طالب النائب عبد الحميد الشورى، عضو مجلس النواب، بإعادة النظر في مرتبات ضباط القوات المسلحة والشرطة، بما يتناسب مع الارتفاع المتواصل في تكاليف المعيشة، مؤكدًا أن ما يقدم لأسر الشهداء والمصابين ليس منحة ولا تفضلًا من أحد، وإنما حق أصيل وواجب وطني لا يقبل التأجيل.
جاءت مطالبة الشورى خلال الجلسة العامة لمجلس النواب المنعقدة اليوم الاثنين 2 نوفمبر 2026، برئاسة المستشار هشام بدوي، أثناء مناقشة مشروع القانون المقدم من الحكومة بشأن تعديل بعض أحكام قانون إنشاء صندوق تكريم شهداء وضحايا ومفقودي ومصابي العمليات الحربية والإرهابية والأمنية وأسرهم، وهي التعديلات التي وافق عليها المجلس من حيث المبدأ.
ماذا قال الشورى تحت القبة؟
قال الشورى إن مشروع القانون يتضمن إيجابيات كثيرة تحقق مصالح أسر شهداء القوات المسلحة والشرطة والمدنيين والمصابين، مشددًا على أن الدولة مدينة لشهدائها وأسرهم، وأن ما يقدم لهم هو رد للجميل وتقدير لتضحيات أبناء قدموا أرواحهم دفاعًا عن الوطن.
وأوضح أن الأمن يمثل الركيزة الأساسية للاستقرار وجذب الاستثمارات وتحقيق الإنجازات، وأن ما تشهده الدولة من استقرار أمني يرجع إلى تضحيات أبطال القوات المسلحة والشرطة وجهود القيادة السياسية، وهو ما يجعل تحسين أوضاع هؤلاء الأبطال وأسرهم مسألة لا تنفصل عن حماية هذا الاستقرار نفسه.
ودعا النائب إلى إعادة النظر في أوضاع الشهداء والمصابين عبر مختلف الحروب التي خاضتها مصر، بداية من حرب 1948، مرورًا بحرب 1956 وحرب اليمن وحرب أكتوبر 1973، وصولًا إلى تضحيات القوات المسلحة والشرطة في مواجهة الإرهاب بسيناء، مطالبًا بالتوسع في المزايا المادية والعينية المقدمة لأسر الشهداء والعمل على تخفيف الأعباء المعيشية عنهم.
وفي ختام كلمته، ربط الشورى بين ملف أسر الشهداء وملف من هم في الخدمة الآن، فطالب صراحة بإعادة النظر في مرتبات ضباط القوات المسلحة والشرطة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، تقديرًا لدورهم في حماية أمن الوطن واستقراره، قبل أن يعلن موافقته على مشروع القانون، داعيًا إلى مواصلة دعم أسر الشهداء والمصابين وتوفير كل أوجه الرعاية اللازمة لهم.
من هو عبد الحميد الشورى؟
عبد الحميد الشورى لواء سابق، يشغل عضوية مجلس النواب عن دائرة طلخا بمحافظة الدقهلية للدورة الثانية على التوالي، وهو أحد قيادات حزب الجبهة الوطنية، ويظهر باستمرار في وسائل الإعلام بصفته خبيرًا أمنيًا وسياسيًا. وتأتي مطالبته اليوم من داخل المؤسسة التشريعية نفسها، لا عبر تصريحات صحفية عابرة، ما يمنحها وزنًا مختلفًا: فهي مسجلة في مضبطة جلسة عامة، ومرتبطة بمناقشة قانون يمس شريحة واسعة من أسر العسكريين والشرطيين.
لماذا الآن؟ أرقام المعيشة تضغط على كل البيوت
لا تأتي المطالبة في فراغ. فبحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، سجل معدل التضخم السنوي لإجمالي الجمهورية 12.8% في سبتمبر 2026 مقابل 12.7% في أغسطس، وبلغ في المدن 13.9%، فيما قفز التضخم الشهري إلى 1.5%. والأثقل على ميزانية أي أسرة أن أسعار السكن والمياه والكهرباء والغاز ارتفعت بنحو 29.6% على أساس سنوي، وصعد الإيجار الفعلي للمسكن وحده بنسبة 27.5%، وهي بنود لا تستطيع أي أسرة — مدنية كانت أو عسكرية — تأجيلها أو الاستغناء عنها.
وزادت الضغوط قبل أيام، حين رفع البنك المركزي المصري أسعار الفائدة بنسبة 1% في اجتماع لجنة السياسة النقدية يوم 29 أكتوبر 2026، ليصل سعر الإيداع إلى 20% والإقراض إلى 21%، في محاولة لكبح موجة الأسعار. وبينما تستهدف السياسة النقدية تهدئة التضخم، تبقى الدخول الثابتة هي الحلقة الأضعف: فكل شهر يمر بمعدلات تضخم في خانة العشرات النسبية يعني تآكلًا جديدًا في القوة الشرائية للمرتب، أيًا كانت جهة عمل صاحبه. وتتابع «الفلوس» حركة الأسعار أولًا بأول، وكان آخرها رصد تراجع الدولار بمنتصف تعاملات اليوم الاثنين حول مستوى 55.5 جنيه.
فاتورة الأجور في الموازنة: مساحة مالية ضيقة أصلًا
أي مراجعة للمرتبات تصطدم فورًا بحجم فاتورة الأجور في الموازنة العامة. فقد خصص قانون ربط الموازنة للسنة المالية 2026/2027 نحو 822.78 مليار جنيه لباب الأجور وتعويضات العاملين، مقابل نحو 679.1 مليار جنيه في العام المالي السابق، أي زيادة تقترب من 21% دفعة واحدة. وطبقت الحكومة اعتبارًا من يوليو 2026 حزمة زيادات رفعت الحد الأدنى للأجور إلى 8 آلاف جنيه، بتكلفة إجمالية تجاوزت 100 مليار جنيه، مع مستهدف معلن بالوصول بالحد الأدنى إلى 15 ألف جنيه بنهاية العام المالي 2029/2030.
لكن مرتبات ضباط القوات المسلحة والشرطة لا تسير على قواعد قانون الخدمة المدنية التي تحكم موظفي الجهاز الإداري، بل تحكمها قوانين ولوائح خاصة بكل جهة، وهو ما يعني أن أي تعديل فيها يحتاج مسارًا تشريعيًا وماليًا مستقلًا، وتقديرًا دقيقًا لعدد المستفيدين وتكلفة كل شريحة، قبل أن يتحول من مطلب برلماني إلى قرار قابل للتنفيذ.
تحليل الفلوس
المطالبة مفهومة إنسانيًا واجتماعيًا، لكنها ماليًا تفتح بابًا واسعًا. فباب الأجور في الموازنة الحالية يقترب من 823 مليار جنيه، وبند الفوائد وحده يبتلع نحو 2.42 تريليون جنيه في العام نفسه، ما يعني أن كل مليار إضافي في المرتبات يجب أن يجد مصدر تمويل حقيقيًا، وإلا تحول إلى عجز أكبر واقتراض أغلى. والفارق الجوهري أن مراجعة مرتبات فئة بعينها — مهما كانت أحقيتها — لا تبقى محصورة فيها: فهي ترسل إشارة فورية إلى كل فئات الموازنة، من الأطباء والمعلمين إلى موظفي الجهاز الإداري، بأن سقف المطالب ارتفع، وساعتها تتحول مراجعة محدودة إلى موجة مطالب عامة يصعب على المالية احتواؤها في سنة واحدة.
التوقيت أيضًا حساس من زاوية السياسة النقدية. فالبنك المركزي رفع الفائدة قبل أيام إلى 20% للإيداع لكسر توقعات التضخم، وأي توسع مالي سريع في بند الأجور يعمل في الاتجاه المعاكس: ضخ سيولة استهلاكية جديدة في سوق يعاني أصلًا من قفزات في أسعار السكن والغذاء. المعادلة التي ستواجهها الحكومة دقيقة: تجاهل المطلب يترك شريحة تحمل السلاح في مواجهة غلاء يقترب من 13% سنويًا، والاستجابة الكاملة الفورية قد تعيد إشعال الضغوط السعرية التي يحاول المركزي إطفاءها بأدوات مكلفة.
ما يجب متابعته في الأسابيع المقبلة ثلاثة أمور: أولها رد فعل وزارة المالية وما إذا كان المطلب سيحال إلى دراسة رسمية أم سيبقى في إطار الكلمات البرلمانية، وثانيها ما إذا كانت لجان الدفاع والأمن القومي والداخلية بالمجلس ستتبنى المطلب في صورة توصية أو مشروع تعديل، وثالثها توقيت إعداد موازنة 2027/2028 الذي بدأت المالية التحضير له خلال الربع الحالي، فهو الموعد الطبيعي الوحيد الذي يمكن أن تظهر فيه أي زيادة من هذا النوع برقم معتمد. حتى ذلك الحين، تبقى كلمة الشورى إشارة مبكرة إلى أن ملف الأجور — بكل فئاته — سيكون أحد أكثر ملفات العام المالي المقبل سخونة.







