حسن الصادي يقدم روشتة عاجلة: 5 إجراءات فورية أولها تطبيق القانون على الكبير قبل الصغير

Published:

في ختام حواره المطول مع الإعلامية رانيا بدوي في بودكاست «فاصلة ومنقوطة»، لم يكتف الخبير الاقتصادي د. حسن الصادي بتشخيص الأزمة الاقتصادية المصرية، بل قدم ما يمكن وصفه بروشتة عاجلة: خمسة إجراءات فورية قال إنها لا تكلف الدولة كثيرًا، لكن أثرها على الناس في الشارع سيكون مباشرًا، لأنها تخفف الضغط وتعيد شيئًا غائبًا منذ سنوات طويلة، وهو الثقة. رسالة حسن الصادي الأساسية في هذه الروشتة أن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من رفع الأسعار ولا من بيع الأصول، بل يبدأ من القانون والعدالة والرقابة، ومن إعادة ترتيب دور الدولة ودور المال الخاص في حياة المصريين.

تأتي روشتة حسن الصادي في توقيت بالغ الحساسية. فقد أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن معدل التضخم السنوي لإجمالي الجمهورية بلغ 12.8% في سبتمبر 2026، مقابل 12.7% في أغسطس، مع ارتفاع أسعار السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود بنسبة 29.6% على أساس سنوي، وارتفاع أسعار التعليم بنسبة 20%. هذه الأرقام، حتى 22 أكتوبر 2026، تعني أن المواطن لا يحتاج إلى خطابات مطمئنة بقدر ما يحتاج إلى قرارات يشعر بها في فاتورة الكهرباء ومصروفات المدرسة وسعر السكن، وهو بالضبط المنطق الذي انطلق منه الصادي حين ربط أي حديث عن «بكرة أحلى» بوجود موعد وأدوات وخطة للوصول إلى هذا الغد، لا مجرد وعود تتكرر.

حسن الصادي: تطبيق القانون على الكبير قبل الصغير هو نقطة البداية

الإجراء الأول في روشتة حسن الصادي، ووضعه في المقدمة عن قصد، هو إعادة ثقة الدولة المصرية، وهو ما لا يكون، في رأيه، إلا بتطبيق القانون بمسطرة واحدة على الجميع، على الكبير قبل الصغير. أكد الخبير الاقتصادي أن هذه الخطوة تبدو سهلة في الكلام، لكنها شرط لكل ما بعدها؛ فحين يشعر المواطن أن القانون يُطبق على القوي قبل الضعيف، يبدأ في تصديق أي حديث لاحق عن الإصلاح، أما إذا بقي الانطباع أن هناك من هم فوق المحاسبة، فإن كل الإجراءات الاقتصادية مهما بدت صحيحة على الورق ستفقد مصداقيتها في الشارع قبل أن تبدأ.

ويربط الصادي بين غياب هذه المسطرة الواحدة وبين اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيش. فالمواطن الذي يُحاسب فورًا على مخالفة صغيرة، بينما تمر ملفات كبرى دون مساءلة واضحة، يفقد تدريجيًا إحساسه بالانتماء وبأن الدولة دولته. لذلك اعتبر أن استعادة الثقة ليست ملفًا تجميليًا ولا حملة علاقات عامة، بل قرار سياسي وقانوني يسبق أي قرار اقتصادي.

خروج الدولة التدريجي من النشاط الاقتصادي.. دون القطاعات الاستراتيجية

الإجراء الثاني في حديث حسن الصادي هو خروج الدولة التدريجي من النشاط الاقتصادي، مع تأكيده أن المقصود ليس خروجًا كاملًا وفوضويًا من كل القطاعات. أوضح الصادي أن هناك قطاعات استراتيجية بطبيعتها لا تستطيع الدولة أن تخرج منها بالكامل، وفي مقدمتها البنية التحتية الأساسية، لكن القطاعات الأخرى التي ينافس فيها القطاع العام الخاص يجب أن تُفتح تدريجيًا للمنافسة الحقيقية، حتى تعود الدولة إلى دورها الأصلي: منظم ومراقب وصانع قواعد عادلة، لا لاعب ينافس من يفترض أنه يراقبهم.

هذا الطرح يتقاطع مع نقاش واسع في مصر منذ سنوات حول وثيقة سياسة ملكية الدولة وتخارج الدولة من أنشطة محددة لصالح القطاع الخاص. لكن إضافة الصادي الجوهرية هي كلمة «تدريجي»؛ فالخروج المتسرع دون قواعد ورقابة قد ينقل الاحتكار من يد الدولة إلى يد قلة من رجال المال، وهو ما يحذر منه أصلًا في الإجراء الثالث من روشتته.

حسن الصادي يطالب برقابة صارمة وقوانين ملزمة على رجال المال

الإجراء الثالث هو فرض رقابة صارمة وقوانين ملزمة على رجال المال عند أداء الأعمال. وهنا فرّق حسن الصادي تفرقة دقيقة بين «رجل الأعمال» و«رجل المال»؛ فرجل الأعمال، في توصيفه، يهمه السوق الذي يعمل فيه فيحافظ عليه لأنه يكسب منه ويستمر فيه، أما رجل المال فيبحث عن المكسب السريع أينما كان، وقد يدخل أنشطة لا يعرف أساسياتها، فيخسر ويُخسّر السوق معه ويشوّه المنافسة. وقال الصادي إن من أفسد السوق المصري في قطاعات كثيرة هم رجال المال لا رجال الأعمال الحقيقيون.

وتساءل الخبير الاقتصادي بحدة عن مصادر ثروات ظهرت فجأة بمليارات الجنيهات دون مسار عمل واضح يمكن تتبعه، مؤكدًا أن سؤال «من أين لك هذا؟» يجب أن يعود سؤالًا طبيعيًا في دولة القانون. كما انتقد دخول أصحاب أموال إلى المجالس التشريعية بمبالغ ضخمة، معتبرًا أن الدولة لا تستطيع أن تطلب من الناس احترام القواعد بينما تسمح بتحويل المال إلى بوابة نفوذ بلا مساءلة. واعتبر أن إعادة الصدقية، بتعبيره، عملية تحتاج جهدًا هائلًا ونقطة بداية من أول السطر.

التعليم في يد الدولة.. وحماية الهوية من خطر التعليم الأجنبي

الإجراء الرابع الذي شدد عليه حسن الصادي قد يبدو بعيدًا عن الاقتصاد، لكنه في قلبه تمامًا: خروج رأس المال الخاص من التعليم، وبقاء التعليم حتى الثانوية العامة في يد الدولة بالكامل. قال الصادي إن المؤسسة الأولى في أي دولة هي الأسرة التي تربي الطفل في سنواته الأولى، ثم تأتي المدرسة التي تشكله لسنوات طويلة، فإذا تفتتت هذه المنظومة بين أنواع متباينة من التعليم لا تجمعها ثقافة مشتركة، ضاعت الثقافة الجمعية التي تصنع الانتماء.

وحذر الصادي من أن التعليم الأجنبي، كما يقدم في كثير من صوره الحالية، بات أخطر على الهوية من كونه مجرد تعليم، لأنه يقدم – في رأيه – «أبسنس» ومناهج منفصلة عن وجدان المجتمع أكثر مما يقدم بناءً حقيقيًا للشخصية المصرية. واستعاد ذكريات جيله مع تحية العلم والنشيد الوطني والخطابة المدرسية، معتبرًا أن هذه التفاصيل الصغيرة كانت تصنع تكوينًا نفسيًا وثقافة جمعية واحدة للبنات والبنين على السواء. هذا الطرح يكتسب وزنًا إضافيًا مع بيانات سبتمبر 2026 التي أظهرت ارتفاع أسعار التعليم بنسبة 20% سنويًا، لتتحول كلفة التعليم نفسها إلى عبء معيشي يضغط على الأسر إلى جانب السكن والغذاء.

ماذا تعني روشتة حسن الصادي للمواطن؟

بالنسبة للمواطن العادي، لا تقدم روشتة حسن الصادي وعدًا بانخفاض الأسعار غدًا، وهذا تحديدًا مصدر قوتها؛ فهي تقول إن الطريق إلى تخفيف الضغط يمر أولًا عبر العدالة في تطبيق القانون، وثانيًا عبر دولة لا تزاحم الناس في رزقهم ولا تترك السوق نهبًا لرجال المال، وثالثًا عبر تعليم موحد يحمي هوية أبنائه ولا يحول مستقبلهم إلى سلعة لمن يملك الثمن. هي روشتة سياسية وقانونية ومجتمعية قبل أن تكون أرقامًا في موازنة، ورسالتها أن الاقتصاد لا يُصلح بمعزل عن الثقة.

تحليل الفلوس

قوة طرح حسن الصادي في هذه الروشتة أنه يعيد ترتيب الأولويات بشكل يخالف المعتاد: فبينما تبدأ أغلب برامج الإصلاح من الأسعار وسعر الصرف والديون، يبدأ هو من الثقة والقانون. وهذا ترتيب له منطق اقتصادي صلب؛ فلا استثمار حقيقيًا يأتي إلى سوق يشك أهله أنفسهم في عدالة قواعده، ولا قطاع خاص منتجًا ينمو إذا كان النفوذ أسرع طريقًا للربح من الكفاءة، ولا إصلاح تعليميًا يبني رأس مال بشريًا إذا تحول التعليم إلى جزر منفصلة تصنع مواطنين لا يجمعهم وجدان مشترك.

لكن الروشتة تطرح في المقابل أسئلة تنفيذ صعبة يجب ألا تُخفى: خروج الدولة التدريجي يحتاج جداول زمنية معلنة وقواعد منافسة محايدة حتى لا يتحول التخارج إلى نقل احتكار، والرقابة على رجال المال تحتاج مؤسسات مستقلة فعلًا وشفافية في الإفصاح عن الثروات والتمويل السياسي، وبقاء التعليم في يد الدولة يحتاج قبل أي شيء رفعًا حقيقيًا لجودة المدرسة الحكومية وتمويلها، وإلا تحولت الدعوة النبيلة إلى حبس للأسر في منظومة ضعيفة. الفارق بين الروشتة كشعار والروشتة كسياسة هو التفاصيل والتمويل والجدول الزمني.

ما يجب أن يتابعه القارئ في الفترة المقبلة هو ما إذا كانت أي من هذه النقاط الخمس ستجد طريقها إلى قرارات معلنة: تشريعات رقابة ومساءلة أوسع، خطوات تخارج موثقة بقواعد منافسة، أو مراجعة جادة لخريطة التعليم الخاص والأجنبي وكلفته. عندها فقط ستتحول روشتة الصادي من تشخيص حاد في بودكاست إلى اختبار حقيقي لإرادة الإصلاح. وحتى يحدث ذلك، يبقى سؤاله الأول هو الأهم: هل يُطبق القانون على الكبير قبل الصغير؟

المصدر: شاهد الحوار كاملًا: بودكاست فاصلة ومنقوطة مع رانيا بدوي — الجزء الثاني


📚 ملف الخبير: تابع كل تصريحات ومقالات د. حسن الصادي وسيرته الذاتية الكاملة في قسم خبراء الاقتصاد على موقع الفلوس.

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربهhttps://elfolos.com
أحمد عبد ربه — صحفي وإعلامي مصري، ومؤسس ورئيس تحرير موقع الفلوس (ELFOLOS). درس الإعلام والصحافة في جامعتي القاهرة وطنطا، ويعمل مديرًا لمنتدى الحوار من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. يكتب ويشرف على تغطية الاقتصاد المصري: أسعار الذهب والدولار، البنوك وشهادات الادخار، البورصة، والسياسات الاقتصادية، بهدف تبسيط المعلومة المالية للمواطن المصري.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img