الذهب يتراجع في مصر رغم صعود الأوقية عالميًا.. عيار 21 عند 6120 جنيهًا والدولار يكبح الأسعار

Published:

شهدت أسعار الذهب في مصر تراجعًا ملحوظًا في تعاملات اليوم الاثنين 2 نوفمبر 2026، في حركة بدت للوهلة الأولى متناقضة مع ما يحدث في الأسواق العالمية، إذ انخفض سعر الجرام محليًا في وقت كانت فيه الأوقية تصعد في البورصات العالمية وتستعيد جزءًا من خسائرها الأخيرة. هذا التباين بين السوق المحلية والسوق العالمية أعاد إلى الواجهة حقيقة يعرفها كل من يتابع سوق الصاغة في مصر جيدًا، وهي أن سعر الذهب في مصر لا تحدده الأوقية وحدها، بل يتشكل من معادلة مركبة يدخل فيها سعر صرف الدولار أمام الجنيه بقوة، إلى جانب مستويات الطلب والعرض داخل السوق المحلية. ومع تراجع الدولار في البنوك خلال الأيام الأخيرة، وضعف الإقبال على الشراء، وجد المعدن الأصفر نفسه تحت ضغط محلي فاق في تأثيره الدعم القادم من الخارج.

أسعار الذهب في مصر اليوم الاثنين 2 نوفمبر 2026

قال نادي نجيب، الرئيس الأسبق لشعبة الذهب، في تصريحات نقلها موقع مصراوي، إن سعر جرام الذهب عيار 21، وهو العيار الأكثر تداولًا وانتشارًا في مصر، تراجع بنحو 20 جنيهًا في منتصف تعاملات اليوم الاثنين، ليصل إلى 6120 جنيهًا للجرام. ويعكس هذا التراجع في منتصف اليوم استمرار الضغوط على الأسعار منذ بداية التعاملات، إذ لم تستفد السوق المحلية من الصعود العالمي كما يحدث عادة، بل تحركت في الاتجاه المعاكس تحت وطأة العوامل المحلية.

وفي السياق نفسه، أشار تقرير «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية»، الذي أعده الدكتور وليد فاروق، إلى أن عيار 21 سجل تراجعًا أكبر عند المقارنة بإغلاق الأسبوع الماضي، بلغ نحو 40 جنيهًا، ليستقر حول مستوى 6120 جنيهًا للجرام. ووفق بيانات المرصد، سجل الذهب عيار 24 نحو 6994 جنيهًا للجرام، بينما بلغ سعر عيار 18 نحو 5246 جنيهًا للجرام، ووصل سعر الجنيه الذهب إلى 48960 جنيهًا. وافتتح عيار 18 عند 5288 جنيهًا قبل أن يهبط نحو 43 جنيهًا إلى حوالي 5245 جنيهًا.

وعلى مستوى التسعير لدى منصات التسعير الفوري، نقل موقع «إرم بزنس» عن منصة «آي صاغة» أن سعر بيع عيار 21 بلغ في الساعة الثانية والنصف ظهرًا بتوقيت القاهرة 6150 جنيهًا للبيع مقابل 6100 جنيه للشراء، وهو ما يوضح وجود فارق واضح بين سعري البيع والشراء يعكس حالة الحذر في السوق.

الأوقية تصعد عالميًا وتتماسك فوق 3900 دولار

على الصعيد العالمي، تحركت الأسعار في الاتجاه المعاكس تمامًا. فقد ارتفع سعر الذهب الفوري بنسبة تراوحت بين 0.61% و0.72% ليصل إلى ما بين 3898 و3903 دولارات للأوقية، وفق بيانات وكالة بلومبرج التي نقلها موقع مصراوي. وأوضح «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية» أن الأوقية أضافت نحو 26 دولارًا لتسجل حوالي 3901 دولار. ويأتي هذا الصعود كمحاولة للتعافي من أدنى مستوى سجلته الأسعار يوم الجمعة الماضي عند نحو 3870 دولارًا للأوقية، وهو أدنى مستوى منذ أكتوبر 2025، بعد موجة بيع حادة شهدها شهر أكتوبر الماضي هزت ثقة المستثمرين على المدى القصير.

ورغم أن الصعود الحالي لا يزال محدودًا ووصف بأنه تعافٍ طفيف، إلا أن تماسك الأوقية قرب مستوى 3900 دولار يظل إشارة مهمة للمتعاملين، لأنه يأتي بعد تراجعات قوية كانت كفيلة بدفع الأسعار إلى مستويات أقل لو استمرت الضغوط البيعية.

لماذا تراجع الذهب محليًا رغم الصعود العالمي؟ الدولار هو الإجابة

الإجابة المباشرة عن سؤال اليوم تكمن في سعر الصرف. فقد تراجع الدولار أمام الجنيه المصري إلى مستوى يتراوح بين 55.44 و55.50 جنيه في البنوك، وهو تراجع جاء في أعقاب القرار المفاجئ للبنك المركزي المصري يوم الخميس 29 أكتوبر برفع أسعار الفائدة بنسبة 1%، لتصل إلى 20% للإيداع و21% للإقراض. وعندما ينخفض سعر الدولار، تنخفض تلقائيًا القيمة المحلية للأوقية العالمية عند تحويلها إلى الجنيه، حتى لو كانت الأوقية نفسها ترتفع بالدولار. بعبارة أبسط، إذا صعدت الأوقية بنسبة أقل من نسبة هبوط الدولار أمام الجنيه، تكون المحصلة النهائية في السوق المصرية هي التراجع، وهو ما حدث بالفعل اليوم.

قرار رفع الفائدة المفاجئ غيّر حسابات السوق بسرعة. فرفع العائد على الجنيه يجعل الاحتفاظ بالعملة المحلية وأدواتها الادخارية أكثر جاذبية نسبيًا، ويخفف الضغط على سعر الصرف، ويدعم الجنيه أمام الدولار. ومع كل قرش يخسره الدولار، تخسر تسعيرة الذهب المحلية جزءًا من قيمتها، لأن التجار يسعّرون الذهب أساسًا بضرب سعر الأوقية العالمي في سعر الدولار، ثم إضافة عوامل محلية أخرى. لذلك لم يكن تراجع اليوم مفاجأة لمن يراقب الدولار بقدر ما كان مفاجأة لمن يراقب الأوقية وحدها.

طلب ضعيف ومبيعات تهبط بنحو 50%

العامل الثاني الذي ضغط على الأسعار هو ضعف الطلب المحلي بشكل لافت. فقد أشار تقرير «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية» إلى أن شعبة الذهب ترصد تراجعًا في المبيعات بنحو 50% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. هذا الرقم كبير ويعكس تغيرًا حقيقيًا في سلوك المستهلك المصري، الذي بات أكثر حذرًا بعد موجات الصعود القياسية التي رفعت الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة وجعلت قرار الشراء أصعب على شريحة واسعة من الأسر. فحين يصبح جرام الذهب بأكثر من ستة آلاف جنيه، يتقلص الطلب على المشغولات بشكل طبيعي، ويتحول جزء من الطلب الاستثماري إلى الانتظار والترقب بدلًا من الشراء الفوري.

تحليل الفلوس

ما حدث اليوم يقدم دليلًا عمليًا واضحًا على أن العامل الحاكم في تسعير الذهب داخل مصر في هذه المرحلة هو سعر الصرف، وليس الأوقية العالمية. لسنوات كان كثير من المتابعين يختزلون حركة السوق المحلية في حركة البورصة العالمية، لكن تجربة الأيام الأخيرة، منذ قرار البنك المركزي المفاجئ برفع الفائدة في 29 أكتوبر، أثبتت أن هبوط الدولار من شأنه أن يمتص أي صعود عالمي وربما يعكسه تمامًا في السوق المحلية. من يريد أن يتوقع سعر عيار 21 غدًا عليه أن يراقب شاشة الدولار في البنوك أولًا، ثم ينظر إلى الأوقية ثانيًا، وليس العكس. هذه المعادلة ستظل قائمة طالما استمر الجنيه في الاستفادة من تشديد السياسة النقدية ومن تدفقات تبحث عن عائد مرتفع بالعملة المحلية.

أما تراجع المبيعات بنحو 50% مقارنة بالعام الماضي، فهو رقم يستحق التوقف عنده طويلًا، لأنه يعني أن السوق فقدت نصف طلبها الفعلي تقريبًا عند هذه المستويات السعرية. هذا لا يضغط على الأسعار فقط، بل يضغط أيضًا على ورش ومحال الصاغة التي تعتمد على حركة البيع اليومية، ويدفع السوق نحو مزيد من التركز في السبائك والجنيهات الذهبية على حساب المشغولات. وعلى الجانب الآخر، فإن ضعف الطلب يخلق حالة من التوازن الهش: أي عودة مفاجئة للإقبال، سواء بسبب موسم زواج أو تحوط من موجة تضخم جديدة، قد تدفع الأسعار للصعود بسرعة لأن السوق النحيفة تتحرك بعنف في الاتجاهين.

في الأيام المقبلة، هناك ثلاثة أمور يجب مراقبتها عن قرب. أولها مسار الدولار أمام الجنيه بعد رفع الفائدة، وهل سيواصل التراجع دون مستوى 55.50 جنيه أم سيتماسك ويستعيد جزءًا من خسائره، لأن ذلك سيحدد سقف وحدود حركة الذهب المحلية مباشرة. وثانيها بيانات الوظائف الأمريكية التي تصدر يوم الجمعة المقبل، إذ إن أي ضعف فيها قد يعيد إحياء رهانات خفض الفائدة الأمريكية ويدفع الأوقية لمزيد من الصعود، بينما قد تضغط البيانات القوية على الذهب عالميًا. وثالثها قدرة الأوقية على البقاء فوق مستوى 3900 دولار وإغلاق الأسبوع أعلاه، لأن كسر هذا المستوى هبوطًا من جديد سيعيد أجواء أكتوبر الصعبة. ويأتي تماسك الذهب أيضًا رغم هبوط النفط بأكثر من 3% اليوم، إذ سجل برنت نحو 109.7 دولار وسط آمال دبلوماسية أمريكية إيرانية عبر قطر، بينما تثبيته سيمنح السوق العالمية قاعدة للانطلاق، وحينها فقط قد تعود الأسعار المحلية للصعود إذا استقر الدولار أو ارتفع. حتى تتضح هذه الصورة، يظل التعامل الهادئ والشراء المتدرج لمن يحتاج الذهب فعليًا هو الخيار الأكثر أمانًا، بدلًا من مطاردة كل حركة يومية صاعدة أو هابطة.

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربهhttps://elfolos.com
أحمد عبد ربه — صحفي وإعلامي مصري، ومؤسس ورئيس تحرير موقع الفلوس (ELFOLOS). درس الإعلام والصحافة في جامعتي القاهرة وطنطا، ويعمل مديرًا لمنتدى الحوار من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. يكتب ويشرف على تغطية الاقتصاد المصري: أسعار الذهب والدولار، البنوك وشهادات الادخار، البورصة، والسياسات الاقتصادية، بهدف تبسيط المعلومة المالية للمواطن المصري.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img