أغلقت أسعار الذهب في مصر تعاملات مساء اليوم الخميس 29 أكتوبر 2026 على تراجع واضح، بعد يوم استثنائي حمل قرارين نقديين في اتجاهين مختلفين ظاهريًا لكنهما يضغطان على المعدن الأصفر من الباب نفسه: البنك المركزي المصري رفع الفائدة 100 نقطة أساس على غير توقعات السوق، والبيانات الأمريكية الجديدة أعادت تثبيت رهانات رفع الفائدة في ديسمبر. وسجل جرام الذهب عيار 21، الأكثر تداولًا في السوق المصرية، 6355 جنيهًا في ختام التعاملات وفق بيانات منصة آي صاغة، منخفضًا بنحو 45 جنيهًا عن إغلاق أمس الأربعاء عند 6400 جنيه، وبنحو 5 جنيهات إضافية عن مستوى منتصف اليوم الذي رصدته «الفلوس» عند 6360 جنيهًا.
وبحسب بيانات آي صاغة في تقريرها المسائي الصادر مساء اليوم الخميس، سجل جرام الذهب عيار 24 نحو 7262 جنيهًا، وعيار 18 نحو 5447 جنيهًا، بينما بلغ سعر الجنيه الذهب نحو 50840 جنيهًا. وأشار التقرير إلى أن السعر المحلي يتداول بأقل من سعره العادل بنحو 20 جنيهًا للجرام وفق الحسابات السعرية للمنصة، وهي فجوة تعكس سرعة تحرك الأونصة العالمية وسعر الصرف خلال جلسة واحدة مليئة بالأخبار، أكثر مما تعكس تغيرًا حقيقيًا في الطلب داخل محلات الصاغة.
أسعار الذهب في مصر بعد رفع الفائدة: ماذا قال تحليل جولد بيليون؟
وفي تحليل مسائي نشرته منصة جولد بيليون مساء اليوم الخميس، بالتزامن مع أولى تعاملات ما بعد قرار المركزي، رأت المنصة أن الذهب في مصر يواجه ضغوطًا متزايدة مع تراجع الدعم القادم من الأسواق العالمية، بعدما فشل عيار 21 في اختراق مستوى المقاومة المهم عند 6400 جنيه للجرام، ليعود إلى الهبوط في محاولة لتجميع القوة اللازمة لاستئناف الصعود. وأكد التحليل أن مستوى 6400 جنيه يظل مقاومة فنية ونفسية مهمة: الاستقرار أعلاه يحتاج إلى زخم جديد، بينما استمرار الضغوط العالمية وتراجع الدولار محليًا يرفع احتمالات التصحيح السعري في السوق المصرية.
وعلى الصعيد العالمي، تراجعت أونصة الذهب خلال تداولات اليوم بنحو 1.2% وفق تحليل جولد بيليون، لتسجل نحو 4020 دولارًا بعدما افتتحت الجلسة عند 4065 دولارًا ولامست مستوى 4019 دولارًا. وتقاطع هذا الرقم مع سلسلة أسعار آي صاغة التي أظهرت هبوط الأونصة من 4067.76 دولار في تعاملات الأربعاء إلى نحو 4022.10 دولار اليوم الخميس، بانخفاض 45.66 دولار يعادل نحو 1.12%. وبذلك يكون المعدن الأصفر قد تخلى عن مكاسب ثلاث جلسات متتالية، وعاد ليختبر منطقة 4000 دولار النفسي من جديد، في وقت يترقب فيه المستثمرون ما إذا كانت بيانات التضخم الأمريكية ستفتح الباب أمام تشديد إضافي أم لا.
بيانات التضخم والنمو الأمريكية تعزز رهان رفع الفائدة في ديسمبر
وجاء الضغط العالمي الأكبر على أسعار الذهب من حزمة البيانات الأمريكية التي صدرت اليوم الخميس عن مكتب التحليل الاقتصادي الأمريكي. فقد ارتفع مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي، وهو مقياس التضخم المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي، بنسبة 0.5% على أساس شهري في سبتمبر، متسارعًا من 0.3% في أغسطس ومتوافقًا مع التوقعات، بينما صعد المعدل السنوي إلى 3.6% من 3.4%. وارتفع المؤشر الأساسي الذي يستبعد الغذاء والطاقة بنسبة 0.3% شهريًا، وبنسبة 3.1% سنويًا من 3.0% في أغسطس، بما يؤكد أن التضخم الأساسي ما زال يتحرك بعيدًا عن مستهدف الفيدرالي البالغ 2%.
وفي الوقت نفسه، أظهر التقدير الأولي للناتج المحلي الإجمالي الأمريكي نمو الاقتصاد بمعدل سنوي 3.4% في الربع الثالث، متجاوزًا التوقعات البالغة 3.2% ومتسارعًا بوضوح من 2.2% في الربع الثاني، مدعومًا بقوة الإنفاق الاستهلاكي والاستثمار. وتراجعت طلبات إعانة البطالة الأسبوعية إلى 194 ألف طلب، دون التوقعات التي دارت حول 198 ألفًا، بينما نما الإنفاق الشخصي بنسبة 0.5%، أقل قليلًا من 0.6% المتوقعة. ووفق تقرير آي صاغة، كانت احتمالات رفع الفائدة الأمريكية في اجتماع ديسمبر تدور حول 83.8% قبل صدور البيانات، ورأت الأسواق أن مزيج «نمو أقوى من المتوقع وتضخم لا يتراجع» يعزز حجة الإبقاء على سياسة متشددة، وهو ما دعم الدولار وعوائد السندات وضغط على الذهب الذي لا يدر عائدًا دوريًا. وكانت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات قد دارت حول 5.034% في تعاملات الأربعاء وفق التقرير نفسه.
سعيد إمبابي: تثبيت الفيدرالي لا ينهي الضغوط على الذهب
من جانبه، قال المهندس سعيد إمبابي، المدير التنفيذي لمنصة آي صاغة، إن تراجع أسعار الذهب في مصر يعكس تأثير الضغوط العالمية، خاصة انخفاض سعر الأونصة واستمرار حالة عدم اليقين بشأن مسار السياسة النقدية الأمريكية. وأوضح أن قرار الفيدرالي تثبيت أسعار الفائدة عند نطاق 3.75% إلى 4.00% لا يعني بالضرورة انتهاء الضغوط على المعدن الأصفر، إذ تواصل الأسواق إعادة تسعير توقعاتها وفق رسائل البنك المركزي الأمريكي والبيانات الاقتصادية الجديدة.
وأضاف إمبابي أن استمرار المخاوف المرتبطة بالتضخم قد يدفع الأسواق إلى توقع بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، بما يدعم الدولار والعوائد الأمريكية ويزيد تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب. وفي المقابل، أشار إلى أن تباطؤ التضخم أو ظهور مؤشرات ضعف في سوق العمل الأمريكي قد يمنح الذهب دعمًا جديدًا، إذا أدى ذلك إلى تراجع توقعات التشديد النقدي خلال الفترة المقبلة. ويراقب المتعاملون، وفق التقرير، مستويات دعم فنية حول 3975.64 دولار للأونصة، بينما تقع المقاومة العالمية بين 4060 و4100 دولار.
رفع فائدة المركزي المصري.. عامل محلي جديد في تسعير الذهب
محليًا، دخل عامل جديد على خط التسعير مساء اليوم: قرار لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري رفع أسعار العائد الأساسية بواقع 100 نقطة أساس، لتصل إلى 20% للإيداع و21% للإقراض و20.5% للعملية الرئيسية، في أول رفع للفائدة منذ مارس 2024 ومخالفةً لتوقعات أغلب المحللين الذين رجحوا التثبيت، كما رصدت «الفلوس» في تغطيتها لقرار المركزي اليوم (تفاصيل قرار رفع الفائدة 100 نقطة أساس). ووفق تحليل جولد بيليون، فإن رفع الفائدة عامل مؤثر في حركة الذهب خلال الفترة المقبلة، لكنه لا يعني بالضرورة انخفاض الأسعار بصورة مباشرة أو فورية، إذ يتوقف حجم التأثير على انعكاس القرار على سعر صرف الجنيه وحركة الاستثمارات الأجنبية واتجاهات الأونصة العالمية.
وأشار التحليل إلى أن سعر صرف الدولار يظل أحد العوامل الرئيسية في تسعير الذهب داخل مصر، خاصة بعدما سجلت العملة الأمريكية مستويات تجاوزت 56 جنيهًا خلال الأسبوع، رغم تراجعها في تعاملات اليوم في عدد من البنوك. فمن الناحية النظرية قد يسهم رفع الفائدة في دعم الجنيه والحد من الضغوط على سوق الصرف، إذا انعكس على تدفقات النقد الأجنبي وتوقعات المستثمرين، وهو ما قد يحد من تكلفة تسعير الذهب محليًا. لكن التحليل نبه في الوقت نفسه إلى أن استمرار خروج استثمارات أجنبية من أسواق الدين المصرية، مع اتجاه المستثمرين لتقليص المخاطر في الأسواق الناشئة وارتفاع عوائد السندات الأمريكية واستمرار التوترات الجيوسياسية، قد يقلص أثر هذا العامل حتى مع انخفاض الذهب عالميًا. ورغم الضغوط قصيرة الأجل، تظل مشتريات البنوك المركزية العالمية من الذهب مصدر دعم طويل الأجل للسوق، بما قد يحد من التراجعات الحادة.
تحليل الفلوس
ما حدث اليوم ليس «هبوطًا عاديًا» في أسعار الذهب، بل إعادة تسعير متزامنة من ثلاث جهات: فائدة مصرية أعلى من المتوقع، وتضخم أمريكي يرفض النزول، ونمو أمريكي أقوى مما تخشاه الأسواق. ولهذا جاءت الخسارة المحلية محدودة نسبيًا عند 45 جنيهًا رغم هبوط الأونصة بأكثر من 1%؛ فالجنيه الذي تراجع بأكثر من 6% خلال أكتوبر ما زال يمتص جزءًا من صدمة الأسعار العالمية. المعادلة التي يجب أن يراقبها حائز الذهب في مصر خلال الأيام المقبلة ليست سعر الأونصة وحده، بل حاصل ضرب ثلاثة متغيرات: الأونصة حول 4000 دولار، والدولار حول 56 جنيهًا، ومدى نجاح فائدة 20% في إعادة الأموال الساخنة بدلًا من دفعها لمزيد من الخروج.
السيناريو الأقرب على المدى القصير هو التذبذب الحاد لا الاتجاه الواحد. فنيًا، فقدان مستوى 4000 دولار عالميًا بثبات قد يفتح الباب لاختبار الدعم حول 3975 دولارًا، وينعكس محليًا في ضغط إضافي على عيار 21 ما لم يعوضه صعود الدولار. وفي المقابل، أي تراجع مفاجئ في رهانات رفع الفائدة الأمريكية في ديسمبر — بعد بيانات أضعف أو لهجة أهدأ من مسؤولي الفيدرالي — قد يعيد للأونصة زخمها سريعًا، وحينها سيكون اختراق مقاومة 6400 جنيه محليًا هو الاختبار الحقيقي. أما قرار المركزي المصري، فأثره على الذهب سيظهر تدريجيًا عبر سوق الصرف وتدفقات أدوات الدين، لا في جلسة واحدة؛ ولذلك فإن إغلاق الغد وأسعار الدولار في أول أيام عمل البنوك بعد القرار، الأحد المقبل، أهم من إغلاق الليلة نفسه.







