محافظ البنك المركزي يعلن مؤشرًا جديدًا للجنيه بسلة عملات وذهب.. ويدافع عن تحرك الدولار فوق 55 جنيهًا

Published:

أعلن حسن عبد الله، محافظ البنك المركزي المصري، يوم الخميس 22 أكتوبر 2026، أن البنك سيبدأ العمل بمؤشر جديد للجنيه المصري تحت اسم مؤشر الجنيه، يعتمد على سلة من العملات والذهب لقياس أداء العملة المحلية، في خطوة قال إنها تعكس طبيعة الاقتصاد المصري بشكل أدق من ربط التقييم بالدولار وحده. جاء الإعلان خلال جلسة «موارد النقد الأجنبي وإدارة الدين» ضمن فعاليات منتدى مصر 2026، بحسب ما نقلته «إيجي إن»، وفي يوم شهد فيه سعر الدولار قفزة كبيرة تجاوز بها حاجز 55 جنيهًا رسميًا لأول مرة.

المحافظ دافع في الجلسة نفسها عن سياسة سعر الصرف المرن، مؤكدًا الالتزام الكامل بها، ومشددًا على أن تحرك العملة في الأيام الأخيرة طبيعي في ظل الظروف المحيطة بمصر. الرسالة كانت مزدوجة: البنك يريد تغيير عدسة الحكم على الجنيه، ولا يرى في عبور الدولار 55 جنيهًا سببًا للعودة إلى تثبيت السعر.

مؤشر الجنيه الجديد: سلة عملات وذهب بدل الدولار وحده

شرح حسن عبد الله فكرة المؤشر الجديد بأن مصر ليست دولة مصدرة للنفط حتى يكون من المنطقي ربط عملتها بالدولار وحده أو الحكم عليها من خلال سعرها أمام العملة الأمريكية فقط. الجنيه، بحسب هذا الطرح، يتحرك أمام سلة واسعة من الشركاء التجاريين والعملات، ولذلك يحتاج قياس أدائه الحقيقي إلى مؤشر يجمع عملات رئيسية إلى جانب الذهب، بما يعطي صورة أقرب إلى القوة الشرائية والتنافسية الفعلية للعملة، لا صورة مشوهة يصنعها صعود الدولار عالميًا أو هبوطه وحده.

وضرب المحافظ مثالًا عمليًا لتوضيح الفكرة، فقال إن الجنيه ارتفع بنسبة 100% أمام الليرة التركية، كما ارتفع أمام اليورو والجنيه الإسترليني، لكن المواطن لا يشعر بهذه التحركات ولا تتصدر حديث السوق، بينما ينصب الاهتمام كله على سعر الدولار. هذا التباين، من وجهة نظر البنك المركزي، هو بالضبط ما يعالجه المؤشر الجديد: حين يضعف الجنيه أمام الدولار لكنه يقوى أمام عملات أخرى مهمة في التجارة والاستيراد، فإن الحكم عليه بالتراجع الشامل يكون حكمًا ناقصًا، وحين يقوى أمام الجميع فالصورة تختلف تمامًا.

البنك لم يعلن أوزان السلة ولا موعد النشر الدوري للمؤشر ولا مستوى الأساس الذي سيحتسب منه، وهي تفاصيل فنية سيتوقف عليها مدى قدرة السوق على استخدام الرقم الجديد فعليًا، بدل الاكتفاء برقم واحد هو سعر الدولار في البنوك.

الدولار يكسر 55 جنيهًا ومؤشر الجنيه يولد في يوم صعب

تزامن الإعلان مع يوم استثنائي في سوق الصرف. فقد قفز الدولار يوم الخميس 22 أكتوبر 2026 بما يتراوح بين 88 و92 قرشًا حتى إغلاق التعاملات، متجاوزًا مستوى 55 جنيهًا رسميًا لأول مرة. وفي البنك الأهلي المصري أغلق السعر عند 55.25 جنيه للشراء و55.35 جنيه للبيع، مقارنة مع 54.33 جنيه للشراء و54.43 جنيه للبيع في بداية اليوم، أي أن العملة الأمريكية كسبت نحو 92 قرشًا في ساعات معدودة داخل أكبر بنك حكومي في البلاد.

وخلال جلسة التداول نفسها، رصدت وكالة رويترز الأسعار في منتصف اليوم عند المستويات ذاتها تقريبًا، إذ سجل البنك الأهلي 55.25 جنيه للشراء و55.35 جنيه للبيع، وبنك مصر 55.23 جنيه للشراء و55.33 جنيه للبيع، والبنك التجاري الدولي 55.25 جنيه للشراء و55.35 جنيه للبيع. وذكرت رويترز في سياق المقارنة أن الجنيه كان قد سجل 46.64 جنيه للدولار في 16 فبراير الماضي، وهو أفضل مستوى له في نحو عامين، قبل أن تبدأ موجة التراجع التي أعقبت الضربات على إيران في فبراير وما تبعها من ضغوط على الأسواق الناشئة وموارد النقد الأجنبي.

تفاصيل إغلاق الخميس كاملة، وأسعار الشراء والبيع في البنوك الكبرى لحظة بلحظة، رصدها تقرير الفلوس عن سعر الدولار الذي أغلق عند 55.37 جنيهًا يوم الخميس، وهو الإغلاق الذي جعل حديث المحافظ عن مرونة السعر اختبارًا عمليًا فوريًا: فالبنك المركزي لم يتدخل لوقف الحركة، وترك السعر يعكس الضغوط كما تقضي السياسة المعلنة منذ شهور.

دفاع صريح عن سعر الصرف المرن وأدوات تحوط جديدة

قال حسن عبد الله نصًا إن «سعر الصرف يتحرك استجابة للظروف المتغيرة المحيطة بمصر»، مضيفًا أن ما يجب أن يقلق الناس فعلًا هو أن يبقى سعر الصرف ثابتًا بينما تتغير الظروف من حوله. بهذه العبارة قلب المحافظ منطق القلق الشائع رأسًا على عقب: الثبات في زمن المتغيرات، لا الحركة، هو الخطر، لأنه يعني تراكم ضغوط تنفجر لاحقًا في قفزة واحدة كبيرة كما حدث في تجارب سابقة عرفها المصريون جيدًا ودفعوا ثمنها في أسعار السلع والذهب.

وفي ملف إدارة المخاطر، كشف المحافظ أن البنك يعمل على تطوير عقود تحوط ضد تقلبات أسعار الصرف، وأن العمل الخاص بالعقود المستقبلية قد انتهى. هذه الأدوات، إن طرحت بشروط واضحة، تسمح للمستورد والمصدر بتثبيت تكلفة العملة الأجنبية لآجال قادمة مقابل تكلفة محسوبة، بدل ترك كل عملية استيراد رهينة لسعر يوم الشحن، وتكمّل سياسة المرونة ولا تناقضها.

كما يأتي حديث المرونة قبل أيام من اجتماع لجنة السياسة النقدية المقرر يوم الخميس 29 أكتوبر 2026، وهو أول اجتماع بعد بيانات تضخم أكثر هدوءًا نسبيًا. فقد أبقى البنك المركزي في اجتماعه السابق في 24 سبتمبر على أسعار الفائدة دون تغيير عند 19% للإيداع لليلة واحدة و20% للإقراض و19.5% لسعر العملية الرئيسية، بينما تراجع التضخم السنوي العام في سبتمبر إلى 13.9% من 14.5% في أغسطس، وانخفض التضخم الأساسي إلى 14.1% من 14.9%، وهي أرقام تمنح اللجنة مساحة نقاش أوسع، لكن قفزة الدولار الأخيرة ستكون حاضرة بقوة على طاولة الاجتماع.

احتياطي قياسي عند 57.3 مليار دولار يخفف حدة المشهد

في المقابل، يستند البنك في دفاعه عن المرونة إلى وسادة احتياطي أقوى. فقد سجل احتياطي النقد الأجنبي مستوى قياسيًا عند 57.3 مليار دولار في سبتمبر 2026، بحسب أرقام المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المنشورة يوم الخميس 22 أكتوبر 2026. هذا الرقم لا يلغي ضغوط السوق، لكنه يغير طبيعة المخاطرة: فالمرونة مع احتياطي قياسي تختلف عن المرونة مع احتياطي مستنزف، لأن قدرة البنك على تلبية الطلبات الحقيقية تبقى قائمة حتى في أيام الضغط.

الصورة الكاملة لمكونات هذا الاحتياطي تناولها حصاد الاقتصاد في الفلوس عن احتياطي 57.3 مليار دولار، وهي الخلفية التي تجعل البنك واثقًا وهو يدافع عن ترك السعر يتحرك.

تحليل الفلوس

مؤشر الجنيه القائم على سلة عملات وذهب يغير طريقة الحكم على العملة أكثر مما يغير قيمتها نفسها. فبدل سؤال واحد يتكرر كل صباح، وهو كم بلغ الدولار اليوم، سيصبح بالإمكان سؤال أدق: هل ضعفت القوة التنافسية للجنيه فعلًا، أم أن الدولار نفسه صعد أمام العالم كله؟ إذا نشر البنك المؤشر بانتظام وبأوزان معلنة وبيانات تاريخية مفتوحة، فسيملك الباحث والمستثمر والصحفي أداة لفصل أثر مصر عن أثر العالم، وستفقد موجات الهلع التي تثيرها قفزة يومية في سعر بنك واحد جزءًا من قوتها، لأن الصورة الأوسع ستكون متاحة بالأرقام لا بالانطباعات.

لكن ما لا يغيره المؤشر الجديد هو ما يشعر به المواطن في السوق فعلًا. أسعار السلع المستوردة والوقود ومدخلات الإنتاج في مصر تسعر في غالبيتها بالدولار، ولذلك فإن عبور الدولار مستوى 55 جنيهًا سيصل أثره إلى الأسعار سواء صعد مؤشر الجنيه أم هبط، ما دام الاستيراد بالدولار هو القاعدة. كذلك لن يقنع المؤشر تاجرًا دفع فاتورته بسعر أعلى هذا الأسبوع بأن عملته قوية أمام الليرة التركية. قيمة المؤشر الحقيقية إذن في التقييم والسياسة والتوقعات، لا في إنكار أثر سعر الدولار اليومي على معيشة الناس، وأي استخدام له لتجميل صورة التراجع أمام الدولار سيفقده مصداقيته سريعًا.

الاختبار الأقرب لكل هذا الخطاب سيكون اجتماع لجنة السياسة النقدية يوم الخميس 29 أكتوبر 2026. فمن جهة، تراجع التضخم في سبتمبر إلى 13.9% والأساسي إلى 14.1% يدفع نحو التثبيت المريح أو حتى التفكير في الخفض لاحقًا، ومن جهة أخرى فإن قفزة الدولار بنحو 92 قرشًا في يوم واحد تفرض الحذر، لأن أثرها التضخمي يظهر عادة بعد أسابيع في أسعار السلع. ما يجب مراقبته ليس قرار الفائدة وحده، بل لغة البيان المصاحب: هل سيذكر البنك مؤشر الجنيه الجديد بوصفه مرجعًا لتقييم العملة، وهل ستطرح عقود التحوط والعقود المستقبلية للسوق بجدول معلن؟ عندها فقط سيتحول إعلان الخميس من رسالة طمأنة في يوم صعب إلى أدوات تعمل فعلًا في السوق.

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربهhttps://elfolos.com
أحمد عبد ربه — صحفي وإعلامي مصري، ومؤسس ورئيس تحرير موقع الفلوس (ELFOLOS). درس الإعلام والصحافة في جامعتي القاهرة وطنطا، ويعمل مديرًا لمنتدى الحوار من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. يكتب ويشرف على تغطية الاقتصاد المصري: أسعار الذهب والدولار، البنوك وشهادات الادخار، البورصة، والسياسات الاقتصادية، بهدف تبسيط المعلومة المالية للمواطن المصري.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img