حسن الصادي يكشف «الغش المحاسبي» في الموازنة: حقيقة دعم الكهرباء الـ100 مليار جنيه وتسعير البترول بـ80 دولارًا

Published:

أثار الخبير الاقتصادي د. حسن الصادي جدلًا واسعًا بعدما وصف ممارسات في إعداد الموازنة العامة للدولة بأنها «الغش المحاسبي»، في عبارة لخّصت جوهر انتقاده لطريقة عرض الأرقام الرسمية. وجاء حديث حسن الصادي والغش المحاسبي خلال استضافته في برنامج «بتوقيت مصر» الذي تقدمه نسمة السعيد على قناة بي بي سي عربي، وهو الحوار الذي أُذيع في 7 أغسطس 2026، قبل أن تحذفه القناة لاحقًا من منصاتها، بينما يتناول الفيديو المرتبط بهذا المقال تحليلًا لمضمون تلك الحلقة المحذوفة وما جاء فيها من ملاحظات اقتصادية مهمة.

ولم يتوقف حديث الصادي عند وصف عام، بل انتقل إلى ملفات محددة تمس حياة المواطن مباشرة، في مقدمتها رقم دعم الكهرباء الذي تروّج له الحكومة، وتسعير البترول المصري في الموازنة، وشروط صندوق النقد الدولي وتأثيرها في خروج الدولة من أنشطة اقتصادية. وبين هذه الملفات جميعًا، رسم الصادي صورة قاسية للواقع اليومي الذي يعيشه المواطن تحت وطأة موجات الغلاء المتتالية، مؤكدًا أن الأرقام المعلنة لا تعكس دائمًا الحقيقة الكاملة كما تظهر في الحسابات الفعلية.

حسن الصادي والغش المحاسبي في الموازنة العامة

قال د. حسن الصادي إن المشكلة الأساسية، من وجهة نظره، ليست في نقص الموارد وحده، بل في طريقة تقديم الأرقام وتصنيف البنود داخل الموازنة العامة، بحيث تبدو الصورة النهائية مختلفة عن الواقع الاقتصادي الفعلي. وأكد الخبير الاقتصادي أن المواطن حين يسمع عن مخصصات ضخمة للدعم أو عن تحسن في مؤشرات مالية، من حقه أن يسأل أين يظهر هذا التحسن في حياته اليومية، ولماذا لا ينعكس على الأسعار والخدمات بنفس القدر الذي توحي به التصريحات الرسمية.

وتأتي هذه التصريحات في وقت تتحرك فيه مؤشرات كثيرة في اتجاهات متباينة. فاليوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026، سجل الدولار في البنك المركزي المصري 54.45 جنيه للشراء و54.59 جنيه للبيع، بينما بلغ سعر الذهب عيار 21 نحو 6320 جنيهًا، وهي أرقام تلخص حجم الضغط الذي يشعر به المواطن عند شراء احتياجاته الأساسية أو عند محاولة الحفاظ على قيمة مدخراته في مواجهة تقلبات الأسعار وسعر الصرف خلال الشهور الأخيرة بشكل مستمر.

حسن الصادي: علامة استفهام حول دعم الكهرباء في الموازنة

وتوقف الصادي مطولًا عند ملف دعم الكهرباء، متسائلًا عن حقيقة الرقم الذي تروّج له الحكومة باعتباره دعمًا يصل إلى 100 مليار جنيه. وأوضح أن التساؤل لا يتعلق بوجود دعم من عدمه، بل بطريقة حسابه ومقارنته بالواقع الفعلي لتكلفة إنتاج الكهرباء وتوزيعها، وبما إذا كان الرقم المعلن يعبر عن إنفاق حقيقي يصل إلى المواطن، أم أنه ناتج عن فروق محاسبية وتسعيرية تجعل الصورة أكبر من حقيقتها عند عرضها على الرأي العام.

ويكتسب هذا الجدل أهميته من أن فاتورة الكهرباء أصبحت بندًا شهريًا مؤلمًا لأسر كثيرة، خصوصًا مع زيادات الأسعار وتراجع القدرة الشرائية. فحين تعلن الحكومة رقمًا ضخمًا للدعم، يتوقع المواطن أن يجد أثره في فاتورة محتملة وفي خدمة مستقرة، لكن الفجوة بين الرقم المعلن والشعور الفعلي بالعبء هي ما دفع الصادي، بحسب الحلقة، إلى إعادة طرح السؤال عن شفافية الحساب وعدالة توزيع التكلفة بين الدولة والمنتج والمستهلك النهائي الذي يدفع الثمن في النهاية.

تسعير البترول عند 80 دولارًا.. من يتحمل الفرق؟

وفي ملف الطاقة أيضًا، أثار الصادي قضية تسعير البترول المصري في الموازنة عند 80 دولارًا للبرميل، رغم أن تكلفة إنتاجه أقل من ذلك، متسائلًا عن مصير الفرق بين سعر التكلفة والسعر المحاسبي المعتمد. وأكد أن المواطن هو من يتحمل هذا الفرق في المحصلة، سواء ظهر ذلك في أسعار الوقود أو في أسعار النقل والسلع والخدمات المرتبطة به، لأن أي زيادة في تكلفة الطاقة تنتقل سريعًا إلى بقية الأسعار في السوق.

ولا يقف أثر تسعير الطاقة عند محطات الوقود، بل يمتد إلى تكلفة تشغيل المصانع ونقل الغذاء والدواء وكل سلعة تحتاج إلى شاحنة أو آلة. لذلك يرى مراقبون أن مناقشة سعر البرميل داخل الموازنة ليست مسألة فنية بعيدة عن الناس، بل هي نقاش مباشر حول سبب ارتفاع الأسعار. ويزداد الأمر حساسية بينما تراجع التضخم إلى 13.9% وفق أحدث البيانات المتاحة، وهو تراجع مهم لكنه لا يعني أن الأسعار عادت إلى مستويات مريحة للمواطنين.

شروط صندوق النقد وخروج الدولة من الأنشطة الاقتصادية

وتطرق الحوار كذلك إلى شروط صندوق النقد الدولي وتأثيرها في مسار الاقتصاد المصري، وبخاصة ما يتصل بخروج الدولة من أنشطة اقتصادية وفتح المجال أمام القطاع الخاص. وتناول الصادي هذا الملف من زاوية أثره الاجتماعي والاقتصادي، محذرًا من أن تنفيذ الالتزامات الخارجية دون حساب دقيق لتداعياتها على الأسعار والتشغيل والخدمات قد يضيف أعباء جديدة على المواطن، حتى لو بدت المؤشرات الكلية في تقارير المؤسسات الدولية أكثر استقرارًا أو أقرب إلى المستهدفات الرسمية المعلنة.

في المقابل، تستند الحكومة في دفاعها عن برنامج الإصلاح إلى مؤشرات مثل ارتفاع احتياطي النقد الأجنبي إلى 57.348 مليار دولار في سبتمبر، وفق بيانات البنك المركزي المعلنة في 7 أكتوبر، وإلى تراجع التضخم واستمرار جذب التمويل الخارجي. ويجتمع البنك المركزي في 29 أكتوبر الجاري للنظر في أسعار الفائدة التي تقف حاليًا عند 19%، وهو قرار سيراقبه المقترضون والمدخرون وأصحاب الأعمال، لأنه يحدد تكلفة الاقتراض وعائد الادخار في مرحلة ما زالت فيها الأسعار مرتفعة رغم تباطؤ التضخم.

ماذا يعني كلام الصادي للمواطن العادي؟

الخلاصة العملية لحديث الصادي أن معركة الأرقام ليست بعيدة عن مائدة الأسرة المصرية. فطريقة حساب دعم الكهرباء، وسعر البترول في الموازنة، وشروط الصندوق، كلها قرارات تظهر لاحقًا في فاتورة الكهرباء وسعر البنزين وتكلفة المواصلات وأسعار الغذاء. وقد عبّر الصادي في الحلقة عن واقع المواطن اليومي المؤلم تحت الغلاء بصورة شديدة القسوة، إذ صوّره وكأنه بالكاد يمرر أيامه حتى يقضي الله أمره، في إشارة إلى حجم الإنهاك الذي وصلت إليه أسر كثيرة.

لذلك فإن المطالبة بقراءة أدق للموازنة ليست ترفًا أكاديميًا، بل شرطًا لفهم أين تذهب أموال الدولة ومن يتحمل تكلفة الإصلاح فعلًا. فحين تكون الأرقام واضحة وقابلة للتحقق، يستطيع المواطن أن يحاسب ويقارن ويفهم سبب ما يدفعه، أما حين تختلط الفروق المحاسبية بالإنفاق الحقيقي، يصبح من الصعب التمييز بين الدعم الفعلي والعبء المنقول من بند إلى آخر، وتتسع فجوة الثقة بين الخطاب الرسمي والتجربة المعيشية اليومية للناس في الأسواق والمحلات ووسائل النقل.

تحليل الفلوس

ما يطرحه الصادي، بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع عبارته الحادة، يعيد النقاش إلى نقطة جوهرية: جودة الأرقام الرسمية وشفافيتها. فالموازنة ليست مجرد جدول حسابي، بل هي وثيقة سياسية واجتماعية تقرر من يدفع ومن يستفيد. وإذا كان رقم دعم الكهرباء يحتاج إلى تفكيك، وسعر البترول يحتاج إلى تفسير، فالأولى أن تقدم الحكومة شرحًا علنيًا مبسطًا يوضح أساس كل رقم، بدل الاكتفاء بإعلان الإجماليات الضخمة التي لا يستطيع المواطن اختبارها أو مقارنتها بتكلفته الحقيقية.

كما أن تراجع التضخم إلى 13.9% وارتفاع الاحتياطي إلى 57.348 مليار دولار يمنحان صانع القرار مساحة للتهدئة، لكنهما لا يلغيَان سؤال العدالة في توزيع الأعباء. فاجتماع البنك المركزي في 29 أكتوبر، والفائدة عند 19%، سيكون اختبارًا جديدًا للتوازن بين كبح الأسعار وتخفيف تكلفة التمويل. وحتى يتحقق ذلك، سيظل تقييم المواطن لأي إصلاح مرتبطًا بسؤال بسيط ومباشر: هل انخفض ما يدفعه فعلًا، أم تغير فقط شكل الرقم في البيان الرسمي؟

وتبقى قيمة هذا الحوار، الذي حذفته القناة بعد إذاعته، أنه فتح ملفات الموازنة والطاقة والصندوق بلغة وصلت إلى الجمهور، وأعاد الاعتبار لحق المواطن في فهم الأرقام التي تُدار بها حياته. ومتابعة هذه الملفات بالأدلة والمستندات، ومقارنة التصريحات بما يحدث في الأسعار والفواتير، هي الطريق الوحيد لتحويل الجدل من عبارات صادمة إلى محاسبة اقتصادية حقيقية يستفيد منها الجميع.

المصدر: شاهد الحوار كاملًا / الخبر الأصلي: لقاء بتوقيت مصر على بي بي سي عربي (حذفته القناة) — تحليل للحلقة — https://www.youtube.com/watch?v=rEessMdUQFQ


📚 ملف الخبير: تابع كل تصريحات ومقالات د. حسن الصادي وسيرته الذاتية الكاملة في قسم خبراء الاقتصاد على موقع الفلوس.

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربهhttps://elfolos.com
أحمد عبد ربه — صحفي وإعلامي مصري، ومؤسس ورئيس تحرير موقع الفلوس (ELFOLOS). درس الإعلام والصحافة في جامعتي القاهرة وطنطا، ويعمل مديرًا لمنتدى الحوار من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. يكتب ويشرف على تغطية الاقتصاد المصري: أسعار الذهب والدولار، البنوك وشهادات الادخار، البورصة، والسياسات الاقتصادية، بهدف تبسيط المعلومة المالية للمواطن المصري.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img