صادرات الطباعة والتغليف والورق المصرية تقفز 23% إلى 867 مليون دولار في 9 أشهر.. والتغليف يقود النمو

Published:

قفزت صادرات الطباعة والتغليف والورق المصرية بنسبة 23% خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، لتسجل 867 مليون دولار مقابل 707 ملايين دولار في الفترة نفسها من عام 2025، بزيادة قدرها 160 مليون دولار، بحسب ما أعلنه المجلس التصديري للطباعة والتغليف والورق اليوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026، في بيانات نقلتها جريدة حابي. الرقم لا يخص قطاعًا هامشيًا كما قد يوحي اسمه، بل صناعة تقف خلف كل منتج مصري يصل إلى رفوف الأسواق الخارجية، من علبة الدواء إلى كرتونة الغذاء المصدر، ولذلك تستحق قراءته بتفصيله الكامل، لا كرقم عابر في نشرة صادرات.

صادرات الطباعة والتغليف والورق بالأرقام: 867 مليون دولار في تسعة أشهر

تفصيل الزيادة يوضح أين جاء النمو بالضبط. قطاع التغليف، وهو الأكبر حجمًا داخل المنظومة، سجل صادرات بقيمة 545.6 مليون دولار خلال الفترة من يناير إلى سبتمبر 2026، مقابل 438.05 مليون دولار في الفترة المقابلة من 2025، بنمو 25%، أي أنه وحده أضاف أكثر من 107 ملايين دولار، واستحوذ على نحو 63% من إجمالي صادرات القطاعات الثلاثة. هذا الوزن ليس صدفة؛ فالتغليف هو الحلقة التي تلمس كل سلعة أخرى تقريبًا، وكل توسع في صادرات الغذاء والزراعة والدواء ومستحضرات التجميل يجر معه طلبًا مباشرًا على عبوات وكرتون ومواد تعبئة منتجة محليًا أو مصدرة بذاتها إلى أسواق المنطقة.

قطاع الورق جاء ثانيًا بصادرات بلغت 295.2 مليون دولار، مقابل 240.8 مليون دولار في الأشهر التسعة الأولى من 2025، بنمو 23% يوازي تقريبًا معدل نمو المنظومة كلها، وبزيادة مطلقة تقترب من 54.4 مليون دولار. أما قطاع الطباعة والكتب فبقي شبه ثابت عند 26.6 مليون دولار مقابل 26.3 مليون دولار، بنمو لا يتجاوز 1%، وهو رقم يجب قراءته بصراحة كما هو: القطاع الذي يحمل اسم المنظومة تاريخيًا هو اليوم أضعف حلقاتها نموًا وأصغرها حجمًا، بفارق هائل عن التغليف الذي يتجاوز عشرين ضعف حجمه. الصورة الكلية إذن ليست نموًا متساويًا، بل قاطرة اسمها التغليف، وعربة ثانية اسمها الورق، وحلقة ثالثة تراوح مكانها اسمها الطباعة والكتب.

نديم إلياس: صادرات الطباعة والتغليف تدعم 7% من صادرات مصر بشكل غير مباشر

قال نديم إلياس، رئيس المجلس التصديري للطباعة والتغليف والورق، إن نمو الصادرات بهذه النسب يعكس قدرة هذه القطاعات على التوسع في الأسواق الخارجية، مشيرًا إلى أن المجلس يعمل على فتح أسواق جديدة ودعم الشركات الأعضاء للمشاركة في المعارض والبعثات التجارية ورفع تنافسية منتجاتها. لكن التصريح الأهم في حديث إلياس يتجاوز أرقام القطاع المباشرة؛ فصادرات الطباعة والتغليف والورق المرتبطة بقطاعات أخرى، أي العبوات والتغليف الذي يخرج من مصر محملًا بمنتجات غذائية وزراعية ودوائية وسلع استهلاكية، تمثل نحو 7% من إجمالي الصادرات المصرية. بعبارة أخرى، كل عشرة دولارات تصدرها مصر، يوجد في قرابة سبعين سنتًا منها أثر لصناعة التغليف والورق، حتى لو لم يظهر في بندها المستقل.

هذه النقطة تغير زاوية النظر إلى القطاع بالكامل. التغليف والورق مدخلات إنتاج لصناعات الغذاء والزراعة والأدوية والسلع الاستهلاكية، وليسا منتجًا نهائيًا معزولًا. حين تتطور الطباعة والتغليف محليًا بجودة مطابقة لمواصفات الأسواق الخارجية، يصبح المنتج المصري نفسه أكثر قدرة على المنافسة، لأن كثيرًا من صفقات التصدير تخسر أو تكسب عند تفصيلة تبدو صغيرة: عبوة تحفظ المنتج في شحن طويل، وملصق يطابق اشتراطات بلد الاستيراد، وكرتون يتحمل التخزين والمناولة. المصدر الغذائي أو الدوائي الذي يضطر لاستيراد تغليفه يدفع بالدولار وينتظر الشحن ويتحمل مخاطر التأخير، بينما من يجد هذه المدخلات محليًا بجودة معتمدة يختصر التكلفة والزمن معًا، ويترك هامشًا أكبر في سعره النهائي.

النمو المسجل هذا العام يأتي أيضًا في سياق أوسع من دفع الدولة للصادرات غير البترولية بوصفها أحد مصادر النقد الأجنبي التي يمكن بناؤها محليًا، إلى جانب قناة السويس والسياحة وتحويلات المصريين بالخارج. وفي النقاش العام حول مستقبل الصادرات المصرية يتردد طموح معلن منذ سنوات بالوصول بالصادرات غير البترولية إلى حدود 100 مليار دولار بحلول 2030، وهو طموح لا يتحقق بقطاعات كبرى وحدها، بل بتراكم زيادات من نوع ما سجله قطاع التغليف والورق هذا العام عبر عشرات القطاعات المتوسطة. رقم 867 مليون دولار في تسعة أشهر يعني أن القطاع يسير نحو تجاوز 1.1 مليار دولار في العام الكامل إذا حافظ الربع الأخير على الوتيرة نفسها، وهو حساب تقريبي تابع لنتائج الربع الأخير الفعلية، لا توقع رسمي من المجلس.

متابعة أسعار العملة تبقى جزءًا من معادلة هذا القطاع تحديدًا، لأن جانبًا من مدخلاته، وفي مقدمتها لب الورق وبعض الخامات، مستورد ومسعر بالدولار، بينما تباع منتجاته في الخارج بالعملة الصعبة وفي الداخل بالجنيه. ويمكن متابعة تحركات سعر الدولار اليوم في البنوك المصرية لفهم الضغط الذي يمارسه سعر الصرف فوق 56 جنيهًا على تكلفة هذه المدخلات من جهة، وعلى تنافسية السعر التصديري من جهة أخرى، فالعلاقة هنا مزدوجة لا تسير في اتجاه واحد.

المصدر: بيانات المجلس التصديري للطباعة والتغليف والورق وتصريحات رئيسه نديم إلياس، الأربعاء 28 أكتوبر 2026، نقلًا عن جريدة حابي.

تحليل الفلوس

قيمة نمو صادرات الطباعة والتغليف والورق بنسبة 23%، والتغليف بنسبة 25%، لا تقاس بمبلغ 160 مليون دولار الإضافي وحده. الصناعات المدخلية من هذا النوع هي البنية التحتية الصامتة للتصدير كله؛ نموها يعني أن سلسلة القيمة المصرية تتعمق، وأن دولارات أكثر من قيمة المنتج النهائي تبقى داخل البلد بدل أن تتسرب إلى موردي عبوات وخامات في الخارج. وفي ملف النقد الأجنبي، تنويع مصادر الدولار بعيدًا عن الطاقة والتحويلات، وهما مصدران يتأثران بأسعار عالمية وقرارات أسر في الخارج، يظل هو الرهان الأكثر استدامة، وقطاع يدر قرابة 900 مليون دولار في تسعة أشهر من مصانع قائمة بالفعل هو تنويع حقيقي، لا شعار. في المقابل، بقاء الطباعة والكتب عند نمو 1% إنذار لا يجب تجميله؛ قطاع مرتبط بالثقافة والنشر والتعليم يفقد زخمه بينما تنمو العبوة التي تحمل المنتج، والفارق بين الرقمين يستحق وقفة من المجلس والشركات العاملة فيه قبل أن يتحول التباطؤ إلى انكماش.

التحدي التالي لهذا القطاع يقف عند تكلفة الإنتاج. سعر صرف فوق 56 جنيهًا للدولار يرفع تلقائيًا فاتورة لب الورق والخامات المستوردة والأحبار وقطع غيار الماكينات، وفي الوقت نفسه يجعل السعر التصديري للمنتج المصري أرخص نسبيًا في السوق الخارجي، فيدفع الصادرات إلى الأمام. أي الاتجاهين يغلب يتوقف على نسبة المكون المستورد في كل منتج، وعلى أسعار الطاقة التي تدخل في تشغيل خطوط الطباعة والتجفيف والقص. لذلك ما يحتاجه المصدرون في هذا القطاع خلال الشهور المقبلة ليس احتفاءً بنسبة النمو، بل استقرارًا يمكن التنبؤ به في تكلفة الطاقة والخامات، وتمويلًا بسعر فائدة يسمح بتحديث خطوط الإنتاج، لأن المنافسة في أسواق التغليف الإقليمية، خاصة مع مصدرين أتراك وخليجيين، تحسمها الجودة وسرعة التسليم بقدر ما يحسمها السعر.

ما نراقبه في الفلوس من الآن وحتى نهاية العام ثلاثة أشياء: أرقام الربع الأخير وما إذا كان العام الكامل سيتجاوز حاجز 1.1 مليار دولار فعلًا؛ وأي أسواق جديدة يعلن المجلس دخولها بمنتجات التغليف والورق، لأن استدامة نمو فوق 20% تحتاج طلبًا جديدًا لا إعادة توزيع للطلب القائم؛ ومؤشر الطباعة والكتب تحديدًا، فإذا بقي حول 1% في بيانات العام الكامل، فالمشكلة هيكلية في ذلك القطاع الفرعي وتحتاج معالجة مختلفة عن دعم التصدير العام. أرقام الأشهر التسعة قوية بلا مبالغة، لكن اختبارها الحقيقي هو تحويل قفزة عام واحد إلى مسار يمتد لثلاثة أعوام متتالية.

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربهhttps://elfolos.com
أحمد عبد ربه — صحفي وإعلامي مصري، ومؤسس ورئيس تحرير موقع الفلوس (ELFOLOS). درس الإعلام والصحافة في جامعتي القاهرة وطنطا، ويعمل مديرًا لمنتدى الحوار من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. يكتب ويشرف على تغطية الاقتصاد المصري: أسعار الذهب والدولار، البنوك وشهادات الادخار، البورصة، والسياسات الاقتصادية، بهدف تبسيط المعلومة المالية للمواطن المصري.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img