الاقتصاد المصري ينمو 5.1% والقطاع الخاص يستحوذ على 57.7% من الاستثمارات.. رستم يكشف ملامح برنامج التحول

Published:

قال أحمد رستم، وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، يوم الاثنين 12 أكتوبر 2026، إن الاقتصاد المصري حقق نموًا بلغ 5.1% في العام المالي الماضي، رغم التوترات الجيوسياسية التي ضغطت على المنطقة وعلى حركة التجارة والطاقة، وإن مساهمة القطاع الخاص قفزت إلى 57.7% من إجمالي الاستثمارات. تصريحات الوزير جاءت خلال اجتماع عقده اليوم بمقر معهد التخطيط القومي، بحضور أشرف العربي رئيس المعهد، وعدد من الخبراء والاقتصاديين، بينهم نجلاء الأهواني وعالية المهدي وفخري الفقي، لمناقشة ملامح البرنامج الوطني للتحول الاقتصادي الذي يجري إعداده حاليًا.

الأرقام التي عرضها رستم لا تقف عند معدل النمو وحده. الرسالة التي حرص عليها الوزير طوال الاجتماع أن تركيبة النمو نفسها تغيرت، وأن الاعتماد بات أكبر على قطاعات الاقتصاد الحقيقي، وعلى رأسها الصناعات التحويلية غير البترولية، بدلًا من الاعتماد التقليدي على قطاعات ريعية أو شديدة التأثر بأسعار الطاقة العالمية. هذا التحول، إذا استمر، يعني أن النمو القادم سيكون مرتبطًا بمصانع تعمل وتصدر وتشغل عمالة، لا بمورد واحد يتقلب مع أول أزمة خارجية.

نمو الاقتصاد المصري 5.1% رغم التوترات الجيوسياسية

تحقيق 5.1% في عام مالي مرت فيه المنطقة بتوترات متلاحقة ليس رقمًا عاديًا في حسابات أي حكومة. التوترات الجيوسياسية تضرب عادة قنوات حساسة في الاقتصاد المصري، من إيرادات قناة السويس إلى حركة السياحة وتدفقات الاستثمار، وترفع في الوقت نفسه فاتورة استيراد الطاقة والغذاء. أن يخرج النمو عند هذا المستوى يعني أن قطاعات أخرى عوضت ما فقدته القطاعات المتضررة، وأن الطلب المحلي والتصنيع والتصدير حملوا جزءًا كبيرًا من العبء.

رستم ربط هذا الأداء بما وصفه بتنامي الاعتماد على قطاعات الاقتصاد الحقيقي. الصناعات التحويلية غير البترولية تحديدًا هي الاختبار الأصعب لأي اقتصاد نامٍ، لأنها تحتاج طاقة مستقرة وتمويلًا متاحًا وسلاسل إمداد تعمل بلا انقطاع، وتحتاج فوق كل ذلك طلبًا داخليًا وخارجيًا قادرًا على استيعاب الإنتاج. نمو هذا القطاع يعني وظائف مباشرة في المصانع ووظائف غير مباشرة في النقل والتغليف والتسويق والخدمات، ويعني أيضًا قيمة مضافة تبقى داخل البلد بدل أن تخرج في صورة واردات مصنعة.

لكن الرقم المعلن يفتح سؤالًا مشروعًا سيظل مطروحًا في الشارع: هل يشعر المواطن بهذا النمو في دخله وأسعاره؟ الإجابة الصادقة أن النمو الكلي خطوة أولى، لا خطوة أخيرة. الحكومات تقيس نجاحها بمعدل النمو، بينما المواطن يقيسه بسعر السلع وقيمة الجنيه وفرصة العمل المتاحة لابنه. الفجوة بين القياسين هي ما تعمل عليه السياسات الحالية، بحسب ما قاله الوزير، عبر كبح التضخم وخفض الدين العام وتوسيع قاعدة الإنتاج.

القطاع الخاص يقود نمو الاقتصاد المصري بحصة 57.7% من الاستثمارات

الرقم الثاني في تصريحات الاثنين 12 أكتوبر 2026 لا يقل أهمية عن الأول: 57.7% من إجمالي الاستثمارات نفذها القطاع الخاص. قبل سنوات قليلة كانت الشكوى الدائمة من رجال الأعمال أن الدولة تنافسهم في كل قطاع، وأن الاستثمار الحكومي يزاحم الخاص في التمويل والعقود والأراضي. وصول الحصة الخاصة إلى هذا المستوى يعني أن المعادلة انعكست جزئيًا، وأن رأس المال الخاص عاد ليتحمل النصيب الأكبر من ضخ الاستثمارات الجديدة.

أهمية هذه النسبة ليست رمزية. الاستثمار الخاص يختلف عن الحكومي في طريقة اتخاذ القرار وفي سرعة التنفيذ وفي الحساسية تجاه الربح والخسارة. حين يضخ مستثمر خاص أمواله في مصنع أو مشروع لوجستي أو نشاط زراعي، فهو يراهن على عائد حقيقي، ويضغط بنفسه على التكلفة والجودة ومواعيد التسليم. وحين تتسع هذه الاستثمارات، تتسع معها قاعدة التشغيل، وتزيد حصيلة الضرائب من نشاط منتج لا من رسوم، وتتحسن قدرة الاقتصاد على توليد العملة الصعبة إذا اتجه جزء من الإنتاج إلى التصدير.

رستم تحدث في الاجتماع نفسه عن تنسيق كامل بين الحكومة، برئاسة رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، والبنك المركزي، بهدف كبح التضخم وخفض الدين العام. هذا التنسيق شرط أساسي لاستمرار صعود حصة القطاع الخاص، لأن المستثمر لا يبني خططًا طويلة في بيئة تتقلب فيها الأسعار بسرعة أو ترتفع فيها تكلفة الاقتراض إلى مستويات تخنق أي دراسة جدوى. استقرار السياسة النقدية مع سياسة مالية منضبطة هو الثمن الذي يدفعه الاقتصاد كله مقابل استثمار خاص مستدام.

البرنامج الوطني للتحول الاقتصادي ووثيقة سياسة ملكية الدولة

الجزء الثالث من حديث الوزير تعلق بالبرنامج الوطني للتحول الاقتصادي، الذي قال إنه يُعد بتوجيهات من الرئيس عبد الفتاح السيسي، ويتكامل مع وثيقة سياسة ملكية الدولة. الوثيقة، كما هو معروف، حددت قطاعات ستتخارج منها الدولة كليًا أو جزئيًا، وقطاعات ستبقى فيها بنسب مختلفة، وقطاعات ستواصل الاستثمار فيها باعتبارها استراتيجية. البرنامج الجديد، وفق ما عرضه رستم، يستهدف الاستدامة المالية والحياد التنافسي وتقليص دور الدولة في قطاعات محددة.

الحياد التنافسي عبارة تبدو فنية، لكن معناها العملي بسيط ومباشر: أن تتنافس الشركة الخاصة مع أي جهة عامة على القواعد نفسها، بلا مزايا خفية في التمويل أو التراخيص أو الضرائب. إذا تحقق هذا المبدأ فعليًا على الأرض، ستتغير حسابات مستثمرين كثيرين كانوا يبتعدون عن قطاعات بعينها لا لضعف ربحيتها، بل لشعورهم أن المنافسة فيها غير عادلة من الأساس. أما الاستدامة المالية فتعني أن خفض الدين وعجز الموازنة ليس إجراءً مؤقتًا لعبور مراجعة دولية، بل مسارًا دائمًا يحمي الموازنة من تقلبات أسعار الفائدة العالمية.

حضور أشرف العربي ونجلاء الأهواني وعالية المهدي وفخري الفقي اجتماع معهد التخطيط القومي يعطي النقاش وزنًا يتجاوز المؤتمر الصحفي المعتاد. هؤلاء خبراء عرفوا بمواقف نقدية في ملفات الإصلاح والدين وسعر الصرف، ومناقشة برنامج تحول اقتصادي في حضورهم تشير إلى رغبة في اختبار الأفكار قبل إطلاقها، لا مجرد إعلانها. نجاح البرنامج سيتوقف في النهاية على جداول زمنية معلنة والتزامات قابلة للقياس، وهو ما سيراقبه السوق خلال الشهور المقبلة.

يبقى أن الأرقام المعلنة اليوم تحتاج أن تترجم إلى مسار واضح في ملفين يتابعهما المصريون يوميًا: الأسعار والدين. كبح التضخم يعني أن الزيادة في الأجور والدخول لا تلتهمها موجة غلاء جديدة، وخفض الدين العام يعني موارد أكبر في الموازنة للتعليم والصحة والحماية الاجتماعية بدل خدمة الفوائد. إذا سار الملفان في الاتجاه نفسه الذي سار فيه النمو وحصة القطاع الخاص، فسيكون حديث التحول الاقتصادي قد خرج من قاعات الاجتماعات إلى حياة الناس.

تحليل الفلوس

قراءة «الفلوس» لرقمي 5.1% و57.7% معًا أهم من قراءة كل رقم وحده. نمو عند هذا المستوى تقوده استثمارات خاصة بهذه الحصة الكبيرة يختلف نوعيًا عن نمو تموله الحكومة بالاقتراض وتنفذه بشركات عامة، لأن مصدر تمويله متنوع ومخاطره موزعة وقدرته على الاستمرار أعلى. الأهم أن الوزير ربط النمو بالصناعات التحويلية غير البترولية وقطاعات الاقتصاد الحقيقي، وهذا هو الفارق بين نمو يخلق وظائف وصادرات، ونمو ورقي ترفعه إعادة تقييم أو طفرة مؤقتة في مورد واحد. مع ذلك يظل الحكم النهائي معلقًا بجودة هذا النمو: كم وظيفة خلق؟ وكم منه ذهب إلى محافظات خارج القاهرة الكبرى؟ وكم ارتفعت معه دخول الطبقة المتوسطة فعليًا بعد خصم التضخم؟

التحدي الأكبر أمام البرنامج الوطني للتحول الاقتصادي ليس كتابته، بل تنفيذه بلا تراجع. تجارب الإصلاح السابقة تعلم أن السوق يصدق الأفعال المتكررة لا البيانات، وأن مستثمرًا واحدًا يخرج بتجربة سيئة مع التراخيص أو المنافسة غير العادلة يكلف الاقتصاد أكثر من مؤتمر ترويجي كامل. تقليص دور الدولة في قطاعات محددة، كما وعد البرنامج، يجب أن يظهر في صفقات حقيقية وجداول تخارج معلنة، وأن يصاحبه حياد تنافسي يلمسه صغار المستثمرين قبل الكبار، لأن الحصة الخاصة البالغة 57.7% لن تصمد إذا تركزت في مشروعات عملاقة قليلة بينما يختنق النشاط الصغير والمتوسط بالتمويل والبيروقراطية.

ما يجب مراقبته في الشهور المقبلة ثلاثة مؤشرات لا غير: مسار التضخم شهرًا بعد شهر، ونسبة الدين العام إلى الناتج وهل بدأت تنخفض فعليًا، وحصة القطاع الخاص في الاستثمارات وهل ستحافظ على مستوى 57.7% أو تتجاوزه أم ستتراجع مع أول ضغط خارجي. إذا تحركت المؤشرات الثلاثة في الاتجاه الصحيح معًا، فسيكون نمو 5.1% بداية مسار لا رقمًا عابرًا في بيان. أما إذا تباطأ خفض التضخم أو عادت الحكومة لتوسيع حضورها في القطاعات التي وعدت بتقليصه، فسيتعامل السوق مع أرقام اليوم باعتبارها ذروة مؤقتة. الكرة الآن في ملعب التنفيذ، والسوق المصري تعلم أن ينتظر ويراقب قبل أن يصدق.

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربهhttps://elfolos.com
أحمد عبد ربه — صحفي وإعلامي مصري، ومؤسس ورئيس تحرير موقع الفلوس (ELFOLOS). درس الإعلام والصحافة في جامعتي القاهرة وطنطا، ويعمل مديرًا لمنتدى الحوار من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. يكتب ويشرف على تغطية الاقتصاد المصري: أسعار الذهب والدولار، البنوك وشهادات الادخار، البورصة، والسياسات الاقتصادية، بهدف تبسيط المعلومة المالية للمواطن المصري.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img