أعلن عمر رضوان، رئيس مجلس إدارة البورصة المصرية، أن إجمالي عدد المستثمرين الجدد الذين انضموا إلى سوق الأوراق المالية بلغ 550 ألف مستثمر منذ بداية العام الجاري 2026، في رقم غير مسبوق يعكس إقبالاً جماهيرياً واسعاً على الاستثمار في الأسهم. جاء ذلك خلال كلمته في مؤتمر «Money Made Simple» ظهر اليوم الاثنين 5 أكتوبر 2026 بمكتبة الإسكندرية، بحسب ما نقلته جريدة حابي.
مستثمر جديد كل 45 ثانية.. ومليون مستثمر خلال عامين
وقال رضوان إن البورصة المصرية تمكنت من جذب مستثمر جديد كل 45 ثانية خلال عام 2026، وهو معدل يوضح حجم التسارع في انضمام الأفراد للسوق. ولفت إلى أن البورصة قامت بتكويد 300 ألف مستثمر جديد خلال العام الماضي 2025، بينما بلغ إجمالي ما أضافته البورصة من مستثمرين جدد نحو مليون مستثمر خلال عامين فقط.
وتكشف هذه الأرقام عن تحول هيكلي في قاعدة المستثمرين بالسوق المصرية، التي كانت لسنوات طويلة حكراً على المؤسسات وكبار المستثمرين، قبل أن تبدأ موجة التجزئة في التوسع تدريجياً مع تسهيل إجراءات التكويد والتداول عبر التطبيقات الرقمية.
البورصة تصعد 30% منذ بداية العام.. والسيولة تتدفق
يأتي هذا الإقبال الجماهيري متزامناً مع أداء قوي لمؤشرات السوق؛ إذ صعد المؤشر الرئيسي للبورصة المصرية EGX30 بنحو 30% منذ بداية عام 2026، متداولاً حالياً قرب مستوى 53.7 ألف نقطة، رغم التراجع الجماعي الذي شهدته جلسة اليوم الاثنين بنسبة 0.39%.
ويرى متابعون للسوق أن الصعود القوي للمؤشر لعب دوراً محورياً في جذب صغار المدخرين، خاصة مع تراجع العوائد الحقيقية على أدوات الدخل الثابت بعد تثبيت البنك المركزي لأسعار الفائدة، واشتعال المنافسة بين البنوك على شهادات الادخار التي وصلت عوائدها إلى 19.5% في بعض البنوك.
لماذا يتجه المصريون إلى البورصة الآن؟
هناك عدة عوامل تفسر هذا التدفق غير المسبوق للمستثمرين الأفراد على البورصة المصرية:
أولاً: البحث عن عائد حقيقي. مع استقرار التضخم عند مستويات مرتفعة نسبياً، يبحث المدخرون عن أدوات تحقق عائداً يتجاوز معدل ارتفاع الأسعار، والأسهم المصرية التي صعدت 30% هذا العام تبدو خياراً جذاباً مقارنة بالشهادات البنكية.
ثانياً: سهولة الدخول. أصبح تكويد المستثمر الجديد وفتح حسابات التداول يتم إلكترونياً خلال دقائق عبر تطبيقات شركات السمسرة، بعدما كان يتطلب إجراءات ورقية معقدة وزيارات للفروع.
ثالثاً: الطروحات الحكومية والخاصة. برنامج الطروحات الحكومية وطروحات الشركات الخاصة جذبت اهتماماً إعلامياً واسعاً، وشجعت شرائح جديدة على تجربة الاستثمار في الأسهم لأول مرة.
رابعاً: الثقافة المالية المتنامية. انتشار المحتوى التوعوي حول الاستثمار عبر المنصات الرقمية ساهم في كسر حاجز الخوف لدى فئات واسعة من الشباب والموظفين.
خارطة طريق للمستثمر الجديد: من أين تبدأ؟
لمن يفكر في اللحاق بهذه الموجة، الخطوة الأولى هي «التكويد» — الحصول على كود موحد للتداول في البورصة المصرية، وهي عملية أصبحت تتم إلكترونياً عبر شركات السمسرة المرخصة من الهيئة العامة للرقابة المالية خلال أيام قليلة. بعد التكويد، يفتح المستثمر حساب تداول لدى إحدى شركات السمسرة ويودع المبلغ الذي يريد استثماره.
وينصح الخبراء من يفتقد الخبرة بالبدء عبر صناديق الاستثمار في الأسهم، التي يديرها محترفون وتوزع المخاطر على سلة من الأسهم بدلاً من سهم واحد، أو عبر الأسهم القيادية ذات التوزيعات النقدية المنتظمة. كما يمكن متابعة أسعار الأسهم ومؤشرات السوق لحظياً عبر الموقع الرسمي للبورصة المصرية. والقاعدة الذهبية التي يجمع عليها الجميع: استثمر فقط ما يمكنك تحمل خسارته، ولا تقترض أبداً للتداول في الأسهم.
تحذير مهم: البورصة ليست شهادة ادخار
ورغم الحماس الكبير، يحذر خبراء السوق من التعامل مع الأسهم بعقلية «الشهادة البنكية»، فالبورصة أداة استثمارية متقلبة بطبيعتها، وما صعد 30% في تسعة أشهر قد يتراجع بنسب كبيرة في أسابيع، كما حدث في جلسة اليوم التي تراجع فيها المؤشر جماعياً.
وينصح الخبراء المستثمرين الجدد بعدم وضع كل مدخراتهم في الأسهم، والبدء بمبالغ صغيرة، والتركيز على الشركات ذات الأساسيات القوية والأرباح المستدامة، وتجنب المضاربات اليومية والشائعات التي تنتشر عبر مجموعات التواصل الاجتماعي.
تحليل الفلوس
رقم الـ550 ألف مستثمر جديد ليس مجرد إحصائية احتفالية لرئيس البورصة؛ إنه مؤشر على تحول عميق في سلوك المدخر المصري. لسنوات، كان الذهب والعقار والشهادات البنكية هي الملاذات الثلاثة شبه الوحيدة للمدخرات، أما اليوم فيدخل مئات الآلاف سوق الأسهم بحثاً عن عائد يعوض تآكل القوة الشرائية. هذا التحول صحي على مستوى الاقتصاد الكلي لأنه يضخ سيولة في الشركات المدرجة ويدعم التمويل عبر سوق رأس المال بدلاً من الاعتماد الكامل على البنوك، لكنه يحمل في طياته خطراً حقيقياً: غالبية هؤلاء المستثمرين الجدد دخلوا السوق في ذروة صعود، دون خبرة بدورات الهبوط.
الدرس الأهم من تجارب الأسواق الناشئة أن موجات التجزئة الكبيرة تنتهي غالباً بخسائر موجعة لصغار المستثمرين عندما يأتي التصحيح، لأنهم يدخلون متأخرين ويخرجون مذعورين. الفارق هذه المرة قد يصنعه شيئان: استمرار برنامج الطروحات الذي يمنح السوق عمقاً وسيولة حقيقية، ونجاح البورصة في تحويل هؤلاء المستثمرين من مضاربين يوميين إلى مستثمرين طويلي الأجل عبر التوعية. من يفكر في الدخول الآن عليه أن يتذكر قاعدة بسيطة: البورصة تكافئ الصبورين وتعاقب المتسرعين، والـ30% التي صعدها المؤشر هذا العام ليست وعداً بتكرارها العام المقبل.
ما يجب مراقبته في الشهور المقبلة: هل يستمر معدل التكويد بهذه الوتيرة أم يتباطأ مع أي تصحيح سعري؟ وهل تترجم هذه القاعدة الجماهيرية الجديدة إلى سيولة مستدامة وطروحات ناجحة، أم تتحول إلى ضغط بيعي عند أول هزة؟ الإجابة ستحدد ما إذا كان 2026 عام التحول الحقيقي للبورصة المصرية أم مجرد موجة حماس عابرة.
المصدر: جريدة حابي (تصريحات عمر رضوان رئيس البورصة المصرية بمؤتمر Money Made Simple بمكتبة الإسكندرية، 5 أكتوبر 2026).







