أغلقت البورصة المصرية تعاملات اليوم الاثنين 2 نوفمبر 2026 على تراجع جماعي للمؤشرات، لتخسر القيمة السوقية نحو 65.113 مليار جنيه وتغلق عند 3.832479 تريليون جنيه، مقابل 3.897 تريليون جنيه في ختام جلسة الأحد، في جلسة كان يفترض أن تكون احتفالية مع بدء تداول أسهم بنك القاهرة لأول مرة، لكن ضغوط البيع من المستثمرين العرب والأجانب فرضت اللون الأحمر على شاشات التداول حتى الدقائق الأخيرة.
وجاء هذا الأداء امتدادا لحالة الحذر التي تسيطر على المتعاملين منذ قرار البنك المركزي المصري يوم الخميس 29 أكتوبر برفع أسعار الفائدة بشكل مفاجئ بنسبة 1%، لتصل إلى 20% للإيداع و21% للإقراض، وهو القرار الذي أعاد تسعير المخاطر في السوق، ودفع كثيرا من المحافظ إلى تخفيف مراكزها في الأسهم والاتجاه مؤقتا إلى أدوات الدخل الثابت، خاصة مع استمرار خروج الأجانب من أدوات الدين والأسهم المصرية خلال الأسابيع الأخيرة.
مؤشرات البورصة المصرية تغلق على تراجع جماعي
تراجع المؤشر الرئيسي EGX30 بنسبة 0.70% ليغلق عند 48403 نقاط، مواصلا الهبوط للجلسة الثانية على التوالي بعد أن كان قد خسر 1.72% في جلسة الأحد وأغلق عند 48744 نقطة. كما هبط مؤشر EGX30 محدد الأوزان بنسبة أكبر بلغت 1.46% ليغلق عند 59791 نقطة، وانخفض مؤشر EGX30 للعائد الكلي بنسبة 0.69% ليصل إلى 22586 نقطة، وهو ما يعكس أن التراجع لم يقتصر على الأسهم القيادية الكبيرة وحدها، بل امتد إلى مكونات المؤشر بدرجات متفاوتة.
وكان الضغط أوضح على الأسهم الصغيرة والمتوسطة، إذ هبط مؤشر EGX70 متساوي الأوزان بنسبة 2.23% ليغلق عند 16293 نقطة، في إشارة إلى أن المستثمرين الأفراد والمضاربين كانوا الأكثر تسرعا في البيع وجني الأرباح وتقليص المراكز المكشوفة. كما تراجع المؤشر الأوسع نطاقا EGX100 متساوي الأوزان ليغلق قرب 21912 نقطة، وانخفض مؤشر الشريعة الإسلامية بنسبة 1.10% ليغلق عند 5796 نقطة، لتغلق جميع المؤشرات الرئيسية في المنطقة الحمراء دون استثناء.
ولم تكن بداية الجلسة بهذا الضعف نفسه، فقد حاول السوق في منتصف التعاملات أن يتماسك وصعد المؤشر الرئيسي مؤقتا إلى مستويات 49089 و49124 نقطة، قبل أن تظهر قوى بيعية قوية في النصف الثاني من الجلسة وتدفع المؤشرات إلى الإغلاق قرب أدنى مستوياتها اليوم، وهو نمط يتكرر منذ رفع الفائدة، إذ تتحول أي محاولة للصعود إلى فرصة للخروج لدى شريحة واسعة من المتعاملين.
خسائر رأس المال السوقي وضغوط بيع عربية وأجنبية على البورصة المصرية
خسارة 65.113 مليار جنيه في جلسة واحدة ليست رقما هينا، حتى في سوق تجاوزت قيمته السوقية 3.8 تريليون جنيه. فهي تعني أن شريحة كبيرة من ثروات المستثمرين في الأسهم المقيدة تآكلت في يومين متتاليين، وأن شهية المخاطرة تراجعت بشكل ملموس. وبحسب متعاملين في السوق، قاد العرب والأجانب موجة البيع اليوم، بينما لم تكن مشتريات المؤسسات المحلية والأفراد المصريين كافية لامتصاص المعروض، خاصة في الأسهم القيادية ذات الوزن النسبي الكبير في المؤشر الرئيسي.
ويأتي هذا السلوك في سياق أوسع من إعادة تقييم الأجانب لاستثماراتهم في الأسواق الناشئة عموما، وفي مصر خصوصا، بعد رفع الفائدة المفاجئ. فمن ناحية، يجعل رفع الفائدة أدوات الدين الحكومية أكثر جاذبية بعائد يقترب من 20%، ومن ناحية أخرى يرفع كلفة التمويل على الشركات المقيدة ويضغط على تقييمات الأسهم، لأن المستثمر بات يطلب عائدا أعلى لتعويضه عن المخاطرة. والنتيجة الطبيعية في الأجل القصير هي ضغط مزدوج: خروج من الأسهم وترقب لما ستسفر عنه بيانات التضخم والتدفقات الأجنبية المقبلة.
كما لا يمكن فصل أداء الاثنين عن أداء الأحد، حين خسر المؤشر الرئيسي 1.72% في أول رد فعل كامل على قرار المركزي. فالسوق عادة لا يستوعب قرارا مفاجئا بحجم 100 نقطة أساس في جلسة واحدة، بل يحتاج إلى عدة جلسات يعيد فيها ترتيب مراكزه، خاصة عندما يأتي القرار عكس توقعات أغلب بنوك الاستثمار التي كانت ترجح التثبيت. ولهذا يرى كثير من المحللين أن موجة الهبوط الحالية، رغم حدتها، تظل في إطار إعادة التسعير وليس انهيار ثقة كاملا، بشرط ألا تتسارع وتيرة خروج الأجانب في الجلسات المقبلة.
بنك القاهرة يبدأ رحلته في البورصة.. قمة 5.68 جنيه وإغلاق هادئ
الحدث الأبرز في جلسة الاثنين كان بلا منازع بدء تداول أسهم بنك القاهرة تحت رمز BQDC، بسعر مرجعي للافتتاح بلغ 5.30 جنيه للسهم. وحضر مراسم قرع جرس بدء التداول الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، وحسن عبد الله محافظ البنك المركزي المصري، في رسالة رسمية واضحة بأن طرح بنك القاهرة يمثل خطوة مهمة في برنامج الطروحات الحكومية وتعميق سوق المال.
وفي الساعات الأولى من التداول، استقبل المستثمرون السهم بحماس ملحوظ، إذ قفز سعره خلال الجلسة إلى 5.68 جنيه، بارتفاع يقترب من 7% عن السعر المرجعي، وتراوحت مكاسبه في الساعة الأولى بين 3.4% و6.5%. غير أن هذا الحماس لم يصمد حتى الإغلاق، فقد تعرض السهم لعمليات بيع وجني أرباح سريعة مع تراجع السوق كله، لينهي أولى جلساته عند 5.31 جنيه فقط، بمكسب هامشي بلغ 0.19%، أي قرش واحد فوق سعر الافتتاح المرجعي.
هذا التباين بين القمة اليومية والإغلاق يلخص مزاج السوق اليوم بدقة: هناك اهتمام حقيقي بالورقة الجديدة وبقصة بنك القاهرة كبنك حكومي كبير يدخل البورصة، لكن لا توجد في الوقت نفسه رغبة لدى كثير من المتعاملين في الاحتفاظ بمراكز كبيرة في يوم تتراجع فيه كل المؤشرات. فمن اشترى في الدقائق الأولى حقق مكسبا ورقيا سريعا ثم فضل الخروج، ومن انتظر الإغلاق وجد السهم مستقرا تقريبا عند نقطة البداية، في انتظار جلسات مقبلة أكثر هدوءا تحدد اتجاهه الحقيقي بعيدا عن ضجيج اليوم الأول.
ويبقى أداء سهم بنك القاهرة في الأسابيع المقبلة اختبارا مهما لبرنامج الطروحات كله. فنجاح الطرح لا يقاس بقفزة اليوم الأول، بل بقدرة السهم على الحفاظ على سيولة نشطة وسعر عادل يعكس نتائج أعمال البنك ونمو محفظته، وبقدرة السوق على استيعاب طروحات أخرى مقبلة. أما إذا تحولت المكاسب الهامشية إلى تراجعات متواصلة، فسيكون ذلك إشارة سلبية يصعب تجاهلها من جانب المستثمرين الذين يترقبون طروحات جديدة.
تحليل الفلوس
ما حدث في جلستي الأحد والاثنين يقول إن السوق لم يهضم بعد قرار رفع الفائدة المفاجئ بنسبة 1%. فالجلسة الثانية على التوالي في المنطقة الحمراء، وخسارة تتجاوز 65 مليار جنيه من القيمة السوقية في يوم واحد، وإغلاق سهم منتظر مثل بنك القاهرة على مكسب 0.19% فقط بعد أن لامس زيادة 7% خلال الجلسة، كلها عناصر ترسم صورة واحدة: ثقة المستثمرين مهتزة في الأجل القصير، وأي خبر إيجابي، حتى لو كان طرحا تاريخيا بحضور رئيس الوزراء ومحافظ المركزي، لا يكفي وحده لعكس الاتجاه ما دامت التدفقات الأجنبية في اتجاه الخروج وكلفة الفرصة البديلة في أدوات الدين عند أعلى مستوياتها.
في الوقت نفسه، لا ينبغي قراءة إغلاق بنك القاهرة الهادئ كفشل للطرح. فالسهم أغلق فوق سعره المرجعي ولو بقرش واحد، في يوم خسر فيه مؤشر الأسهم الصغيرة أكثر من 2.2% وتراجعت فيه كل المؤشرات بلا استثناء. والمقارنة العادلة ستكون مع أدائه في الجلسات المقبلة عندما يهدأ ضغط البيع العام، وتظهر طلبات حقيقية مبنية على نتائج البنك وتوزيعاته وخططه، لا على مضاربات اليوم الأول. تاريخيا، كثير من الطروحات الكبيرة تبدأ بداية متقلبة ثم تجد مستواها العادل خلال أسابيع، والمهم ألا ينكسر السهم بوضوح دون 5.30 جنيه في الجلسات الأولى، لأن كسر سعر الطرح نفسيا أصعب من تذبذب يوم الافتتاح.
ما يجب مراقبته من الآن هو ثلاثة أمور مترابطة: أولا، اتجاه صافي تعاملات الأجانب والعرب في جلسة الثلاثاء وما بعدها، فعودتهم إلى الشراء ولو تدريجيا ستكون أول إشارة على انتهاء إعادة التسعير. وثانيا، قدرة المؤشر الرئيسي EGX30 على التماسك فوق مستوى 48000 نقطة، فالبقاء فوقه يبقي الهبوط في إطار تصحيح قابل للاحتواء، بينما كسره بإغلاق واضح قد يفتح الباب لموجة تراجع أعمق. وثالثا، سلوك سهم بنك القاهرة نفسه من حيث أحجام التداول واستقرار السعر، لأنه بات من اليوم مرآة لشهية السوق تجاه الطروحات الحكومية كلها. وحتى تظهر إشارات إيجابية على هذه الجبهات الثلاث، يظل الحذر هو العنوان الأقرب لتعاملات البورصة المصرية، مع فرص انتقائية لمن يملك سيولة وصبرا، لا لمن يطارد قفزات سريعة في سوق يعيد تسعير نفسه.







