يشهد قطاع التعدين في مصر واحدًا من أنشط أسابيعه منذ سنوات، مع إعلان رجل الأعمال نجيب ساويرس التقدم بعروض لخمسة مربعات استكشاف جديدة في الصحراء الشرقية، ودخول شركة «أنخ ريسورسز» المرحلة الثانية من الحفر في امتياز وادي دارا للذهب والنحاس، بينما تنتظر شركة «إكسكاليبر» الموافقات النهائية لإطلاق أول مسح جوي جيوفيزيائي شامل للثروات المعدنية في مصر منذ 42 عامًا. الأخبار الثلاثة جاءت من منتدى مصر للتعدين المنعقد في العاصمة الإدارية الجديدة، ونقلتها نشرة «إنتربرايز» الصباحية اليوم الأحد 4 أكتوبر 2026.
ساويرس يوسع رهانه على مناجم الذهب: 5 مربعات جديدة عبر «إن تو ميتالز» و«إيه كيه إتش جولد»
أعلن نجيب ساويرس، على هامش منتدى مصر للتعدين، أن شركته «إن تو ميتالز» (In2Metals) وذراعها المصرية «إيه كيه إتش جولد» (AKH Gold) تقدمت بعروض لخمسة مربعات استكشاف جديدة في الصحراء الشرقية، بحسب ما نقلته نشرة «إنتربرايز». وتأتي العروض الخمسة ضمن الجولة الثالثة من نظام «القطاعات المفتوحة» (Open Blocks)، وهو النظام الدوّار الذي استبدل المناقصات ذات المواعيد الثابتة في يونيو الماضي، لتُضاف إلى أربعة امتيازات تملكها الشركة بالفعل.
أكثر امتيازات الشركة تقدمًا هو «وعل» (Wa’al) في وسط الصحراء الشرقية، قرب منجم السكري، حيث أظهرت أعمال الحفر مؤشرات واعدة على مساحة واسعة. وقال فنسنت موريل، مدير الشركة في مصر، لـ«إنتربرايز» إن الحفر حدد موارد مُستدل عليها بنحو مليون أونصة ذهب، وهو تصنيف يعني أن التمعدن ممكن جيولوجيًا لكن لم تُثبت بعد جدواه الاقتصادية. الدرجة منخفضة، غير أن حجم التمعدن قد يجعل المشروع قابلًا للتطوير التجاري، بحسب ساويرس.
وكشف ساويرس أنه يتوقع أن تتجاوز أسعار الذهب 5 آلاف دولار للأونصة خلال العام الجاري، وهو ما يدعم اقتصاديات الاستكشاف. وتجاوز الذهب بالفعل حاجز 5 آلاف دولار للأونصة هذا العام للمرة الأولى، مدفوعًا بإقبال المستثمرين على الملاذات الآمنة وسط التوترات الجيوسياسية وعدم اليقين التجاري، بحسب وكالة رويترز.
ومن المفارقات أن الشركة كانت تعمل فعليًا في امتياز واحد فقط من الأربعة، إذ منعها منقّبون غير شرعيين من دخول الامتيازات الأخرى لنحو 18 إلى 24 شهرًا. وقال موريل إن حملة أمنية عسكرية في يوليو وأغسطس الماضيين طهّرت تلك المناطق، ومن المنتظر استئناف العمل في الامتيازات المتوقفة اعتبارًا من نوفمبر المقبل.
وأنفقت «إيه كيه إتش جولد» نحو 5 ملايين دولار هذا العام على الحفر والاستكشاف، بعدما أنفقت 9 ملايين دولار العام الماضي على المسوحات الجيوفيزيائية الجوية وكيمياء التربة والحفر الدوراني العكسي والحفر الماسي. وتُحسم موازنة العام المقبل في أكتوبر ونوفمبر عندما يعتمد مجلس الإدارة خطط 2027.
وتترقب الشركة لحظة حاسمة نهاية أكتوبر الجاري، عندما تسلّم شركة «إس آر كيه» للاستشارات (SRK Consulting) دراسة الجدوى الأولية التي ستحدد مسار التطوير: التمويل الذاتي، أو شراكة استراتيجية مع منتجين مجاورين مثل «أنجلو جولد أشانتي» المشغّلة لمنجم السكري، أو اللجوء إلى أسواق المال.
«وادي دارا»: أنخ ريسورسز تدخل المرحلة الثانية من الحفر
وفي الامتياز نفسه من الصحراء الشرقية، أعلنت شركة «أنخ ريسورسز» (Ankh Resources) بدء المرحلة الثانية من الحفر في امتياز وادي دارا للذهب والنحاس. وقال عبد الحليم عسران، مدير الاستكشاف بالشركة، لـ«إنتربرايز» على هامش المنتدى إن المرحلة الأولى في «المنطقة المستهدفة أ» أكدت امتدادًا متمعدنًا بطول 500 متر تقريبًا عبر برنامج أولي من 17 بئرًا، أصابت 14 منها ذهبًا أو نحاسًا بتركيزات مهمة.
وستستكمل المرحلة الثانية الحفر في «المنطقة أ» لتحديد الامتداد الكامل للتمعدن، ولأول مرة ستحفر «المنطقة ب» في الجانب الجنوبي الغربي من الامتياز، وهي منطقة لم تُحفر من قبل رغم أن الخرائط السطحية تتبعت التمعدن على امتداد يقارب 4 كيلومترات بين المنطقتين.
وتستهدف الشركة جمع 20 مليون دولار هذا العام لتغطية عمليات 2026 و2027، بعدما أنفقت أكثر من 5 ملايين دولار في 2026 على الحفر الأولي وتحليل العينات. وتضم قاعدة مساهميها مستثمرين أجانب وشركة «كابيتال ليميتد» لخدمات التعدين. كما تخطط الشركة للتقدم بعروض لمربعات جديدة في جولات القطاعات المفتوحة، مع أولوية للمناطق المجاورة لأراضيها الحالية، وتُعد لطرح عام أولي محتمل في بورصة تورونتو خلال النصف الثاني من 2027.
وقال مصطفى طلعت، الرئيس التنفيذي للشركة، إن «أنخ» استثمرت أكثر من 500 مليون جنيه في مصر حتى الآن، وتتوقع استثمار ما يزيد على مليار جنيه خلال 2027 و2028 في الحفر والتقييم.
أول مسح جوي شامل منذ 42 عامًا: «إكسكاليبر» تنتظر الضوء الأخضر
الخبر الثالث من المنتدى يخص شركة «إكسكاليبر سمارت مابينج» (Xcalibur Smart Mapping) الإسبانية، المتعاقدة على تنفيذ أول مسح جوي جيوفيزيائي شامل للثروات المعدنية في مصر منذ 42 عامًا. وقالت الشركة إنها تنتظر الموافقات النهائية، وقد تبدأ العمل مطلع العام المقبل.
ووُقّع العقد في مايو 2026 بين هيئة الثروة المعدنية والصناعات التعدينية والشركة الإسبانية، بالتعاون مع هيئة المواد النووية وشركة «درون تك» المصرية. ويغطي المسح ست مناطق: شمال وجنوب الصحراء الشرقية، وشمال وجنوب الصحراء الغربية، وسيناء، والواحات البحرية وأبو طرطور والوادي الجديد.
وقال وزير البترول والثروة المعدنية كريم بدوي إن المسح سيوفر «قاعدة بيانات تعدينية حديثة وعالية الدقة» تساعد المستثمرين على تحديد الترسبات القابلة للاستغلال التجاري بسرعة وبمخاطر استكشاف أقل. وتُعد المسوحات الجيوفيزيائية الجوية أقوى أدوات تقليل المخاطر في الاستكشاف الحديث، إذ تلتقط البيانات المغناطيسية والإشعاعية والجاذبية على نطاق واسع، ما يختصر الجداول الزمنية للمشروعات ويحسّن توجيه رؤوس الأموال، ويمنح مصر أول صورة جيولوجية شاملة منذ أربعة عقود.
ماذا يعني هذا للاقتصاد المصري؟
رغم أن الذهب يُستخرج في مصر منذ عهد الفراعنة، فإن الإنتاج الحديث يأتي شبه كامل من منجم السكري جنوب غرب مرسى علم، بينما تظل ثروات الدرع العربي النوبي — التكوين الصخري الغني بالمعادن الممتد عبر البحر الأحمر إلى السودان وإريتريا وإثيوبيا — غير مستغلة إلى حد كبير. وتستهدف الحكومة رفع مساهمة التعدين في الناتج المحلي إلى نحو 6% مقابل أقل من 1% حاليًا.
كل اكتشاف تجاري جديد يعني عملة صعبة إضافية ووظائف في مناطق نائية، ويقلل فاتورة استيراد الذهب. ومع تجاوز سعر الأونصة 5 آلاف دولار، تصبح حتى الترسبات منخفضة الدرجة — مثل امتياز «وعل» — مرشحة للجدوى الاقتصادية، وهو ما يفسر تسابق الشركات على المربعات الجديدة الآن.
ولمتابعة أسعار الذهب في السوق المصرية لحظة بلحظة، يمكن الرجوع إلى متتبع أسعار الذهب في مصر اليوم على موقع الفلوس.
خلفية: إصلاح قانون التعدين فتح الباب
تعود جذور هذا النشاط إلى إصلاح قانون الثروة المعدنية قبل نحو ست سنوات، الذي ألغى شرط تقاسم الإنتاج مع الحكومة وخفّض الرسوم وأسقط إلزامية الشراكة مع الدولة — وهي القواعد التي كانت تُنفّر المستثمرين لعقود. كما تحوّلت هيئة الثروة المعدنية إلى هيئة اقتصادية مستقلة (هيئة الثروة المعدنية والصناعات التعدينية) بتوجيهات رئاسية، ما منحها مرونة أكبر في جذب الاستثمارات.
واستبدلت الحكومة نظام المناقصات الثابتة بنظام «القطاعات المفتوحة» الدوّار في يونيو الماضي، بحيث يمكن للشركات التقدم للمناطق المتاحة في أي وقت بدل انتظار جولة بعينها — وهو ما يفسر إقبال «إن تو ميتالز» و«أنخ» على مربعات جديدة الآن.
مع ذلك، تبقى التحديات قائمة: التعدين غير الشرعي، والبطء البيروقراطي، وطول الفترة بين الاكتشاف والإنتاج التي قد تمتد لسنوات. لكن بأموال تُقدَّر بمئات الملايين من الدولارات تتدفق على الاستكشاف هذا الأسبوع وحده، بحسب رويترز، يبدو أن رهان مصر على ذهب الصحراء الشرقية دخل مرحلة الجد.
المصدر: نشرة «إنتربرايز» الصباحية (EnterpriseAM)، عدد 4 أكتوبر 2026 — منتدى مصر للتعدين؛ وكالة رويترز.







