قال الدكتور هاني جنينة، رئيس قطاع البحوث بشركة الأهلي فاروس لتداول الأوراق المالية، إن الحكومة قد تتجه خلال الفترة المقبلة إلى «إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام» وتأجيل بعض المشروعات الاستثمارية، مرجحًا أن يكون من بين الخيارات المطروحة إجراء «خفض جزئي لدعم المواد البترولية» — وليس إلغاءه بالكامل — خلال شهر يناير 2027. وجاءت تصريحات هاني جنينة عن تأجيل المشروعات ودعم الوقود خلال مداخلة هاتفية تلفزيونية، في وقت تواجه فيه الموازنة العامة ضغطًا مزدوجًا من فاتورة الطاقة العالمية ومن تكلفة خدمة الدين بعد قرار البنك المركزي رفع أسعار الفائدة.
هاني جنينة: الموازنة تواجه صدمتين في وقت واحد
أوضح جنينة أن الموازنة العامة للدولة تواجه صدمتين رئيسيتين تتحركان في الاتجاه نفسه. الصدمة الأولى هي ارتفاع فاتورة استيراد الطاقة نتيجة التطورات العالمية وارتفاع أسعار النفط والغاز والسولار، وهي فاتورة قدّرها جنينة نفسه في تصريحات سابقة بأنها مرشحة للصعود إلى ما بين 30 و35 مليار دولار خلال العام الحالي، مقابل نحو 21 مليار دولار في العام الماضي، أي بزيادة تتراوح بين 10 و15 مليار دولار تمثل ضغطًا مباشرًا على الموارد الدولارية للدولة وعلى مخصصات الدعم في الموازنة.
أما الصدمة الثانية فهي زيادة أعباء خدمة الدين العام بعد قرار لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري، يوم الخميس 29 أكتوبر 2026، رفع أسعار العائد الأساسية بواقع 100 نقطة أساس، ليصل سعر عائد الإيداع لليلة واحدة إلى 20% والإقراض إلى 21% وسعر العملية الرئيسية إلى 20.5%. فكل نقطة مئوية إضافية في أسعار الفائدة تتحول، مع مرور الوقت وعمليات إعادة التمويل، إلى مليارات الجنيهات الإضافية في بند فوائد الدين الذي يلتهم أصلًا الحصة الأكبر من مصروفات الموازنة، وهو ما يفرض — بحسب جنينة — ضغوطًا إضافية على عجز الموازنة ويضيّق المساحة المتاحة للإنفاق الاستثماري والاجتماعي معًا.
خفض جزئي لدعم الوقود.. ولماذا يناير 2027؟
أشار هاني جنينة إلى أن أحد الخيارات المتاحة أمام الحكومة يتمثل في إعادة النظر في دعم المواد البترولية من خلال خفض جزئي للدعم وليس إلغاءه بالكامل، مرجحًا إمكانية اتخاذ إجراءات في هذا الاتجاه خلال يناير 2027. وربط جنينة هذا التوقيت بقرار لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية في اجتماعها خلال أكتوبر الماضي تثبيت أسعار الوقود لمدة ثلاثة أشهر، وهو ما يجعل شهر يناير المقبل الموعد الطبيعي التالي لمراجعة الأسعار في ضوء المتغيرات والضغوط الحالية، مع تأكيده في الوقت نفسه أن هذا لا يعني الجزم بإقرار زيادة جديدة في الأسعار، فالقرار النهائي سيتوقف على حركة الأسعار العالمية وسعر الصرف وقتها.
وتكتسب هذه الإشارة أهميتها من أن أسعار الوقود تمس حياة كل مواطن بشكل مباشر: فهي تدخل في تكلفة النقل والمواصلات، ومنها إلى أسعار السلع الغذائية والخدمات، وأي تحريك لها — حتى لو كان جزئيًا — ينتقل أثره سريعًا إلى معدلات التضخم التي سجلت 13.9% على أساس سنوي في المناطق الحضرية خلال سبتمبر الماضي وفق بيان البنك المركزي. ولهذا فإن مجرد وضع يناير 2027 على الخريطة كموعد محتمل للمراجعة يجعل الشهرين المقبلين فترة ترقب في الأسواق، بين من يبني حساباته على تثبيت جديد ومن يستعد لتحريك محدود.
تأجيل مشروعات استثمارية.. والحكومة والقطاع الخاص في قارب واحد
توقع جنينة كذلك أن تشهد الموازنة الاستثمارية للدولة بعض التأجيلات خلال الفترة المقبلة، موضحًا أن الحكومة قد تضطر إلى خفض جزء من الإنفاق الاستثماري بهدف توفير الموارد اللازمة للتعامل مع الضغوط الاقتصادية المستجدة. فحين تتسع فاتورتا الطاقة وخدمة الدين في وقت واحد، يصبح بند الاستثمارات العامة هو الأقرب عمليًا للمساس به، لأنه البند الأقل جمودًا مقارنة بالأجور والدعم وفوائد الدين التي لا يمكن تأجيلها.
ولفت رئيس بحوث الأهلي فاروس إلى أن الشركات الخاصة قد تتجه إلى النهج نفسه، عبر توجيه السيولة المتاحة لديها إلى تمويل رأس المال العامل وتكوين المخزونات اللازمة لاستمرار الإنتاج، بدلًا من ضخ استثمارات جديدة في توسعات أو مشروعات قيد الإنشاء خلال المرحلة الحالية، خاصة مع وصول تكلفة الاقتراض إلى مستويات قياسية بعد رفع الفائدة. وأكد جنينة أن إعادة ترتيب الإنفاق بهذه الصورة قد تنعكس على معدلات النمو الاقتصادي في ظل احتمالية تراجع حجم الاستثمارات الحكومية والخاصة معًا، إلا أن هذا التوجه يمثل في تقديره أحد الخيارات المتاحة أمام الدولة والقطاع الخاص للتعامل مع الصدمات الخارجية والحفاظ على استمرارية النشاط الاقتصادي بدلًا من توقفه.
ماذا يعني كلام جنينة للمواطن والمستثمر؟
بالنسبة للمواطن، الرسالة العملية هي أن ملف أسعار الوقود سيعود إلى الواجهة مع بداية العام الجديد، وأن أي حديث عن تحريك جزئي للدعم يجب أن يُقرأ من الآن في حسابات الأسرة وتكاليف النقل والسلع. وبالنسبة للمستثمر والشركات، فإن تأجيل الإنفاق الاستثماري الحكومي يعني إعادة حساب جدوى المشروعات المرتبطة بالطلب الحكومي، بينما يظل سعر الصرف — الذي استقر صباح اليوم الأحد 1 نوفمبر 2026 حول 55.99 جنيه للشراء و56.09 جنيه للبيع في البنوك — هو المتغير الحاكم الذي ستتحدد على أساسه فاتورة الطاقة وكلفة الدعم معًا في يناير.
تحليل الفلوس
قراءة جنينة هذه المرة لا تتعلق بسعر الدولار أو الفائدة في ذاتهما، بل بما بعدهما: فهو ينقل النقاش من قرار المركزي إلى قرار المالية، ويقول عمليًا إن فاتورة القرار النقدي والفاتورة الجيوسياسية ستلتقيان في موازنة واحدة لا تستطيع تحمّلهما معًا من دون إعادة ترتيب. وهذا تشخيص واقعي؛ فالموازنة المصرية تعمل أصلًا بهوامش ضيقة، وفوائد الدين وحدها تلتهم ما يقترب من نصف المصروفات، وأي زيادة جديدة في خدمة الدين أو في دعم الطاقة تُدفع بالضرورة من بند آخر، والبند الأسهل سياسيًا وفنيًا هو الاستثمارات المؤجلة لا الأجور ولا الفوائد.
لكن التأجيل ليس مجانيًا: فكل مشروع يُرحّل يخصم من النمو والتشغيل في العام نفسه، ويعطي إشارة للقطاع الخاص بأن يرحّل هو الآخر، فتتحول الصدمة المؤقتة إلى تباطؤ أوسع — وهو الخطر الذي حذّر منه جنينة نفسه في أحاديث موازية عن مرحلة تباطؤ مقبلة. وما يجب أن يراقبه القارئ في الأسابيع المقبلة ثلاثة مؤشرات: أولها أي تسريبات أو بيانات رسمية عن مراجعة يناير لأسعار الوقود، وثانيها ملامح مشروع موازنة العام المالي المقبل وحجم الاستثمارات العامة فيه، وثالثها مسار أسعار الطاقة العالمية وسعر الدولار؛ فإذا انحسرت التوترات وتراجعت فاتورة الاستيراد، قد لا تحتاج الحكومة إلى أي من هذه الخيارات المؤلمة، أما إذا استمرت الضغوط فإن سيناريو جنينة — إعادة ترتيب وخفض جزئي مؤجل — سيكون هو الأقرب للتنفيذ.
المصدر: مداخلة هاتفية للدكتور هاني جنينة نقلتها مجلة أصول مصر عن صدى البلد، 31 أكتوبر 2026.
📚 ملف الخبير: تابع كل تصريحات ومقالات د. هاني جنينة وسيرته الذاتية الكاملة في قسم خبراء الاقتصاد على موقع الفلوس.







