبار إلى قناة السويس

أقوى علامات التعافي جاءت في أواخر أغسطس الماضي، عندما عبرت سفينة الحاويات العملاقة “بانكوك ميرسك” قناة السويس للمرة الأولى — حدث لم يكن ليمر مرور الكرام بالنسبة لشركات الشحن العالمية، لأن كبرى شركات الحاويات كانت قد حوّلت مساراتها حول رأس الرجاء الصالح منذ بداية الأزمة، مضيفة أسابيع وملايين الدولارات إلى كلفة الرحلات.

رئيس هيئة قناة السويس الفريق أسامة ربيع كان قد حدّد مستهدفًا واضحًا لعام 2026: نحو 8 مليارات دولار من الإيرادات، لكنه ربط ذلك صراحة بشرط واحد — استقرار الأوضاع في البحر الأحمر. والشرط نفسه الذي فتح الباب للتعافي، هو الذي قد يُغلقه اليوم.

للتذكير بحجم ما خسرته مصر: ربيع نفسه قال إن عبور السفن وإيرادات القناة انخفضا بنحو 50% خلال عامي 2024 و2025 مجتمعين مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة. القناة التي كانت تدرّ نحو 10 مليارات دولار سنويًا في أفضل أوقاتها، تحوّلت إلى مصدر نزيف في أحد أهم موارد النقد الأجنبي للدولة. لذلك كان لكل عشرات ملايين الدولارات الإضافية في أرقام الربع الثاني معنى سياسي واقتصادي يتجاوز الحسابات المحاسبية.

تصعيد 8 أكتوبر.. النفط يقفز والقناة في مرمى النيران

ما حدث اليوم — الأربعاء 8 أكتوبر 2026 — قلب المعادلة رأسًا على عقب. ناقلة نفط تعرضت لهجوم قبالة سواحل قطر، وفق هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (UKMTO)، في وقت صعّد فيه الحوثيون هجماتهم على السعودية، بينما كشفت صحيفة وول ستريت جورنال أن البيت الأبيض طلب من البنتاغون خيارات لضرب إيران، نقلًا عن مجلة “ذا أتلانتك”.

رد فعل الأسواق كان فوريًا: أسعار النفط قفزت بنحو 4% وتجاوز خام برنت 104 دولارات للبرميل. والأخطر من أسعار النفط نفسها هو ما تعنيه هذه التطورات لحركة الملاحة: الحوثيون يسيطرون عمليًا على الساحل اليمني للبحر الأحمر ومضيق باب المندب — المدخل الجنوبي لقناة السويس — وأي تصعيد واسع في الخليج سيدفع شركات التأمين والشحن إلى إعادة حساباتها من جديد.

التقديرات التي نقلتها “مزيد نيوز” في سبتمبر الماضي عن الخبراء تبدو اليوم أكثر واقعية من أي وقت: في حال اتساع التصعيد، قد تهبط حركة العبور إلى 40% فقط من المستويات الطبيعية. أي أن مكاسب الربع الثاني — بكل ما تحمله من أرقام قياسية نسبية — قد تتبخر في أسابيع.

المفارقة المؤلمة أن مخاوف إغلاق مضيق هرمز في وقت سابق من هذا العام كانت قد دفعت جزءًا من حركة الشحن نحو قناة السويس كبديل آمن نسبيًا، ما ساهم في أرقام التعافي. اليوم، التصعيد يهدد المضيقين معًا: هرمز في الخليج، وباب المندب عند مدخل القناة. لا يوجد ممر آمن للاختباء فيه هذه المرة.

الأمر لا يتوقف عند القناة: أي اضطراب جديد في البحر الأحمر سينعكس مباشرة على أسعار الشحن العالمية، ومنها إلى أسعار السلع المستوردة في السوق المصرية — في وقت لا تزال فيه الحكومة تحارب التضخم وتحاول تثبيت الأسعار. التفاصيل الكاملة لسيناريوهات التصعيد في باب المندب وانعكاساتها على القناة وأسعار الوقود في مصر تناولناها بالتفصيل في تقريرنا السابق عن معركة باب المندب.

لماذا تخشى القاهرة هذه الموجة بالذات؟

السياق المالي يجعل التوقيت حرجًا. احتياطي النقد الأجنبي لدى البنك المركزي سجل مستوى قياسيًا عند 57.348 مليار دولار، وإيرادات القناة المتعافية كانت أحد روافد هذا الرقم — إلى جانب تحويلات المصريين بالخارج والسياحة. أي انتكاسة في إيرادات القناة ستضرب مباشرة قدرة الدولة على تغطية فاتورة الاستيراد وتمويل احتياجاتها الدولارية.

ثم هناك المستهدف السنوي: 8 مليارات دولار لعام 2026. بتحقيق 2.88 مليار في الأشهر السبعة الأولى، كانت القناة تحتاج إلى تسارع قوي في الربعين الثالث والرابع للاقتراب من الرقم. التصعيد الحالي لا يهدد التسارع فقط، بل يهدد القاعدة نفسها — فشركات الشحن لا تنتظر وقوع الكارثة، بل تتحوط قبلها بأسابيع، وقرارات التحويل حول رأس الرجاء الصالح تُتخذ على أساس توقعات المخاطر لا على أساس الحوادث الفعلية.

ومن يريد فهم أعمق لدور القناة في الاقتصاد المصري ككل — من النقد الأجنبي إلى الموازنة العامة — يمكنه الرجوع إلى تحليلنا الشامل لتأثير قناة السويس على الاقتصاد المصري.

تحليل الفلوس

القصة الحقيقية هنا ليست أرقام الربع الثاني الجميلة، بل هشاشتها. القناة لم تتعافَ لأن المشكلة حُلّت، بل لأن المشكلة هدأت مؤقتًا. الحوثيون لم يغادروا باب المندب، وشركات التأمين لم تنسَ، والفرق بين 1.26 مليار دولار في الربع الثاني وعودة النزيف هو قرار سياسي واحد في طهران أو صنعاء أو واشنطن. مصر بنت جزءًا من انتعاش احتياطيها القياسي على افتراض ضمني بأن الهدوء سيستمر — واليوم يختبر السوق هذا الافتراض بقسوة.

الدرس الذي يجب أن تخرج به القاهرة من 2024-2025 لم يُستوعب بعد: إيرادات القناة مورد سيادي لا تملك مصر مفاتيحه وحدها. خمسون بالمئة من الإيرادات تبخرت بقرارات تُتخذ في عواصم أخرى، واليوم التاريخ يعيد نفسه بنفس السيناريو تقريبًا. الرهان العاقل ليس على عودة الـ8 مليارات، بل على تنويع مصادر النقد الأجنبي بسرعة أكبر — لأن المرة القادمة التي يهبط فيها العبور إلى 40% من الطبيعي، لن يكون هناك “تعافٍ تدريجي” ينتظر في الأفق، بل أزمة عملة جديدة.

ما يجب مراقبته في الأيام المقبلة ثلاثة مؤشرات لا غير: أولًا، إعلانات شركات الشحن الكبرى (ميرسك وMSC وهاباج لويد) عن مساراتها — فهي تتحرك قبل الحكومات. ثانيًا، أرقام العبور الشهرية التي ستصدرها هيئة القناة عن أكتوبر — فهي الحكم الفعلي لا التصريحات. ثالثًا، أي تطور عسكري حول باب المندب أو مضيق هرمز — فهو الزناد الذي سيحدد إن كانت أرقام الربع الثاني بداية عودة حقيقية أم مجرد استراحة محارب قبل جولة جديدة من الخسائر.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img