تسارع الولايات المتحدة إلى نقل بعض دبلوماسييها وأفراد عائلاتهم من مواقعهم في الشرق الأوسط، في ظل تزايد مخاطر حدوث تصعيد إقليمي واسع، وفق ما كشفته مصادر متعددة مطلعة لشبكة CNN الأمريكية، في خطوة تعيد إلى الأذهان موجات الإخلاء التي شهدتها المنطقة خلال ذروة التوترات المرتبطة بإيران في وقت سابق من هذا العام. وأصدرت وزارة الخارجية الأمريكية هذا الأسبوع أوامر رسمية بمغادرة الموظفين غير الأساسيين وجميع أفراد عائلات الدبلوماسيين من المملكة العربية السعودية، في قرار قالت واشنطن إنه جاء استجابة مباشرة لتصعيد جماعة الحوثي المدعومة من إيران هجماتها على المملكة.
«الوضع فوضوي».. شهادات من داخل عملية المغادرة
وُصفت عمليات المغادرة الجارية بأنها تكرار محبط وفوضوي لأحداث سابقة، إذ إن كثيرًا من المغادرين كانوا قد عادوا مؤخرًا فقط إلى مواقع عملهم، بعد أن تلقوا في الأسابيع الأولى من التوترات السابقة أوامر بالمغادرة، واضطروا يومها إلى ترك منازلهم في الشرق الأوسط والبحث عن مساكن جديدة ومدارس لأطفالهم في أماكن أخرى. والآن يجد الكثيرون أنفسهم مضطرين لتكرار التجربة ذاتها، مع ما يصفونه بدعم مالي قد يكون أقل من جانب وزارة الخارجية هذه المرة.
وقال أحد الدبلوماسيين الأمريكيين لشبكة CNN إن وصف الوضع بالفوضوي لا يفي بحقيقة ما يجري على الأرض، موضحًا أن الدعم المالي المقدم لهم حتى الآن لا يغطي تكاليف نقل عائلاتهم بالكامل من المنطقة. ومن جانبها، قالت المتحدثة باسم الجمعية الأمريكية للخدمة الخارجية، نيكي غامر، للشبكة إن هذا الموقف يعيد إلى الأذهان حالة الفوضى التي عاشتها العائلات في وقت سابق من هذا العام، مضيفة أن بعضهم بالكاد استقروا في أماكنهم حتى طُلب منهم المغادرة مجددًا، وأنه من المفهوم تمامًا أن يشعروا بالاستياء والارتباك والغضب.
التصعيد الحوثي ضد السعودية وراء قرار المغادرة
تأتي هذه الخطوات في الوقت الذي كثّفت فيه جماعة الحوثي المدعومة من إيران هجماتها على السعودية، وهي أعمال عدائية حذّرت وزارة الخارجية الأمريكية مرارًا من أنها قد تتصاعد بسرعة لتتجاوز نطاق المنطقة المباشرة. وأوضحت الخارجية الأمريكية في بيانها أن الهجمات الحوثية ضد المملكة شملت استهداف مطارات مدنية ومنشآت حيوية أخرى، مما أسفر عن سقوط ضحايا بين المدنيين وتسبب في اضطرابات شديدة في حركة السفر. كما فرضت واشنطن قيودًا مشددة على تنقل موظفيها داخل السعودية، تشترط الحصول على إذن خاص من رئيس البعثة لاستخدام أي مطار داخل المملكة، وأصدرت السفارة الأمريكية في الرياض تحذيرًا أمنيًا بشأن هجمات محتملة.
وبالتوازي، أصدرت الخارجية الأمريكية تنبيهًا أمنيًا لرعاياها في عدد من دول الشرق الأوسط، شمل الإمارات والكويت والبحرين وسلطنة عُمان وقطر والأردن والعراق ولبنان، محذرة من احتمال استهداف إيران والجماعات المتحالفة معها مصالح أمريكية أو منشآت مرتبطة بالولايات المتحدة ومواطنيها.
تقارير عن خفض أوسع للوجود الأمريكي في المنطقة
لم تتوقف المؤشرات عند حدود السعودية؛ فقد أفاد مسؤولون أمريكيون لشبكة NBC News بأن الجيش الأمريكي قلّص في الأيام الأخيرة حضوره العسكري في غرب آسيا، وأن الولايات المتحدة تُخرج قواتها بهدوء من قواعد في الأردن وقطر والكويت، بينما تقلّل وزارة الخارجية عدد موظفيها الدبلوماسيين في أنحاء الشرق الأوسط، في خضم التهديدات الإيرانية المتصاعدة. وكانت وكالة رويترز قد نقلت عن مسؤولين أمريكيين أن وزارة الخارجية تستعد لإصدار أوامر بإجلاء موظفين وعائلاتهم من سفارات أمريكية في دول خليجية، وسط مخاوف من احتمال تجدد العمليات القتالية في المنطقة تشارك فيها جماعة الحوثي. وأكد مصدر دبلوماسي لوكالة فرانس برس أن أمر المغادرة الرسمي شمل جميع موظفي السفارة الأمريكية في الرياض وعائلاتهم، كما شملت التوجيهات أفراد عائلات العاملين في سفارات أمريكية بدول خليجية أخرى.
واشنطن تنفي إخلاءً عامًا لسفارات الخليج
في المقابل، نفت وزارة الخارجية الأمريكية أن تكون قد أخلت سفاراتها في دول الخليج بشكل عام؛ إذ قال المتحدث باسمها تومي بيجوت، ردًا على مزاعم متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، إن هذه الأنباء غير دقيقة، وإن قرار المغادرة الإلزامية يقتصر على المملكة العربية السعودية فقط بسبب التصعيد الحوثي. وأكد بيجوت أن جماعة الحوثي زادت من أعمالها العدائية ضد السعودية، بما في ذلك هجمات على مطارات مدنية ومنشآت حيوية أدت إلى إصابات بين المدنيين واضطرابات في حركة السفر، مشددًا على أن سلامة موظفي الوزارة وعائلاتهم تظل على رأس الأولويات، مع اتخاذ كافة التدابير اللازمة لحمايتهم ودعمهم.
ترامب يلوّح بضربات جديدة ضد إيران
تأتي هذه التعديلات الدبلوماسية والعسكرية في ظل تلميح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إمكانية شن ضربات جديدة ضد إيران بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، وفي وقت تشير فيه مصادر إلى أن إسرائيل مارست ضغوطًا، لم تُكلَّل بالنجاح حتى الآن، من أجل اتخاذ إجراءات أكثر فورية ضد طهران. هذا المزيج من التصعيد الحوثي على الجبهة السعودية، والتلويح الأمريكي بعمل عسكري ضد إيران، والضغوط الإسرائيلية المتواصلة، يضع المنطقة بأسرها أمام أسابيع مشحونة بالاحتمالات المفتوحة، وهو ما يفسر حساسية قرارات إجلاء الدبلوماسيين والعائلات في هذا التوقيت بالذات.
ماذا يعني ذلك لمصر والمنطقة؟
بالنسبة لمصر، لا تأتي هذه التطورات في فراغ؛ فهي تتقاطع مع ملفات تمس الاقتصاد المصري مباشرة. فأسعار النفط العالمية أغلقت الجمعة عند أعلى مستوى لها منذ مارس، مع تجاوز خام برنت 117 دولارًا للبرميل، وأي تصعيد أوسع في الخليج أو حول مضيق هرمز وباب المندب يعني ضغوطًا إضافية على فاتورة الطاقة المصرية وعلى إيرادات قناة السويس التي تعاني أصلًا من اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر بسبب هجمات الحوثيين. كما أن في السعودية ودول الخليج ملايين العاملين المصريين الذين تمثل تحويلاتهم أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للاقتصاد المصري، وأي اضطراب أمني واسع هناك ينعكس فورًا على هذه الأسر وعلى حركة الطيران والتنقل بين القاهرة وعواصم الخليج.
تحليل الفلوس
قرار إجلاء الدبلوماسيين الأمريكيين ليس إجراءً إداريًا عابرًا؛ ففي لغة المؤسسات الأمريكية يُقرأ هذا القرار عادة بوصفه مؤشرًا مبكرًا على أن واشنطن تقيّم احتمالات التصعيد بجدية أكبر مما تعلنه التصريحات الرسمية. لكن الصورة هذه المرة مركّبة: فبينما تؤكد CNN ورويترز وNBC اتساع نطاق خفض الوجود الأمريكي دبلوماسيًا وعسكريًا، تتمسك الخارجية الأمريكية بأن المغادرة الإلزامية سعودية فقط. والقراءة الأرجح أن واشنطن تدير «خفض تعرّض» تدريجيًا ومحسوبًا، تحسبًا لسيناريوهين متوازيين: تصعيد حوثي أعنف ضد السعودية، واحتمال مواجهة أمريكية إيرانية بعد انتخابات التجديد النصفي.
بالنسبة للأسواق، الرسالة الأهم أن علاوة المخاطر الجيوسياسية عادت لتتصدر تسعير النفط والذهب؛ فبرنت فوق 117 دولارًا وجولدمان وغيره من بيوت الخبرة تراجع سيناريوهات الإمداد، ومصر من أكثر اقتصادات المنطقة حساسية لصدمات الطاقة والملاحة معًا. ما يجب أن يراقبه القارئ المصري في الأيام المقبلة ثلاثة مؤشرات: هل يتوسع أمر المغادرة الأمريكي إلى عواصم خليجية أخرى فعلًا، وهل ترد السعودية أو واشنطن عسكريًا على الهجمات الحوثية، وكيف تفتح أسعار النفط والذهب تعاملات الأسبوع الجديد. فإذا تصاعدت هذه المؤشرات مجتمعة، فسيكون أثرها على الجنيه والأسعار المحلية أسرع مما يتوقعه كثيرون.
المصدر: شبكة CNN الأمريكية (التقرير الأصلي)، مع تقارير لوكالتي رويترز وفرانس برس وشبكة NBC News وتصريحات رسمية لوزارة الخارجية الأمريكية.







