وول ستريت منتصف الجمعة: ناسداك يتماسك بعد عاصفة التكنولوجيا والطاقة تتصدر.. وأسهم الاتصالات تهتز بتقرير سبيس إكس

Published:

حاولت وول ستريت في منتصف جلسة الجمعة 23 أكتوبر 2026 التقاط أنفاسها بعد يوم الخميس العاصف، لكن الصورة حتى الساعة 11:40 صباحا بتوقيت الساحل الشرقي الأمريكي لم تكن صورة تعاف كامل، بل صورة سوق يختبر الأرض تحت قدميه. مؤشر ناسداك المركب ارتفع 0.26 بالمئة إلى 26075 نقطة، في محاولة واضحة للتماسك بعد موجة بيع قادتها أسهم التكنولوجيا أمس، بينما تراجع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 0.15 بالمئة إلى 7652 نقطة، وهبط مؤشر داو جونز الصناعي 0.98 بالمئة إلى 52350 نقطة. الفارق بين المؤشرات الثلاثة يقول الكثير: المال لم يعد، بل أعيد توزيعه داخل السوق نفسه.

وول ستريت بين تماسك ناسداك وضغط داو جونز

من يقرأ أرقام منتصف الجلسة فقط قد يظن أن الخطر انتهى، لكن تركيبة الجلسة مختلفة. ناسداك صعد صعودا خجولا لا يعوض شيئا يذكر من خسائر الخميس، وداو جونز واصل النزيف بوتيرة أسرع، وستاندرد آند بورز 500 ظل عالقا في المنطقة الحمراء. ثمانية من قطاعات ستاندرد آند بورز الأحد عشر كانت في المنطقة الحمراء عند منتصف الجلسة، وفق شريط التداولات، وهو ما يعني أن الضغط لم يكن محصورا في سهم أو قطاع واحد.

الأسهم الصناعية كانت الخاسر الأكبر عند منتصف الجلسة، في إشارة لا تخطئها العين: السوق يعيد تسعير النمو نفسه، لا نتائج شركة بعينها. حين تتراجع الصناعات بهذا الشكل بالتوازي مع هبوط داو جونز القريب من واحد بالمئة، فالرسالة أن القلق من كلفة الاقتراض ومن تباطؤ الطلب بدأ ينتقل من أسهم النمو المرتفعة التقييم إلى قطاعات الاقتصاد الحقيقي.

الطاقة والمرافق تتصدران مشهد وول ستريت الدفاعي

الصدارة اليوم كانت دفاعية بامتياز. قطاعا الطاقة والمرافق العامة تصدرا القطاعات الرابحة في وول ستريت عند منتصف الجلسة، وهو ترتيب يتكرر تاريخيا حين يبحث المستثمر عن دخل مستقر وأصول مرتبطة بأسعار سلع حقيقية بدل وعود نمو بعيدة. أسهم الطاقة استفادت من بقاء النفط عند مستويات مرتفعة، إذ سجل خام برنت 114.47 دولار للبرميل وخام غرب تكساس الوسيط 100.84 دولار للبرميل عند الساعة 06:39 بتوقيت جرينتش الجمعة، وفق ما نقلته وكالة رويترز.

أما المرافق العامة فصعودها يحمل دلالة مزدوجة. من جهة هي ملاذ تقليدي بتوزيعات منتظمة وطلب لا يتأثر كثيرا بدورة الاقتصاد، ومن جهة ثانية هي قطاع شديد الحساسية لأسعار الفائدة، وصعوده اليوم رغم بقاء عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات قرب 4.99 بالمئة يقول إن شهية التحوط غلبت حسابات الفائدة عند كثير من مديري المحافظ.

أسهم الاتصالات تهتز: كراون كاسل تقفز 12 بالمئة وتقرير سبيس إكس يضغط على المشغلين

القصة الأبرز على مستوى الأسهم الفردية جاءت من قطاع الاتصالات، لكن باتجاهين متعاكسين تماما. سهم شركة كراون كاسل، مالكة أبراج الاتصالات، قفز 12 بالمئة بعد تقارير عن سعي شركة سبيس إكس للحصول على مواقع أبراج خلوية تمهيدا لإطلاق خدمة اتصالات محمولة خاصة بها. مجرد ورود اسم سبيس إكس في ملف الأبراج قلب حسابات السوق في دقائق: الأبراج التي كانت تبدو أصلا مملا ومستقرا صارت فجأة بوابة محتملة لدخول لاعب جديد بقدرات تقنية ومالية استثنائية إلى سوق الهاتف المحمول الأمريكي.

الوجه الآخر للقصة كان الضغط على أسهم شركات الاتصالات التقليدية، وفي مقدمتها إيه تي آند تي وغيرها من مشغلي الهاتف المحمول، الذين وجدوا أنفسهم أمام احتمال منافس لا يشبه أي منافس سابق. صندوق الاتصالات المتداول يسجل في هذه الفترة أطول سلسلة خسائر له أمام مؤشر ستاندرد آند بورز في تاريخه، وفق بيانات السوق، وهو رقم يلخص حجم القلق المتراكم: القطاع يعاني أصلا من منافسة سعرية وديون ثقيلة وكلفة بناء شبكات الجيل الخامس، ثم يأتي احتمال دخول سبيس إكس بخدمة تعتمد على الأقمار الصناعية والأبراج معا ليضيف تهديدا وجوديا إلى قائمة المتاعب. السوق هنا لا يسعر خبرا مؤكدا، بل يسعر احتمالا، لكنه احتمال ثقيل بما يكفي لإعادة تقييم القطاع كله.

الأمن السيبراني يخالف الاتجاه وبloom إنرجي تهوي رغم النتائج

وسط هذا المشهد المضطرب، خالفت أسهم الأمن السيبراني الاتجاه العام وسجلت مكاسب لافتة. سهم بالو ألتو نتوركس صعد بعدما وضعها دويتشه بنك ضمن ثلاث شركات يراها في موقع قوي للاستفادة من تصاعد استخدام الذكاء الاصطناعي، ولحقت بها أسهم كراود سترايك وأوكتا بمكاسب واضحة. التوقيت ليس صدفة: ثغرة برمجية ظهرت هذا الأسبوع وقد تؤثر في نحو 70 بالمئة من المواقع الإلكترونية أعادت تركيز المحللين والمستثمرين على حقيقة بسيطة، هي أن توسع الذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية يوسع في الوقت نفسه سطح الهجوم، وأن الإنفاق على الحماية لم يعد بندا قابلا للتأجيل في ميزانيات الشركات.

في المقابل هوى سهم بلوم إنرجي بحدة رغم إعلان الشركة نتائج أفضل من التوقعات، في مثال صارخ على مزاج السوق الحالي: التفوق على التوقعات لم يعد كافيا وحده. حين تكون التقييمات مرتفعة والتقلب عاليا، يبحث المستثمر عن إرشادات مستقبلية قوية وتدفقات مضمونة، وأي إشارة تردد في التوقعات تكفي لإطلاق بيع حاد.

الذهب يتراجع والسندات عند حافة الخمسة بالمئة

خارج سوق الأسهم، تراجع الذهب 0.72 بالمئة إلى 3995.18 دولار للأوقية خلال الجلسة، مقتربا من كسر الحاجز النفسي عند أربعة آلاف دولار من الأعلى، بعد موجة صعود طويلة جعلته الملاذ الأول في شهور التوتر. تراجع اليوم لا يعني انتهاء قصة الذهب، لكنه يعكس مزيجا من جني الأرباح وقوة عوائد السندات التي تنافس المعدن الأصفر على أموال الباحثين عن الأمان. بقاء عائد العشر سنوات قرب 4.99 بالمئة، أي على أعتاب خمسة بالمئة، هو الرقم الأخطر في جلسة اليوم كلها، لأنه يرفع كلفة كل شيء: الرهن العقاري، وقروض الشركات، وتقييم أسهم النمو التي تبنى على أرباح مستقبلية بعيدة.

وكان يوم الخميس قد ترك جرحا واضحا في السوق قبل أن تبدأ جلسة اليوم أصلا. ناسداك هبط أمس 2.60 بالمئة في أسوأ جلسة له منذ يونيو، وتراجع ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 1.21 بالمئة، وهوى مؤشر أشباه الموصلات 6.72 بالمئة في ضربة مباشرة لقلب تجارة الذكاء الاصطناعي. تفاصيل إغلاق الخميس وأسبابه تناولناها في تقريرنا السابق عن إغلاق وول ستريت الخميس وهبوط قطاع الرقائق، ومن يربط الجلستين ببعضهما يدرك أن صعود ناسداك الخجول اليوم ليس سوى محاولة أولى لامتصاص صدمة، لا إعلان انتهائها.

تحليل الفلوس

السؤال الذي يجب أن يطرحه أي متابع اليوم ليس هل ارتفع ناسداك ربع نقطة مئوية، بل ما طبيعة هذا الارتفاع. المؤشرات الفنية وتركيبة القطاعات ترجح حتى الآن فرضية الارتداد الهش، ما يعرف بارتداد القطة الميتة، أكثر من فرضية الاستقرار الحقيقي: الصعود ضيق، والقيادة دفاعية من الطاقة والمرافق، وثمانية قطاعات من أحد عشر ما زالت حمراء، والعائد على السندات عند حافة خمسة بالمئة. الاستقرار الحقيقي يحتاج إغلاقا قويا اليوم ثم تأكيدا يوم الاثنين، ويحتاج قبل ذلك ألا يفاجئ الفيدرالي السوق في 28 أكتوبر ولا تأتي بيانات التضخم في 29 أكتوبر أسوأ من المتوقع. حتى يحدث ذلك، كل صعود في أسهم التكنولوجيا سيبقى معرضا لبيع سريع عند أول خبر سيئ، ومن الحكمة التعامل مع جلسة اليوم كهدنة لا كنهاية للعاصفة.

أما قصة سبيس إكس والأبراج فهي أعمق من حركة سهم في جلسة واحدة. دخول محتمل لشركة فضاء إلى سوق الاتصالات المحمولة يعني أن حدود القطاعات نفسها تذوب: المنافس المقبل لمشغل الهاتف قد لا يكون مشغل هاتف أصلا، بل شركة أقمار صناعية تملك البنية التحتية والتمويل والعلامة. قفزة كراون كاسل 12 بالمئة تقول إن السوق بدأ يسعر قيمة جديدة للأبراج كأصل استراتيجي في سباق التغطية، وضغط أسهم المشغلين يقول إن علاوة الاستقرار التي تمتع بها قطاع الاتصالات لعقود لم تعد مضمونة. بالنسبة لشهية المخاطرة العالمية، ومنها ما يصل إلى الأسواق الناشئة ومصر عبر تدفقات المحافظ وأسعار السلع، فالرسالة مختلطة: النفط فوق مئة دولار والذهب قرب أربعة آلاف وعائد أمريكي قرب خمسة بالمئة مزيج يضغط عادة على عملات الأسواق الناشئة ويرفع كلفة التمويل الخارجي، بينما أي تهدئة حقيقية في وول ستريت الأسبوع المقبل قد تفتح نافذة قصيرة لعودة الأموال إلى الأصول الأرخص. الأسبوع المقبل، لا جلسة اليوم، هو الحكم.

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربهhttps://elfolos.com
أحمد عبد ربه — صحفي وإعلامي مصري، ومؤسس ورئيس تحرير موقع الفلوس (ELFOLOS). درس الإعلام والصحافة في جامعتي القاهرة وطنطا، ويعمل مديرًا لمنتدى الحوار من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. يكتب ويشرف على تغطية الاقتصاد المصري: أسعار الذهب والدولار، البنوك وشهادات الادخار، البورصة، والسياسات الاقتصادية، بهدف تبسيط المعلومة المالية للمواطن المصري.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img