التبادل التجاري بين مصر وروسيا يقفز 60% إلى 5.5 مليار دولار في 7 أشهر.. والواردات تقود النمو مع قمة موسكو

Published:

قفز التبادل التجاري بين مصر وروسيا بنحو 60% خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، ليصل إلى نحو 5.5 مليار دولار، مقابل 3.4 مليار دولار في الفترة نفسها من عام 2025، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء التي نقلتها وسائل إعلام مصرية اليوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026. الرقم في ظاهره خبر نمو قوي في علاقة اقتصادية قديمة، لكن تفاصيله الداخلية تحكي قصة مختلفة تمامًا: النمو كله تقريبًا جاء من الواردات المصرية من روسيا، بينما لم تتحرك الصادرات المصرية إلا خطوات صغيرة، فاتسع العجز التجاري بين البلدين إلى مستوى غير مسبوق في هذه الفترة القصيرة.

التبادل التجاري بين مصر وروسيا بالأرقام: واردات 4.8 مليار دولار وصادرات 613 مليونًا فقط

بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغت واردات مصر من روسيا خلال الفترة من يناير إلى يوليو 2026 نحو 4.8 مليار دولار، مقابل 2.9 مليار دولار في الفترة المقابلة من العام الماضي، بزيادة تقترب من 66%. في المقابل، سجلت صادرات مصر إلى روسيا 613 مليون دولار فقط، مقابل 563 مليون دولار قبل عام، بزيادة محدودة تناهز 9%. الفارق بين الرقمين صارخ: مصر تستورد من روسيا ما يعادل 7.8 مرة ما تصدره إليها، والعجز التجاري في سبعة أشهر فقط تجاوز 4.1 مليار دولار، وهو رقم يقترب وحده من إجمالي التبادل بين البلدين في فترات سابقة كاملة.

وتشير تقارير أخرى إلى أن إجمالي التبادل التجاري بين البلدين خلال عام 2025 بكامله بلغ نحو 5.7 مليار دولار. المقارنة هنا لافتة: ما تحقق في سبعة أشهر من 2026، وهو 5.5 مليار دولار، يكاد يساوي حجم تجارة عام كامل قبل ذلك. لكن هذه المقارنة يجب أن تقرأ بحذر، لأن تسارع الواردات بهذا الشكل لا يعني بالضرورة توسعًا متوازنًا في العلاقة الاقتصادية، بل يعكس في جانب كبير منه ارتفاع فاتورة سلع أساسية لا تستطيع مصر الاستغناء عنها، وفي مقدمتها القمح والحبوب ومنتجات الطاقة ومدخلات إنتاج المصانع.

تضم سلة التبادل بين البلدين، كما ورد في التقارير المنشورة عن البيانات، منتجات بترولية وغازًا وسلعًا متنوعة ومدخلات إنتاج للمصانع، إلى جانب القمح والحبوب التي تعد روسيا أحد أهم مورديها إلى مصر. مصر من أكبر مستوردي القمح في العالم، وروسيا لاعب رئيسي في سوق الحبوب العالمية عبر موانئ البحر الأسود، ولذلك فإن أي زيادة في الكميات المستوردة أو في الأسعار العالمية تظهر فورًا في أرقام التجارة الثنائية. حين ترتفع الواردات 66% في سبعة أشهر، فالسؤال الأول ليس عن قوة العلاقة السياسية، بل عن حجم الفاتورة التي تدفعها الخزانة وسوق الصرف في القاهرة.

التبادل التجاري بين مصر وروسيا وقمة موسكو: توقيت الرقم ليس صدفة

صدور هذه الأرقام اليوم يتزامن مع حدث سياسي مباشر. فقد توجه الرئيس عبد الفتاح السيسي اليوم الأربعاء 28 أكتوبر إلى موسكو، ليرأس وفد مصر في القمة الروسية الأفريقية الثالثة، التي تعقد يومي 28 و29 أكتوبر 2026. ووفق بيان رئاسة الجمهورية، يلقي الرئيس كلمة مصر في الجلسة العامة صباح غد الخميس، ويعقد سلسلة لقاءات ثنائية على هامش القمة، في مقدمتها لقاء مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. هذه هي المشاركة المصرية الثالثة في هذا المسار، بعد قمة سوتشي عام 2019 التي شاركت مصر في رئاستها، وقمة سانت بطرسبرج عام 2023.

القمم من هذا النوع لا توقع عادة صفقات تجارية فورية بقيمة مليارات الدولارات في يومين، لكنها تفتح الأبواب السياسية التي تتحرك تحتها الحكومات والشركات لاحقًا: تسهيلات في سداد صفقات الحبوب، اتفاقات في الطاقة والصناعة، وربما ترتيبات دفع بالعملات المحلية تخفف الضغط على الدولار. بالنسبة لمصر، الملف الاقتصادي على طاولة موسكو هذه المرة أثقل من أي وقت مضى، لأن أرقام الجهاز المركزي نفسها تقول إن العلاقة التجارية تنمو بسرعة، لكن في اتجاه واحد تقريبًا، وأي حديث عن شراكة متوازنة يحتاج أولًا إلى معالجة هذا الخلل.

روسيا بدورها تنظر إلى مصر كبوابة أفريقية وموقع لوجستي على قناة السويس والبحرين الأحمر والمتوسط، ولها استثمارات معروفة في المنطقة الصناعية الروسية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس ومشروع محطة الضبعة النووية. هذه المشروعات طويلة الأجل تخلق طلبًا مستمرًا على معدات ومدخلات روسية، وتفسر جزءًا من استمرار تدفق الواردات. لكن المشروعات الاستثمارية شيء، وفاتورة السلع الجارية التي تدفع كل شهر شيء آخر، والخلط بينهما يخفي حجم العبء الجاري على ميزان المدفوعات.

ماذا تستورد مصر من روسيا وماذا تستطيع أن تصدر أكثر؟

الجانب الأكبر من الواردات الروسية إلى مصر يتركز تاريخيًا في الحبوب، خاصة القمح، وفي منتجات الطاقة والمعادن ومدخلات الإنتاج الصناعي. هذه سلع استراتيجية لا تملك مصر رفاهية تأجيل شرائها، وأسعارها تحدد في الأسواق العالمية بالدولار. لذلك فإن قفزة الواردات إلى 4.8 مليار دولار في سبعة أشهر تعني عمليًا طلبًا إضافيًا كبيرًا على العملة الصعبة في سنة صعبة أصلًا على سوق الصرف، إذ يتداول الدولار اليوم في البنك المركزي عند 56.06 جنيه للشراء و56.20 جنيه للبيع، كما يمكن متابعته عبر سعر الدولار اليوم في البنوك المصرية.

على الجهة الأخرى، صادرات مصر إلى روسيا، رغم نموها بنسبة 9% إلى 613 مليون دولار، ما زالت صغيرة قياسًا بحجم السوق الروسية وحجم ما تستورده مصر منها. الصادرات المصرية التقليدية إلى روسيا تتركز في الحاصلات الزراعية، خاصة البرتقال والبطاطس والعنب والفراولة، وبعض المنتجات الغذائية المصنعة. السوق الروسية واسعة وتستورد كميات ضخمة من الغذاء، لكن المنافسة فيها شرسة، والقيود اللوجستية وسلاسل التبريد والشحن البحري ما زالت ترفع تكلفة وصول المنتج المصري مقارنة بمنافسين أقرب جغرافيًا.

الفرص الأوسع لمصر لا تقف عند الخضار والفاكهة. الأسمدة المصرية، النيتروجينية والفوسفاتية، مطلوبة في الأسواق الزراعية الكبرى، ومصر منتج إقليمي مهم فيها. الأدوية والمستلزمات الطبية قطاع آخر تمتلك مصر فيه قاعدة تصنيعية قادرة على التوسع إذا حصلت على التسجيلات والاعتمادات اللازمة في السوق الروسية. وهناك أيضًا منتجات الصناعات الهندسية الخفيفة والملابس والمنسوجات. المشكلة ليست غياب المنتج، بل غياب النفاذ المنظم: اتفاقات اعتماد متبادل، خطوط شحن منتظمة، وتمويل صادرات بأسعار تنافسية.

يبقى عنصر آخر لا يظهر في أرقام الجهاز المركزي بوضوح، وهو الخدمات. السياحة الروسية إلى مصر، خاصة إلى منتجعات البحر الأحمر، تدر دخلًا بالعملة الصعبة لا يسجل في ميزان السلع، لكنه جزء حقيقي من العلاقة الاقتصادية ويعوض جانبًا من عجز السلع. كذلك تحويلات وخدمات النقل واللوجستيات. قراءة العلاقة الاقتصادية بين البلدين من زاوية السلع فقط تعطي صورة ناقصة، لكنها تظل الصورة الأهم لأن فاتورة السلع تدفع نقدًا وبشكل فوري، بينما دخل الخدمات موسمي ومتقلب.

تحليل الفلوس

الخلاصة التي يجب ألا تضيع وسط أرقام النمو الكبيرة هي أن التبادل التجاري بين مصر وروسيا ينمو بشكل غير متوازن وخطير الاتجاه. زيادة 60% تبدو إنجازًا في العناوين، لكنها في الميزان تعني عجزًا تجاوز 4.1 مليار دولار في سبعة أشهر مع شريك واحد. كل مليار إضافي في هذا العجز هو طلب إضافي على الدولار في سوق يتداول فيه الدولار فوق 56 جنيهًا، وهو ضغط يضاف إلى فواتير أخرى لا تقل ثقلًا، من الطاقة إلى باقي الواردات الغذائية. الشراكة التي تتسع من جهة الاستيراد فقط ليست شراكة، بل اعتماد متزايد، مهما كانت العلاقات السياسية دافئة.

في المقابل، لا يمكن إنكار البعد الاستراتيجي. تنويع مصادر القمح والطاقة ومدخلات الإنتاج ضرورة أمن قومي لمصر، وروسيا مورد لا يمكن تجاهله في الحبوب والطاقة عالميًا. الاعتماد على مورد واحد خطر، لكن قطع العلاقة مع مورد رئيسي خطر أكبر. المعادلة الصحيحة هي إدارة الاعتماد لا إنكاره: عقود أطول بأسعار أوضح، تنويع متوازٍ مع موردين آخرين، وربما ترتيبات سداد تخفف ذروة الضغط على الاحتياطي. هنا تحديدًا يمكن لقمة موسكو أن تقدم شيئًا عمليًا يتجاوز البيانات الختامية، إذا تحولت المحادثات الثنائية إلى ترتيبات توريد وسداد محددة.

ما نراقبه في الفلوس بعد القمة أربعة أمور محددة: أي إعلان عن اتفاقات قمح أو طاقة جديدة وشروط سدادها، وأي تقدم في ملف المنطقة الصناعية الروسية بقناة السويس يترجم إلى صادرات مصرية لاحقة لا واردات فقط، وأي خطوة في تسوية المدفوعات بالعملات المحلية، وأرقام الجهاز المركزي للشهور الخمسة المتبقية من 2026، وهل ستواصل الصادرات نموها المتواضع أم تتسع الفجوة أكثر. إذا انتهى العام بتبادل يقترب من 9 مليارات دولار وعجز أكبر، فسيكون ملف روسيا قد تحول رسميًا إلى أحد أكبر بنود الضغط على ميزان المدفوعات المصري، وسيحتاج إلى خطة تصدير حقيقية، لا إلى احتفاء بالأرقام.

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربهhttps://elfolos.com
أحمد عبد ربه — صحفي وإعلامي مصري، ومؤسس ورئيس تحرير موقع الفلوس (ELFOLOS). درس الإعلام والصحافة في جامعتي القاهرة وطنطا، ويعمل مديرًا لمنتدى الحوار من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. يكتب ويشرف على تغطية الاقتصاد المصري: أسعار الذهب والدولار، البنوك وشهادات الادخار، البورصة، والسياسات الاقتصادية، بهدف تبسيط المعلومة المالية للمواطن المصري.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img