أنهت البورصة المصرية أسبوعا من أقسى أسابيع 2026، خسرت فيه الأسهم الصغيرة والمتوسطة أكثر من ضعف خسائر القياديات، بينما كان المشهد الأخطر خارج قاعة تداول الأسهم نفسها: خروج أجنبي وعربي مكثف من أدوات الدين الحكومية بلغ 714.3 مليون دولار في يوم واحد. البورصة المصرية أغلقت أسبوع 18 إلى 22 أكتوبر، وفق تقريرها الأسبوعي، عند قيمة سوقية 3.949 تريليون جنيه، متراجعة نحو 2.5 بالمئة في أسبوع واحد.
البورصة المصرية أسبوعيا: EGX30 يخسر 2.3% وEGX70 يهبط 7.02%
وفق التقرير الأسبوعي للبورصة المصرية الذي نقلته «مباشر»، أغلق المؤشر الرئيسي EGX30 الأسبوع عند 51052.26 نقطة منخفضا نحو 2.34 بالمئة، بينما هوى مؤشر EGX70 متساوي الأوزان بنسبة 7.02 بالمئة إلى 17184.31 نقطة، وتراجع مؤشر EGX100 الأوسع نطاقا بنسبة 6.05 بالمئة إلى 23117.46 نقطة. مؤشر الشريعة EGX33 خسر 5.3 بالمئة مسجلا 6037.81 نقطة، ومؤشر EGX30 المحدد الأوزان تراجع 2.8 بالمئة إلى 63379.43 نقطة. الفجوة بين خسارة المؤشر الرئيسي وخسارة مؤشر السبعين ليست تفصيلا فنيا؛ إنها بصمة بيع استهدف أولا الأسهم الأقل سيولة والأعلى مخاطرة، بينما احتفظت القياديات بجزء من تماسكها بفعل مشتريات محلية انتقائية.
إجمالي قيمة التداول خلال الأسبوع بلغ 777.3 مليار جنيه، عبر تداول نحو 12.607 مليار ورقة مالية في قرابة 1.227 مليون عملية، مقارنة مع 598.9 مليار جنيه و10.725 مليار ورقة و1.107 مليون عملية في الأسبوع السابق. لكن تركيبة هذا الرقم الضخم تكشف الحقيقة الأهم: السندات وأذون الخزانة استحوذت على نحو 92.5 بالمئة من إجمالي التداول، بينما لم تتجاوز حصة الأسهم 7.4 بالمئة. السيولة إذن لم تكن في سوق الأسهم أصلا؛ النشاط الحقيقي كان في سوق الدين، وهناك تحديدا وقعت أحداث الأسبوع الكبرى. رأس المال السوقي للأسهم المقيدة أنهى الأسبوع عند 3.949 تريليون جنيه، بخسارة أسبوعية قدرت بنحو 107 مليارات جنيه وفق حسابات «سي إن بي سي عربية»، بعدما فقد وحده في جلسة الخميس الختامية 116 مليار جنيه حين هبط EGX30 بنسبة 3.41 بالمئة في أكبر خسارة يومية منذ يونيو 2025، وتراجعت أسهم 190 شركة مقابل صعود 20 شركة فقط، كما رصدنا في تقرير ختام الخميس.
خروج الأجانب من أدوات الدين: 714.3 مليون دولار في يوم واحد
الرقم الذي يجب أن يتوقف عنده كل متابع جاء من بيانات البورصة المصرية في سوق أدوات الدين الثانوية، ونشرته «القرار المصري» يوم الخميس 22 أكتوبر: المستثمرون الأجانب والعرب سجلوا صافي بيع إجمالي بقيمة 714.3 مليون دولار في السوق الثانوية لأدوات الدين الحكومية خلال تعاملات الخميس وحده، مقارنة بصافي بيع بلغ نحو 376.5 مليون دولار يوم الأربعاء، أي أن وتيرة الخروج تضاعفت تقريبا في يوم واحد. في أذون الخزانة، سجل الأجانب صافي بيع 605.51 مليون دولار، بعد مبيعات بلغت 967.17 مليون دولار مقابل مشتريات 361.66 مليون دولار، وسجل العرب صافي بيع 13.51 مليون دولار بمبيعات 183.98 مليون دولار ومشتريات 170.48 مليون دولار، ليبلغ إجمالي صافي بيع الأذون 619.02 مليون دولار في الجلسة. وفي سندات الخزانة، سجل الأجانب صافي بيع إضافي بقيمة 95.27 مليون دولار، بمبيعات 129.35 مليون دولار مقابل مشتريات 34.08 مليون دولار، بينما توازنت تعاملات العرب عند نحو 15.98 مليون دولار في الاتجاهين. وعلى مستوى الأسبوع كاملا، قدرت «سي إن بي سي عربية» إجمالي صافي مبيعات الأجانب في السوق الثانوية لأدوات الدين بنحو 2.1 مليار دولار.
في سوق الأسهم نفسه كانت الأرقام أصغر حجما لكنها في الاتجاه نفسه. تعاملات المصريين استحوذت على 90 بالمئة من إجمالي تعاملات الأسهم المقيدة بعد استبعاد الصفقات خلال الأسبوع، مقابل 7.4 بالمئة للأجانب و2.6 بالمئة للعرب، وسجل الأجانب صافي بيع بقيمة 218.9 مليون جنيه في الأسهم، والعرب صافي بيع 281.9 مليون جنيه، وفق التقرير الأسبوعي. ومنذ بداية العام، بلغ صافي مبيعات الأجانب في الأسهم نحو 12.393 مليار جنيه، والعرب نحو 10.627 مليار جنيه، بينما مثل المصريون 88.3 بالمئة من قيمة التداول منذ أول العام. الصورة إذن متماسكة عبر السوقين: رأس المال الأجنبي يقلص انكشافه على مصر في الدين والأسهم معا، والمستثمر المحلي هو المشتري المقابل في الحالتين تقريبا.
لماذا يخرج الأجانب الآن؟ الدولار فوق 55 والنفط والعائد الأمريكي
توقيت الخروج ليس لغزا. الدولار سجل هذا الأسبوع مستوى قياسيا غير مسبوق عند 55.24 جنيه للشراء و55.38 للبيع في البنك المركزي المصري، كما رصدنا في متابعة سعر الدولار اليوم، وبلغت مكاسب العملة الأمريكية أمام الجنيه منذ بداية العام نحو 16 بالمئة وفق «سي إن بي سي عربية». المستثمر الأجنبي في أدوات الدين يحسب عائده بالدولار؛ فحين يتراجع الجنيه بهذه الوتيرة، يتبخر جزء كبير من عائد الأذون الاسمي مهما بلغت نسبته، ويصبح الخروج قرارا حسابيا لا عاطفيا. يضاف إلى ذلك عائد سندات خزانة أمريكية لعشر سنوات عاد إلى 5.00 بالمئة، وهو بديل خال من مخاطر العملة ينافس أي سوق ناشئة، ونفط فوق 116 دولارا يرفع فاتورة استيراد الطاقة المصرية ويضغط على توقعات التضخم والفائدة معا. محافظ البنك المركزي دافع هذا الأسبوع عن سياسة سعر الصرف المرن واعتبر التحركات الأخيرة طبيعية في ظل الظروف المحيطة، وهي رسالة طمأنة مقصودة، لكن الأسواق ستختبرها بتدفقات الأسبوع المقبل لا بالتصريحات.
ما الذي ينتظر البورصة المصرية عند إعادة الفتح الأحد؟
تستأنف البورصة المصرية تداولاتها صباح الأحد 25 أكتوبر بعد عطلة نهاية الأسبوع، في بداية أسبوع تتراكم فيه المحفزات الخارجية والمحلية بشكل نادر. الثلاثاء والأربعاء يجتمع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ويصدر قراره المنتظر بتثبيت الفائدة على نطاق واسع، ويوم الخميس 29 أكتوبر يجتمع البنك المركزي المصري في اجتماع ستقرأ فيه لجنة السياسة النقدية أرقام التدفقات الأخيرة وسعر الصرف القياسي ومسار التضخم، وفي اليوم نفسه تصدر بيانات التضخم الأمريكية بنفقات الاستهلاك الشخصي ويجتمع البنك المركزي الأوروبي. أي تهدئة في الدولار أو في خطاب الفيدرالي قد توقف نزيف أدوات الدين وتفتح باب ارتداد في الأسهم المصرية التي فقدت كثيرا من قيمتها الدولارية، بينما أي مفاجأة متشددة ستمدد موجة الخروج وتضغط على الجنيه من جديد.
تحليل الفلوس
خسارة البورصة المصرية هذا الأسبوع ليست قصة أسهم في جوهرها، بل قصة إعادة تسعير لمخاطر مصر في سوق الدين أولا. حين يبيع الأجانب والعرب 714.3 مليون دولار من أدوات الدين في جلسة واحدة، ونحو 2.1 مليار دولار في أسبوع، فهم لا يعاقبون شركة أو قطاعا، بل يعيدون حساب معادلة كاملة: جنيه عند أدنى مستوى تاريخي، وعائد أمريكي عند 5 بالمئة ينافسهم دون مخاطرة، ونفط يهدد ميزان المدفوعات. هبوط EGX70 بنسبة 7.02 بالمئة كان انعكاسا لهذه المعادلة في سوق الأسهم، لا سببها. ولهذا فإن مراقبة مؤشر البورصة وحده الأسبوع المقبل ستكون قراءة ناقصة؛ المؤشر الحقيقي الذي يجب تتبعه هو صافي تعاملات الأجانب في السوق الثانوية لأدوات الدين يوما بيوم.
النقطة المضيئة الوحيدة في أرقام الأسبوع هي أن المشتري المحلي كان حاضرا وبقوة، أفرادا ومؤسسات، في الأسهم وفي الدين، وهو ما منع الانزلاق من أن يتحول إلى انهيار غير منظم، ويعكس قناعة محلية بأن الأصول المصرية عند هذه المستويات الدولارية رخيصة تاريخيا. لكن الاعتماد على المشتري المحلي وحده له سقف؛ فهو يمتص الصدمة ولا يلغي أسبابها. الحكم النهائي على هذا الأسبوع سيصدر الأسبوع المقبل من ثلاث غرف: غرفة الفيدرالي يوم الأربعاء، وغرفة المركزي المصري يوم الخميس، وقاعة تداول أدوات الدين كل صباح. إذا توقف صافي البيع الأجنبي عندها، سيكون أسبوع العاصفة قد انتهى كتصحيح قاس لا كبداية أزمة، وإذا استمر بوتيرة الخميس نفسها، فسنكون أمام إعادة تسعير أعمق للجنيه والأصول المصرية معا.







