أكد البنك الدولي استمرار تحسن الوضع المالي لمصر، مشيرًا إلى أن عجز الموازنة العامة انخفض إلى 5.3% من الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة من يوليو إلى مايو من العام المالي 2025/2026، مقارنة بـ6.5% في الفترة المماثلة من العام السابق، وذلك ضمن إصداره الدوري عن الآفاق الاقتصادية الذي يصدر مرتين سنويًا بالتزامن مع اجتماعات الربيع والاجتماعات السنوية لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
نمو الناتج المحلي 5.1% خلال العام المالي المنتهي في يونيو 2026
أضاف التقرير أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي سجل نموًا بنسبة 5.1% خلال العام المالي الأخير المنتهي في يونيو 2026، مدفوعًا بشكل أساسي بارتفاع الاستهلاك الخاص والاستثمار، إلى جانب أداء قوي في قطاعات التصنيع غير النفطي والسياحة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
وأشار التقرير إلى أن مصر أظهرت مرونة ملحوظة في مواجهة التداعيات الاقتصادية للصراع الإقليمي، حيث سمحت السلطات بمرونة سعر الصرف للحفاظ على الاحتياطيات، ورفعت أسعار الوقود والكهرباء مع تعزيز برامج الحماية الاجتماعية، كما نجحت في جذب تدفقات رأسمالية وتأمين إمدادات الطاقة.
تحسن الحساب الجاري وتراجع عجز الموازنة
وعلى صعيد الحساب الخارجي، تحسن أداء الميزان الجاري خلال الفترة من يوليو إلى مارس من العام المالي 2025/2026، مدعومًا بتحويلات المصريين العاملين بالخارج التي بلغت نحو 8% من الناتج المحلي الإجمالي، وإيرادات السياحة التي سجلت نحو 3%، بالإضافة إلى تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وتمويل المؤسسات الدولية، مما عوض جزئيًا اتساع العجز في الميزان التجاري للسلع.
أما على الجانب المالي، فقد انخفض عجز الموازنة العامة إلى 5.3% من الناتج المحلي خلال يوليو–مايو 2025/2026 مقارنة بـ6.5% في الفترة نفسها من العام السابق، مدعومًا بارتفاع الإيرادات وتحسين تحصيل ضريبة القيمة المضافة وضريبة الدخل.
قطاع الصناعات النفطية وقناة السويس.. إشارات إيجابية
أكد التقرير أن قطاع الصناعات النفطية حقق نموًا في الربع الرابع من العام المالي 2025/2026، مدعومًا بتسوية المتأخرات المستحقة لشركات النفط العالمية حتى يونيو 2026، كما سجلت حركة الملاحة في قناة السويس أول نمو سنوي لها منذ العام المالي 2023/2024 — وهي إشارة مهمة على بدء تعافي أحد أهم موارد العملة الصعبة للدولة.
تثبيت الفائدة للشهر السادس وتوقعات التضخم
وأشار التقرير إلى قرار البنك المركزي المصري استقرار أسعار الفائدة دون تغيير في أغسطس 2026 للشهر السادس على التوالي، حيث بلغ سعر الإيداع لليلة واحدة 19% وسعر الإقراض 20%، بعد خفض تراكمي بلغ 825 نقطة أساس بين أبريل 2025 وفبراير 2026.
وعلى صعيد الحساب الجاري، توقع التقرير أن يتسع العجز بشكل محدود إلى 4.7% من الناتج المحلي في العام المالي 2025/2026، قبل أن يتراجع تدريجيًا إلى 3.4% بحلول العام المالي 2027/2028.
توقعات العجز والدين العام خلال العامين المقبلين
وتوقع التقرير استمرار تحسن الوضع المالي، مع انخفاض عجز الموازنة إلى 6.5% من الناتج المحلي في العام المالي 2026/2027 ثم إلى 5.7% في العام التالي، وتراجع نسبة الدين العام إلى 76.3% ثم 74.5% على التوالي — وهي أرقام تعكس مسارًا تدريجيًا نحو استدامة مالية أكبر إذا التزمت الحكومة بضبط الإنفاق ومواصلة الإصلاحات.
ماذا تعني هذه الأرقام للمواطن المصري؟
بعيدًا عن لغة التقارير الدولية، هذه الأرقام تحمل دلالات مباشرة: تراجع عجز الموازنة يعني أن الدولة تنفق أكثر انضباطًا وتقلل اعتمادها على الاقتراض، وهو ما يخفف الضغط على أسعار الفائدة على المدى المتوسط. أما نمو الناتج 5.1% المدعوم بالتصنيع والسياحة والاتصالات فيعني فرص عمل أكبر في القطاعات المنتجة، لا في المضاربات.
كذلك فإن تحسن الحساب الجاري — بدعم تحويلات المصريين بالخارج (8% من الناتج) والسياحة — يعني تدفقات عملة صعبة مستقرة تدعم الجنيه وتخفف الضغط على الاحتياطيات، وهو ما يلمسه المواطن في استقرار أسعار الصرف وأسعار السلع المستوردة.
تحليل الفلوس
تقرير البنك الدولي هذه المرة ليس مجرد إشادة دبلوماسية، بل شهادة اعتماد دولية لمسار الإصلاح الاقتصادي المصري قبل أيام من الاجتماعات السنوية للصندوق والبنك الدولي. عندما يقول البنك إن عجز الموازنة تراجع من 6.5% إلى 5.3% في أقل من عام، فهو يؤكد أن إجراءات ضبط المالية العامة بدأت تؤتي ثمارها فعلًا — وهي الرسالة التي كانت الأسواق والمستثمرون ينتظرونها.
لكن القراءة الدقيقة للتقرير تكشف أن التحسن ما زال هشًا ومشروطًا: العجز في الحساب الجاري مرشح للاتساع إلى 4.7% قبل أن يتحسن، والدين العام ما زال فوق 76% من الناتج. النجاح الحقيقي لن يُقاس بتقارير الربيع والخريف، بل باستمرار الحكومة في المسار نفسه: توسيع القاعدة الضريبية دون إرهاق المواطن، وتعميق الصناعة لرفع الصادرات، واستغلال تعافي قناة السويس كمصدر مستدام للدولار. المؤشرات الحالية جيدة — والمهم ألا تضيع في احتفالات التقارير بدل ترجمتها إلى خفض فعلي في تكلفة المعيشة.
المصدر: تقرير البنك الدولي عن الآفاق الاقتصادية لمصر (أكتوبر 2026) عبر مصر اليوم وأخبار 5.







