أغلقت وول ستريت جلسة الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 على تراجع طفيف، في يوم اتسم بالحذر الشديد قبل ساعات من صدور بيانات التضخم الأمريكية لشهر سبتمبر، وبينما كان المستثمرون يقيّمون أول نتائج موسم أرباح الربع الثالث التي جاءت متباينة من كبرى البنوك. وخسر مؤشر داو جونز الصناعي 180.45 نقطة بما يعادل 0.35% ليغلق عند 51670.10 نقطة، بينما تراجع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بمقدار 1.79 نقطة فقط أو 0.02% ليغلق عند 7805.45 نقطة، أي أنه ظل قريبًا جدًا من مستوياته القياسية. أما مؤشر ناسداك المجمع ففقد 41.52 نقطة أو 0.15% ليغلق عند 27204.38 نقطة، وتراجع مؤشر راسل 2000 للشركات الصغيرة بنسبة 0.39%، في جلسة غلب عليها الترقب أكثر من البيع الحقيقي.
أرقام إغلاق وول ستريت يوم الثلاثاء: خسائر محدودة ومؤشرات قرب القمم
الصورة العامة لإغلاق الأسهم الأمريكية يوم الثلاثاء لا توحي بذعر، بل بوقفة محسوبة. فمؤشر ستاندرد آند بورز 500 لم يبتعد عمليًا عن مستواه القياسي، وخسارته التي لم تتجاوز نقطتين تعني أن السوق لم يغيّر رأيه في شيء بعد، بل قرر الانتظار حتى يرى رقم التضخم صباح الأربعاء. وداو جونز تحمل الجزء الأكبر من الخسارة بسبب تراجع أسهم ثقيلة الوزن فيه، في مقدمتها كاتربيلر التي هبطت بنحو 3.5% وضغطت وحدها على المؤشر بشكل واضح، إضافة إلى تراجع أسهم البنوك الأربعة الكبرى مجتمعة رغم أن نتائجها لم تكن سيئة في مجملها.
ناسداك من جانبه تأثر باستمرار الضغط على أسهم الرقائق والذاكرة لليوم الثاني على التوالي. واللافت أن مؤشر راسل 2000 للشركات الصغيرة، الأكثر حساسية لأسعار الفائدة، تراجع بنسبة أكبر نسبيًا عند 0.39%، ما يعكس حساسية هذا القطاع لأي مفاجأة تضخمية قد تدفع الفيدرالي إلى تشديد إضافي في ديسمبر.
عوائد السندات والدولار والذهب والنفط: هدوء ما قبل الرقم الأهم
في سوق السندات، تراجع عائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات بمقدار 0.03 نقطة مئوية إلى 5.216%، وانخفض عائد الثلاثين عامًا بمقدار 0.04 نقطة مئوية إلى 5.562%، بينما ارتفع عائد العامين بمقدار 0.002 نقطة مئوية إلى 4.791%، وفق وول ستريت جورنال. هذه المستويات مرتفعة تاريخيًا، وتجعل أي مفاجأة تضخمية قادرة على تحريك الأسواق بعنف، لأن تكلفة الاقتراض عندها تضغط على تقييمات الأسهم والمستهلك الأمريكي معًا.
أما مؤشر الدولار آي سي إي فتراجع بنسبة 0.4% إلى 102.19 نقطة، متراجعًا عن أعلى مستوى له في 18 شهرًا المسجل الاثنين عند نحو 102.58 نقطة. وفي السلع، أغلق خام برنت منخفضًا 0.9% عند 105.69 دولار للبرميل، وتراجع الذهب 0.3% إلى 4152.90 دولار للأوقية، بينما هبطت الفضة 1.6%. تحركات محدودة تؤكد أن المتعاملين اختاروا تقليص المخاطرة والانتظار قبل بيانات الأربعاء.
موسم أرباح البنوك الكبرى: أرقام قوية وسوق غير راضٍ
انطلق موسم نتائج الربع الثالث رسميًا مع إعلان البنوك الكبرى نتائجها. بنك جي بي مورجان سجل أرباحًا بلغت 15.3 مليار دولار، ارتفاعًا من 14.4 مليار دولار في الفترة نفسها من العام الماضي، لكن النتيجة جاءت دون توقعات المحللين، إذ قابل ضعف نشاط الخدمات المصرفية الاستثمارية أداء أقوى في نشاط التداول. وبنك جولدمان ساكس من جانبه حقق نموًا في الأرباح مدفوعًا بقفزة كبيرة في إيرادات تداول الأسهم بلغت 72% على أساس سنوي، وهو رقم يعكس حجم التقلبات والنشاط في الأسواق خلال الربع.
المفارقة أن أسهم البنوك الأربعة الكبرى أغلقت جميعها على انخفاض رغم هذه الأرقام، وكان سهم سيتي جروب الأسوأ بتراجع نحو 5.5%. وخارج القطاع المصرفي، هبط سهم جونسون آند جونسون بنحو 6% بعدما جاءت مبيعات وحدة التكنولوجيا الطبية ميدتك دون التوقعات، بينما تباينت تحركات يونايتد هيلث ودومينوز، إذ ارتفع سهم دومينوز بنحو 5% بعد النتائج. رسالة السوق واضحة: مع الأسهم قرب قمم قياسية والعوائد فوق 5.2%، لا يكفي أن تكون النتائج جيدة، بل يجب أن تتفوق على توقعات مرتفعة أصلًا.
أسهم الرقائق والذاكرة تواصل النزيف لليوم الثاني بعد اختراق صيني
واصلت أسهم شركات الذاكرة والرقائق تراجعها لليوم الثاني على التوالي، بعد إعلان شركة سي إكس إم تي الصينية خلال عطلة نهاية الأسبوع عن اختراق في إنتاج شرائح الذاكرة، وهو تطور أثار مخاوف من تسارع المنافسة الصينية في قطاع ظلت الشركات الأمريكية والكورية مهيمنة عليه. وهبط سهم ميكرون بنحو 3.62%، بينما تراجع سهم سانديسك بنسبة 0.34% فقط، وانخفض صندوق المؤشرات المتداولة المتخصص في الذاكرة درام بنسبة 3.5% بعد هبوطه 4.5% يوم الاثنين.
والأوسع من ذلك أن صندوقي فان إيك وآي شيرز لأشباه الموصلات تراجعا لستة أيام متتالية، وهي أطول سلسلة خسائر لهما منذ مايو 2025، بحسب وول ستريت جورنال. وزاد من حدة المخاوف تحذير إيلون ماسك من أن الشركات الصينية قد توسع إنتاج الذاكرة بوتيرة أسرع مما يتوقعه كثيرون. وإذا صحت هذه القراءة، فهوامش ربح شركات الذاكرة الغربية، المستفيدة من طفرة الذكاء الاصطناعي، قد تواجه ضغطًا حقيقيًا خلال الفصول المقبلة.
عشية بيانات التضخم: السوق ينتظر 3.6% ومؤشر ثقة الشركات الصغيرة يتراجع
الحدث الذي يهيمن على كل ما سبق هو بيانات مؤشر أسعار المستهلكين لشهر سبتمبر، المقرر صدورها صباح الأربعاء 14 أكتوبر في الساعة 8:30 بتوقيت شرق الولايات المتحدة. ويتوقع الاقتصاديون الذين استطلعت وول ستريت جورنال آراءهم أن يرتفع التضخم العام إلى 3.6% على أساس سنوي، صعودًا من 3.4% في أغسطس. أي أن التوقعات نفسها تفترض تسارعًا جديدًا في الأسعار، وهو ما يجعل هامش المفاجأة الصعودية أخطر من المعتاد: فإذا جاء الرقم أعلى من 3.6%، فسيكون من الصعب على الفيدرالي تبرير أي تيسير قريب، وستعيد الأسواق تسعير احتمال رفع جديد للفائدة في ديسمبر.
وفي بيانات أخرى صدرت الثلاثاء، تراجع مؤشر تفاؤل الشركات الصغيرة الصادر عن الاتحاد الوطني للأعمال المستقلة بمقدار 0.8 نقطة في سبتمبر إلى 97.9 نقطة، في انعكاس لضغوط التكاليف وارتفاع أسعار الاقتراض على شريحة واسعة من الاقتصاد الحقيقي. فبينما تصمد الشركات الكبرى قرب القمم، تبدو الشركات الصغيرة أقل قدرة على امتصاص عوائد فوق 5% لفترات طويلة.
تحليل الفلوس
ما حدث في وول ستريت مساء الثلاثاء ليس خبرًا أمريكيًا بعيدًا عن القاهرة، بل هو الإشارة الأولى لما قد يحدث في الأسواق المصرية صباح الخميس. فإذا جاءت بيانات التضخم الأمريكية أعلى من 3.6% المتوقعة، ستعود رهانات رفع الفيدرالي للفائدة في ديسمبر إلى الواجهة بقوة، وسيرتفع الدولار وعوائد السندات الأمريكية من مستويات مرتفعة أصلًا، وهو مزيج يضغط تقليديًا على الذهب عالميًا وعلى عملات الأسواق الناشئة ومنها الجنيه المصري، الذي أغلق الثلاثاء قرب 52.90 جنيه للدولار. وفي هذه الحالة قد يفتح الذهب في مصر على تراجع أو تذبذب حاد، وتستقبل البورصة المصرية جلسة الخميس بضغوط بيعية خاصة في الأسهم القيادية المرتبطة بتدفقات الأجانب.
والسيناريو المعاكس لا يقل أهمية: رقم تضخم أهدأ من التوقعات سيعني أن ضغوط الأسعار الأمريكية لا تتسارع كما خشي السوق، فتتراجع العوائد والدولار، ويلتقط الذهب أنفاسه، وتحصل الأسواق الناشئة على نافذة ارتياح قد تدعم الجنيه وتفتح شهية المستثمرين الأجانب مجددًا قبل جلسة الخميس. لكن يجب الانتباه إلى أن التوقعات نفسها عند 3.6% مرتفعة، فحتى تحقيقها دون مفاجأة يعني تضخمًا يبتعد عن هدف الفيدرالي البالغ 2%، ولا يمنح البنك المركزي الأمريكي رفاهية خفض سريع للفائدة.
أخيرًا، تستحق نتائج البنوك الأمريكية وقفة من زاوية مصرية: فحين تحقق أكبر بنوك العالم أرباحًا قياسية من التداول بينما تتراجع أسهمها وتهبط ثقة الشركات الصغيرة إلى 97.9 نقطة، فالسؤال الحقيقي هو ما إذا كان المستهلك والائتمان في أمريكا سيصمدان تحت عوائد تتجاوز 5.2% أم أن التشققات بدأت تظهر. أي تصدع في الائتمان الأمريكي ينتقل عادة إلى شهية المخاطرة العالمية خلال أيام، ومصر، باحتياجها المستمر لتدفقات الأموال الساخنة واستثمارات المحافظ، من أكثر الأسواق حساسية لهذا الانتقال. لذلك فإن رقم الأربعاء، ورد فعل العوائد والدولار عليه، هو ما يجب أن يراقبه المستثمر المصري قبل أي قرار شراء أو بيع هذا الأسبوع.







