صندوق النقد الدولي: المراجعة الأخيرة لبرنامج مصر أمام المجلس التنفيذي قبل منتصف ديسمبر.. و2.35 مليار دولار على الطاولة

Published:

قال صندوق النقد الدولي اليوم الخميس 29 أكتوبر 2026 إن بعثته الحالية إلى مصر تستهدف التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن المراجعة الأخيرة لبرنامجي التعاون القائمين، ثم عرض الاتفاق على المجلس التنفيذي للصندوق للموافقة عليه قبل منتصف ديسمبر المقبل، في خطوة تفتح الباب أمام صرف نحو 2.35 مليار دولار لمصر مع إغلاق ملف البرنامج الحالي الذي ينتهي رسميًا في 15 ديسمبر 2026. التصريحات نقلتها وكالة رويترز عن جولي كوزاك، مديرة إدارة الاتصالات بالصندوق، خلال إحاطتها الدورية اليوم الخميس، وهي أول جدول زمني معلن بهذا الوضوح منذ وصول البعثة إلى القاهرة.

وأضافت كوزاك، بحسب رويترز، أن المناقشات الجارية مع الحكومة المصرية ستركز على «الحفاظ على سياسة نقدية مشددة، والحفاظ على خطة ضبط أوضاع المالية العامة»، مؤكدة أن الهدف من ذلك كله هو «الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي الذي بذلت مصر جهودًا كبيرة لتحقيقه». وشددت على أن الإصلاحات الهيكلية تظل جزءًا محوريًا من المحادثات، وأن الهدف منها هو «دعم نمو أقوى في مصر يقوده القطاع الخاص بدرجة أكبر».

صندوق النقد الدولي يحدد خريطة المراجعة الأخيرة: 1.52 مليار من التسهيل الممدد و823 مليونًا من الصلابة والمرونة

المراجعة الجارية هي الثامنة والأخيرة في إطار برنامج «تسهيل الصندوق الممدد» البالغة قيمته 8 مليارات دولار، والثالثة والأخيرة في إطار برنامج «الصلابة والمرونة» البالغة قيمته نحو 1.3 مليار دولار. وبحسب التغطيات المحلية لتصريحات الصندوق اليوم، يتيح استكمال المراجعتين صرف نحو 2.35 مليار دولار، بواقع نحو 1.52 مليار دولار من المراجعة الثامنة لبرنامج التسهيل الممدد، ونحو 823 مليون دولار من المراجعة الثالثة لبرنامج الصلابة والمرونة، بعد تنفيذ 6 إصلاحات متبقية مرتبطة بملفات المناخ والبيئة. وكانت المراجعتان السابعة والثانية قد اكتملتا في أغسطس الماضي وأتاحتا صرف نحو 1.8 مليار دولار، ليرتفع إجمالي ما حصلت عليه مصر من البرنامجين إلى نحو 7.3 مليار دولار قبل الشريحة الأخيرة.

الجدول الزمني الذي أعلنه صندوق النقد الدولي اليوم يعني عمليًا أن الأسابيع الستة المقبلة هي الحاسمة: اتفاق على مستوى الخبراء أولًا بين فريق البعثة والسلطات المصرية، ثم رفع التقرير إلى إدارة الصندوق، ثم اجتماع المجلس التنفيذي للاعتماد والصرف، وكل ذلك قبل أن ينتهي البرنامج رسميًا في 15 ديسمبر. أي تأخير عن هذا الموعد لا يلغي الشريحة، لكنه يضعها تحت ضغط انتهاء مدة البرنامج نفسه، وهو ما يفسر حرص الصندوق على إعلان الموعد المستهدف صراحة في إحاطة رسمية.

رسالة «السياسة النقدية المشددة».. في يوم رفع البنك المركزي الفائدة 100 نقطة أساس

لا يمكن قراءة عبارة كوزاك عن «الحفاظ على سياسة نقدية مشددة» بمعزل عن توقيتها: ففي اليوم نفسه، الخميس 29 أكتوبر، قررت لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري رفع أسعار الفائدة 100 نقطة أساس، ليصل عائد الإيداع لليلة واحدة إلى 20% والإقراض إلى 21%، في أول رفع منذ مارس 2024، ومخالفًا لإجماع توقعات بنوك الاستثمار التي رجحت التثبيت. وجاء الرفع بعد شهرٍ فقد فيه الجنيه نحو 6.4% من قيمته أمام الدولار، وسجلت فيه العملة الأمريكية مستويات قياسية فوق 56 جنيهًا قبل أن تتراجع ظهر اليوم دون هذا المستوى في عدد من البنوك، بمتوسط قريب من 55.99 جنيه للشراء و56.09 جنيه للبيع في تحديثات مساء الخميس.

بهذا المعنى، يبدو قرار المركزي وقراءة الصندوق في اتجاه واحد: الأولوية الآن لكبح توقعات التضخم وحماية سعر الصرف، حتى لو كان الثمن تكلفة تمويل أعلى على الشركات والمقترضين. وكان التضخم السنوي العام قد تراجع إلى 13.9% في سبتمبر من 14.5% في أغسطس، والأساسي إلى 14.1%، لكن التضخم الشهري تسارع إلى 1.3%، وهو التسارع الذي استندت إليه لجنة السياسة النقدية في تبرير الرفع المفاجئ، والذي تابعت «الفلوس» تفاصيله وأصداءه على الشهادات والقروض.

ماذا تحمل المراجعة الأخيرة للاقتصاد المصري؟ الطروحات في قلب المحادثات

إلى جانب السياسة النقدية والمالية العامة، تضع بعثة صندوق النقد الدولي ملف التخارج الحكومي وتوسيع دور القطاع الخاص في قلب المراجعة الأخيرة، وهو الملف الذي ظل نقطة الخلاف الأبرز في المراجعات السابقة. وخلال الأيام الأخيرة أنجزت مصر خطوة وازنة في هذا المسار: طرح بنك القاهرة الذي جمع سيولة تزيد على 36.4 مليار جنيه وغطى الطرح العام فيه الطلب بنحو 27 مرة، على أن يبدأ تداول السهم في البورصة في 2 نوفمبر المقبل بسعر 5.30 جنيه، كما تستعد الحكومة لطرح حصة من شركة مصر لتأمينات الحياة قبل نهاية العام، بحسب التغطيات المحلية المصاحبة لتصريحات الصندوق اليوم.

وتأتي الشريحة المنتظرة في لحظة يحتاج فيها الاقتصاد المصري إلى كل مصدر تمويل خارجي مستقر: صافي الاحتياطيات الدولية سجل نحو 57.35 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2026، لكن السوق شهدت في الأسبوعين الأخيرين مبيعات أجنبية مكثفة في أدوات الدين الحكومي قُدرت بنحو 3.5 مليار دولار منذ منتصف أكتوبر، مع صافي بيع أجنبي وعربي بنحو 391 مليون دولار في جلسة الأربعاء وحدها، كما رصدت «الفلوس» في تغطية تراجع الدولار دون 56 جنيهًا والأموال الساخنة. شريحة 2.35 مليار دولار لا تعوض هذا الرقم وحدها، لكن اعتمادها من المجلس التنفيذي يمثل شهادة دولية تسبق عادة عودة جزء من هذه التدفقات.

أما البورصة المصرية، فقد أنهت تعاملات الخميس — آخر جلسات الأسبوع والشهر — على صعود جماعي، إذ ارتفع المؤشر الرئيسي EGX30 بنسبة 0.64% إلى 49,596 نقطة وربح رأس المال السوقي 33 مليار جنيه، كما وثقت «الفلوس» في ختام البورصة المصرية الخميس، وهو أداء يعكس أن السوق بدأت تسعّر سيناريو إغلاق ناجح لملفات الفائدة والصندوق معًا.

تحليل الفلوس

أهم ما في تصريحات اليوم ليس الرقم — فالـ2.35 مليار دولار معروفة منذ إحاطة أكتوبر — بل تثبيت الموعد والمسار: بعثة موجودة فعليًا في القاهرة، هدف معلن هو اتفاق خبراء ثم مجلس تنفيذي قبل منتصف ديسمبر، وثلاثة عناوين للمحادثات هي السياسة النقدية المشددة وضبط المالية العامة والإصلاحات الهيكلية. هذا يعني أن الصندوق اختار أن يعلن ثقته في إتمام البرنامج في موعده، في اليوم نفسه الذي شدد فيه المركزي سياسته برفع كامل قدره 1%، وكأن المؤسستين ترسلان الرسالة نفسها إلى سوق خرجت منها أموال ساخنة بمليارات الدولارات خلال أسبوعين: التشديد مستمر، والبرنامج يُغلق بنجاح، ولا عودة إلى الوراء.

لكن الحذر يظل واجبًا في نقطتين. الأولى أن «اتفاق مستوى الخبراء» لم يُعلن بعد؛ ما أُعلن اليوم هو الهدف والجدول، وأي تعثر في ملفات مثل الطروحات المتبقية أو إصلاحات المناخ الست المرتبطة بشريحة الصلابة والمرونة قد يضغط الجدول كله نحو الأيام الأخيرة قبل انتهاء البرنامج في 15 ديسمبر. والثانية أن أثر الشريحة على المواطن لن يكون مباشرًا: قيمتها الحقيقية في إشارة الثقة وأثرها على سعر الدولار وتكلفة الاقتراض الخارجي، بينما يظل أثر رفع الفائدة على القروض والشهادات هو ما سيلمسه الناس أولًا في الأسابيع المقبلة، مع اجتماعات لجان الأصول والخصوم بالبنوك الأسبوع المقبل لإعادة تسعير الأوعية الادخارية.

ما يجب مراقبته تاليًا: إعلان اتفاق مستوى الخبراء نفسه وتاريخ اجتماع المجلس التنفيذي، وحركة الدولار في أول أسبوع بعد رفع الفائدة — هل يثبت دون 56 جنيهًا أم يعود الضغط مع أي تجدد لمبيعات الأجانب في الدين — وبدء تداول سهم بنك القاهرة في 2 نوفمبر باعتباره أول اختبار فعلي لشهية المستثمرين بعد إغلاق ملفي الفائدة والصندوق. إذا سارت هذه المحطات في مواعيدها، تدخل مصر عام 2027 بلا برنامج صندوق قائم للمرة الأولى منذ سنوات، وباحتياطي وسعر صرف يخضعان لاختبار السوق وحدهما.

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربهhttps://elfolos.com
أحمد عبد ربه — صحفي وإعلامي مصري، ومؤسس ورئيس تحرير موقع الفلوس (ELFOLOS). درس الإعلام والصحافة في جامعتي القاهرة وطنطا، ويعمل مديرًا لمنتدى الحوار من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. يكتب ويشرف على تغطية الاقتصاد المصري: أسعار الذهب والدولار، البنوك وشهادات الادخار، البورصة، والسياسات الاقتصادية، بهدف تبسيط المعلومة المالية للمواطن المصري.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img