حسن الصادي: مصر تبيع الأصول المنتجة.. وأرباحها تطير إلى الخارج بالعملة الصعبة

Published:

في الجزء الأول من حواره مع الإعلامية رانيا بدوي في بودكاست «فاصلة ومنقوطة»، ذهب الخبير الاقتصادي الدكتور حسن الصادي إلى قلب ملف بيع الأصول المنتجة في مصر، وقال إن المشكلة الحقيقية ليست في بيع أصول خاسرة أو فائضة عن الحاجة، بل في أن الدولة تبيع أصولًا «بتكسب»؛ أصولًا إنتاجية كانت أرباحها تدخل الموازنة العامة كل سنة، وكانت منتجاتها تُصدَّر إلى الخارج فتدرّ على البلد عملة صعبة. واليوم، بعد انتقال ملكيتها إلى مستثمرين أجانب، لم تعد الأرباح تدخل الموازنة ولا تبقى في السوق المحلي، بل تُحوَّل إلى الخارج بالعملة الصعبة نفسها التي تعاني مصر من ندرتها.

أصول كانت تكسب.. والموازنة تخسر دخلًا متكررًا

يرتّب حسن الصادي المشهد في نقطتين: أولاهما أن إيرادات الدولة لا تغطي إنفاقها، وأن الاقتراض صار هو وسيلة سد الفجوة. وثانيتهما — وهي الأهم في هذا الحوار — أن الحكومة اختارت أن تبيع «أصولًا إنتاجية اللي بتكسب»، على حد وصفه، أي شركات ومشروعات قائمة وتعمل وتحقق أرباحًا فعلية، لا هياكل خاسرة تستنزف الدعم. ويقول الصادي إن هذه الأصول «كانت بتدخل أرباحها في الموازنة»، وكانت منتجاتها تُصدَّر فتأتي بدخل بالعملة الصعبة، أما الآن فقد «أخدها مستثمرون أجانب»، وصارت الأرباح من نصيبهم وحدهم.

والفارق عملي جدًا: حين تبيع الدولة أصلًا مدرًّا للدخل، فهي تتنازل عن تدفق نقدي يتجدد كل عام — أرباحًا وتوزيعات وضرائب وجمارك — مقابل مبلغ يُقبض مرة واحدة. وإذا كان هذا المبلغ سيُستخدم في سداد فوائد ديون أو تغطية عجز جارٍ، فإن الموازنة تخسر مع كل صفقة بيع مصدر دخل دائمًا، بينما تبقى الالتزامات التي دفعتها إلى البيع قائمة كما هي، لتعود في السنة التالية باحثة عن أصل جديد تبيعه.

الأرباح تخرج بالعملة الصعبة.. والضغط على الدولار يتضاعف

أخطر ما في تصريحات حسن الصادي هو شرح «الدورة العكسية» للدولار. فالأصل المنتج قبل بيعه كان يصنع منتجًا يُصدَّر إلى الخارج، فيدخل إلى مصر عملة صعبة. أما بعد البيع، فيوضح الصادي، فإن «المستثمر الأجنبي بياخد أرباحه من السوق المحلي ويصدّرها للأسواق اللي جاي منها»؛ أي أن النشاط لم يتوقف، والمنتج ما زال يُصنع ويُباع، لكن الربح الذي كان يدخل البلد صار يخرج منها. ويقول الصادي إن «أصولًا كتيرة منتجة أرباحها بتتحول إلى الخارج بالعملة الصعبة»، وأن النتيجة أن «الضغط على الدولار بيبقى بدرجة أكبر».

بعبارة أخرى: الصفقة الواحدة تضرب الجنيه مرتين. مرة حين تخرج أرباح الأصل المباع من السوق المحلي إلى الخارج، ومرة ثانية حين تجد الدولة نفسها مطالبة بتوفير عملة صعبة لخدمة ديون لم تنخفض، ولاستيراد احتياجات بلد لا ينتج ما يكفي. ولهذا يرى الصادي أن الحديث عن «جذب الاستثمار الأجنبي» بأرقام صفقات شراء الأصول القائمة يخفي الصورة الكاملة؛ فالسؤال الحقيقي ليس كم دخل من الدولارات يوم توقيع الصفقة، بل كم سيخرج كل سنة بعدها في صورة أرباح محوَّلة إلى الخارج.

سيولة للخروج من مأزق الديون.. لا لبناء قدرة جديدة

لا ينكر حسن الصادي أن الدولة حصلت من هذه الصفقات على سيولة، لكنه يصف وظيفتها بصراحة: المستثمر «إداني سيولة أخرج بها من مأزق» كان يمكن أن يؤدي — كما يقول — إلى عجز الدولة عن سداد مديونياتها المتعاظمة. أي أن حصيلة البيع ليست استثمارًا في مصنع جديد أو توسعًا في طاقة تصديرية، بل هي مسكّن لفاتورة دين قائمة. ثم يلخّص الصادي الحلقة المفرغة بقوله إننا «عاملين كل شوية بنقترض» بينما نبيع في الوقت نفسه أصول الدولة، منتجة كانت أو غير منتجة، فتتآكل القاعدة التي كان يمكن أن تولّد الدخل والدولار معًا.

والأمثلة على ما يعنيه حسن الصادي ليست نظرية. فقطاع الأسمدة والبتروكيماويات — الذي تضمّنته وثيقة سياسة ملكية الدولة ضمن القطاعات المستهدف التخارج منها — يضم شركات كانت صادراتها من أبرز مصادر العملة الصعبة لمصر، وأرباحها القياسية في سنوات أزمة الأسمدة العالمية دخلت خزينة الدولة مباشرة. وكذلك الموانئ والبنوك وشركات الأسمنت والدخان: أصول تعمل وتبيع وتكسب، بعضها يحتكر سوقه أو ينافس بقوة فيه. حين تنتقل حصص مؤثرة في مثل هذه الكيانات إلى مستثمر أجنبي، لا تتغير شاشات الأسعار وحدها؛ يتغير أيضًا عنوان تحويل الأرباح السنوية: من الموازنة العامة المصرية إلى حسابات في الخارج.

وهنا يصبح السؤال عن «التقييم» مركزيًا، فبيع أصل منتج بسعر بخس لا يخسر الدولة الدخل المستقبلي فقط، بل يخسرها أيضًا فرق السعر نفسه مرتين: مرة عند البيع، ومرة حين تشتري بها — أو بغيرها — سيولة قصيرة الأجل بفائدة مرتفعة. ولهذا يشدّد الصادي على أن الحساب الصحيح لأي صفقة لا يقف عند «كم دخلنا منها»، بل يسأل: كم كنا سنكسب لو احتفظنا بها عشر سنوات؟ وكم سندفع في المقابل فوائد على الاقتراض البديل؟

وهذا التصريح يكمّل ما قاله حسن الصادي في المقطع الآخر من الحوار نفسه، حين فرّق بين «بيع الأصول» و«الاستثمار» الحقيقي، وهي النقطة التي تناولناها بالتفصيل في مقالنا: حسن الصادي: ما يحدث في مصر بيع أصول وليس استثمارًا. فالاستثمار الجديد يبني أصلًا لم يكن موجودًا ويخلق دخلًا إضافيًا، أما شراء أصل منتج قائم فينقل الدخل من يد الدولة إلى يد المشتري، ثم إلى خارج البلاد.

شاهد تصريحات د. حسن الصادي في الفيديو:

🎬 مقطع «بنبيع الأصول المنتجة.. وأرباحها بتطير بره!» على صفحة كلام مختلف: https://www.facebook.com/reel/1062468653504450

الحوار كاملًا — الجزء الأول من بودكاست فاصلة ومنقوطة مع رانيا بدوي: https://www.youtube.com/watch?v=dktwb2NDVPk

تحليل الفلوس

قيمة تصريح حسن الصادي أنه يضع إصبعه على «الأثر اللاحق» لصفقات التخارج، وهو البند الغائب عادة عن البيانات الرسمية التي تحتفي بقيمة الصفقة يوم إتمامها. فحين ينتقل أصل منتج إلى مالك أجنبي، تتحول أرباحه إلى بند دائم في ميزان المدفوعات تحت اسم «دخل الاستثمار الخارج»، يضغط على الجنيه كل سنة وليس مرة واحدة. والأرقام الرسمية نفسها تؤكد حساسية هذا البند: تحويلات أرباح الاستثمارات الأجنبية من مصر تُقدَّر بمليارات الدولارات سنويًا، وأي توسع في بيع الأصول المنتجة يضيف إلى هذا الرقم لا يطرح منه.

هذا لا يعني أن كل تخارج خطأ؛ فبعض الأصول مثقل بخسائر وسوء إدارة، وبيعها بسعر عادل مع إعادة استثمار الحصيلة في أصول أعلى عائد قد يكون قرارًا سليمًا. لكن الاختبار الذي يقترحه الصادي — ونتفق معه فيه — هو الشفافية: كم كان يدرّ الأصل المباع على الموازنة سنويًا؟ وإلى أين ذهبت الحصيلة بالضبط؟ فإذا بيعت أصول تدرّ مئات الملايين سنويًا لتُسدد بها فوائد ديون، فنحن أمام عملية «أكل رأس مال» تؤجل الأزمة وتعمقها في آن واحد.

نصيحة الفلوس للقارئ: عند كل إعلان عن صفقة تخارج جديدة، لا تنظر إلى رقم الصفقة وحده. اسأل عن ثلاثة أشياء: دخل الأصل السنوي قبل البيع، ووجهة الحصيلة المعلنة، وما إذا كان المشتري سيضخ استثمارات جديدة أم سيكتفي بتشغيل القائم وتحويل أرباحه. فإذا غابت الإجابات، فالأقرب أن تكون الصفقة — كما وصفها حسن الصادي — بيعًا لأصول منتجة تطير أرباحها إلى الخارج، بينما تبقى الفاتورة هنا.


📚 ملف الخبير: تابع كل تصريحات ومقالات د. حسن الصادي وسيرته الذاتية الكاملة في قسم خبراء الاقتصاد على موقع الفلوس.

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربهhttps://elfolos.com
أحمد عبد ربه — صحفي وإعلامي مصري، ومؤسس ورئيس تحرير موقع الفلوس (ELFOLOS). درس الإعلام والصحافة في جامعتي القاهرة وطنطا، ويعمل مديرًا لمنتدى الحوار من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. يكتب ويشرف على تغطية الاقتصاد المصري: أسعار الذهب والدولار، البنوك وشهادات الادخار، البورصة، والسياسات الاقتصادية، بهدف تبسيط المعلومة المالية للمواطن المصري.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img